صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







القضايا النقديّة في النثر العربيّ القديم: ‏ اللفظ والمعنى:
أدباء وشعراء ومطبوعات




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية








القضايا النقديّة في النثر العربيّ القديم: ‏ اللفظ والمعنى:



القضايا المعرفيّة في النثر الصوفيّ - القضايا النقديّة في النثر العربيّ القديم: ‏ اللفظ والمعنى: - القضايا النقديّة في النثر العربيّ القديم: ـ المقارنة بين الشعر والنثر
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية


اللفظ والمعنى:

انقسم نقّاد اللفظ والمعنى فريقين:‏

الأول يرى أنّ اللفظ بائدٌ، والمعنى باقٍ، يُمثلّه عبد القاهر الجرجاني، وأبو حيان التوحيدي.‏

والثاني يرى أنّ المعنى هو البائد، واللفظ هو الباقي، يمثّله الجاحظ، وكان الفريق الثاني هو الأقوى، بدليل انصراف أغلب الدراسات النقدية إلى أدب الصنعة، شعراً كان، أو نثراً؛ ذلك الذي يُعنى بالصياغة الشكلية، ويُهمل المضمون بما يحمل من معانٍ، وكان من أخطر نتائج الفصل بين اللفظ والمعنى، طغيان ظاهرة اللفظية على تراثنا الأدبي والنقدي على حدٍّ سواء، وطغيان ظاهرة الفصل بين اللغة والفكر من جهة، واللغة و الإحساس من جهةٍ أخرى، فأُهمِلَتْ طويلاً الكتابة الفلسفية، والاجتماعية والصو فية. رُغم ميلها الشديد إلى الأدب.‏

كان هذا الفصلُ خطأً نقديّاً؛ لأنّ اللغة هي الفكر، إذ الألفاظ هي المعاني، وما كان من مُسوّغٍ للفصل بينهما على نحو ما قالت النظريات النقدية القديمة، فبقيت اللغة وضعية اصطلاحية، قبل أن يأتي نقّادٌ وبلاغيون يستنبطون ما في اللغة من خصوصية الاستخدام الفني، الذي يبتعد بالألفاظ عن مستواها العادي، إلى مستواها الفني والرمزي، بعيداً عن مشكلات الصدق والكذب، والوضوح والغموض، والسرقات الشعرية؛ وهي مشكلات أثارها النقد القديم، في ظلِّ توحيده المُقدّس بين اللغة الشعرية والشكل الثابت للقصيدة، كأحد مبادئ علم الجمال الاتباعي العربي، الذي لم يُعْنَ بجمالية الطاقة غير المنتهية الكامنة في اللغة، والتي تُقابل الطاقة المنتهية في الشكل المحدود.‏

سبقَ الأدبُ النقدَ في شوط الحداثة، وظهرت كتابات أثارت حفيظة النقّاد وجدلهم، فنصبّوا أنفسهم حُماةً للغة التي فجّرها شعراء وكُتَّاب محدثون، جعلوا منها، كما يقول أدونيس: "لغةً خالقةً ب استمرار، لغةَ نبوءة، واستبطان واستكشاف تُحرّك وتفتح أبواب الاستباق(1)". فطغيان النظرة المنطقية للغة صرفَ انتباه النقّاد عن خفايا جمالية، بما فيها قوة الخيال، إلى مقياس نقدي آخر، هو البلاغة والخطابة، وفي النقد القديم اختلط مفهوما البلاغة والخطابة، وشكّلاً مقياساً نقديّاً نجده أساساً واضحاً في نقد الجاحظ.‏

حَيّرت عبارة الجاحظ "المعاني مطروحة في الطريق" النقّادَ، وخاصةً المحدثين منهم، حيث رأوا انحيازاً واضحاً إلى اللفظ، وتأسيساً لمذهب الصنعة على حساب مذهب الطبع. وسواء كان اللفظ في نقد الجاحظ أهم من المعنى، أو المعنى أهم من اللفظ، فهناك حقيقة هامة ينطوي عليها نقد الجاحظ،وهي أنّ للفظ فضلاً كبيراً في تأدية المعنى شعراً ونثراً، ويكون بذلك أول من أثار مشكلة اللفظ والمعنى، وأول من نادى بمذهب الصنعة القائم أساساً على مهارة استعمال اللفظ، يقول: "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي و[المدني]، وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، و[كثرة الماء]، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما ال شعرُ صناعةٌ وضربٌ من النسجِ وجنسٌ من التصوير(2)". وإذا كان بعض النقاد رأوا في عبارة الجاحظ تفضيلاً للفظ، فإنّ هذا لا يعني أبداً أنّ الجاحظ قد غفل عن الفرق بين التكلّف في اختيار الألفاظ، وصوغ العبارات، والاهتمام والبحث والتخيّر الحسن، حيث يعني هذا الاهتمام التنقيح والتهذيب، وصولاً إلى مجد الكتابة.‏

ولم يهمل الجاحظ المعاني إهمالاً كاملاً، فقد تحدّث حديثاً عارضاً عن المعاني القائمة في الصدور والأذهان والنفوس والخواطر والفِكَر.‏

يُعوّل الجاحظ على اللفظ؛ لأنّ المعاني ـ في رأيه ـ غير محدودة بينما الألفاظ محدودة، ولذلك تبدو مهمة المتعاطي مع الكتابة مُركّزةً على الألفاظ، والنص التالي يُوضّح رأي الجاحظ في اللفظ والمعنى "حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ؛ لأنّ المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومُحصَّلة محدودة، وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقُص ولا تزيد: أو ّلُها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحليةٌ مُخالفةٌ لحليةِ أُختِها(3)".‏

صحيحٌ أنّ عبارة الجاحظ المشهورة، لا تُصرِّح بانتقاص قدر المعاني، لكنّها تشي بقلة اهتمام بها، وشدة اهتمام بالألفاظ، ويكاد يكون حديثه عن المعاني لا يُقارن بحديثه عن الألفاظ، فالمعاني ـ حسب الجاحظ ـ لا منتهية، وهي من ثمّ متوافرة لكلِّ من أراد أن يكتب، وفي هذا تبسيطٌ لفكرة المعنى، فهناك معانٍ لا يدركها كلّ الكتّاب، وهناك مناطق مجهولة في المعنى لم تُكتشف، كما في طرق الصياغة والتعبير. وليست نظرية الجاحظ في اللفظ والمعنى ظلماً للمعنى وحده، بل هي ظلمٌ للفظ أيضاً، ما دام يشترط للفظ البليغ مشاكلته للمعنى، وتعبيره عنه، وموافقته للحال، يقول: "متى شاكل اللفظ معناه، وأعربَ عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقاً، ولذلك القدر لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلّف، كان قميناً بحُسنِ الموقع، وبانتفاع المستمع، وأجدر أن يمنع جانبه من تناول الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العيّابين، ولا تزا ل القلوب به معمورة، والصدور مأهولة(4)". يعني الجاحظ الاستخدام الاصطلاحي للألفاظ المعتمد على القاموس، لا الاستخدام الفني المطلوب في الشعر والنثر، ولكن لا غرابة، فهذه إحدى نتائج ارتباط مفهوم البلاغة بالخطابة، وفي سياق حديثه عن بلاغة المعنى، نكاد نستنتج تقسيمه المعاني إلى معانٍ عامة، ومعانٍ خاصة، ويقرن بالمعنى مصطلحات غير أدبية، بل هي أقرب إلى المنطق، كالصواب، والفائدة، وموافقة الحال والمقال يقول: "المعنى ليس يشرُف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، وإنّما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقامٍ من المقال(5)".‏

من ملاحظات النقّاد المحدثين على عبارة الجاحظ "المعاني مطروحة...." ملاحظة للدكتور زكي العشماوي، يرى فيها أنّ عبارة الجاحظ المشهورة تتسم بالغموض، وعدم التحديد الصحيح والدقيق لمفهوم المعنى واللفظ على حدٍّ سواء، وفي رأيه أنّ الذي يُحدّد فهم الجاحظ للمعنى واللفظ هو كتاب "البيان والتبيين" كاملاً(6). لكنّ المعنى المستفاد من رأي الجاحظ هو سيادة النظرة المنط قية للغة؛ فبلاغة اللغة هي بلاغة الخطابة، والمعنى يُوجد أوّلاً مستقلاً، ثم يتبعه اللفظ في إطارٍ من العناية الفائقة بالشكل، عن طريق الصياغة، والنسج، والتصوير.‏

تأثر النقّاد بعد الجاحظ برأيه "المعاني مطروحة في الطريق..."؛ فالعسكري يكادُ يُكرّرُ العبارة حرفيّاً، فيقول: "وليس الشأن في إيراد المعاني، لأنّ المعاني يعرفها العربي والعجمي، والقروي، والبدوي، وإنّما هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه(7)". ورأي العسكري لا يُمثّل نفسه بقدر ما يمثِّل تيّاراً نقديّاً كاملاً، تيّاراً اتباعيّاً لا يجرؤ على القول بوحدة تقوم بين اللفظ والمعنى، لكنّ بعض النقّاد سلموا من بعض الخوف، ولمحّوا تلميحاً إلى تلك الوحدة كما في نص لابن رشيق القيرواني، يربط فيه بين اللفظ والمعنى "اللفظ جسم وروحه المعنى وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم يضعف بضعفه ويقوى بقوته، فإذا سلمَ المعنى واختلّ بعض اللفظ كان نقصاً(8)"، ويقول أيضاً: "إذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحفَ فيه غيره من المعاني أو نقص ممّا أطال ه سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجهٍ عن وجهً آخر كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن لـه إلاّ فضل الوزن(9)".‏

المعنى هو المضمون، واللفظ هو الشكل، فالمعنى إذن هو الحياة الإنسانية بتاريخها، وأفكارها، وبيئاتها، وحضارتها، واللفظ إذن هو الصياغة من بناءٍ لغوي وأساليب بلاغة، كالإيجاز، والتوكيد، والتقديم، والتأخير، والقصر، والمجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، ما يُحّققُ الأداء التعبيري، وقد وقع الأدب والنقد معاً في مأزق الشكلانية الذي تجلّى في المبالغة في الشكل، وتنحية المضمون باستثناءات قليلة "أدبية ونقدية" حَثَّتْ على التحام الشكل بالمضمون، دون أن ترقى ـ خاصة النقدية منها ـ إلى القول بتداخلهما واتحادهما، وإلى القول بأنّ اللغة مرآة الفكر، والفكر مصدر اللغة، وأنّ الفن الحقيقي ابتكار واكتشاف على صعيدي الشكل والمضمون، واللفظ والمعنى معاً.‏

انتقلت فكرة الشكل والمضمون إلى الأدب من الفلسفة حيث الشكل هو الصورة والمضمون هو الهيولى أو "المادة"، والعلاقة بينهما علاقة ارتباط كُليّ إلى درجة الاتحاد، وقد بدأت مشكلة الشكل والمضمون في الشعر، وكانت فصلاً بين اللفظ والمعنى، قال به المعتزلة انطلاقاً من مشكلة خلق القرآن، وقضية المجاز، فقد ذهب المعتزلة إلى التفريق بين "المدلول" و"الدلالة" في النص القرآني، فالمدلول معنى قائم في النفس، يسبق في وجوده الدلالة التي هي الألفاظ التي يُعبِّرُ بها عن المعنى.‏

ظلمَ النقدُ العربي القديم "المعنى"؛ إذا لم يفهم من مصطلح المعنى سوى الفكرة العارية المجرّدة، فمعنى الشعر، ومعنى النثر هو الغرض أو القصد أو الفكرة، ولم يُدخِل النقد القديم الصورةَ الفنية في صلب المعنى. برغم أنّ "الصورة الفنية طريقةٌ خاصة من طرق التعبير، أو وجهٌ من أوجهِ الدلالة، تنحصرُ أهميتها فيما تُحدث في معنى من المعاني من خصوصية وتأثير(10)". وذلكَ يحدث حين يتحقق في الصورة صدورها عن فكرة عقلية، أو شعور وجداني ثم تجسّدها بلغة فنية عالية، ويُقدّم معناها بطريقة تصويرية، وتجسيمية أحياناً: الأمر الذي يرفضه الموقف الإسلامي من الفن، حيث كرّس الفصل بين ال شكل والمضمون "الشكل وعاء حيادي قائم بذاته موجود سلفاً، هو الشكل الجاهلي، والمضمون هو الإسلام بقيمه وموحياته(11)".فقد كان توليد المعنى في الأدب كالبدعة في الشرع، وأثرّت هذه النظرة في نقد كل النقّاد، ولم تتجلّ في سوء تقديرهم للمعنى فقط، بل في سوء تقديرهم للفظ أيضاً. فهاهو ذا ابن قتيبة يجعل للألفاظ دلالات مفردة أو مستقلة، أمّا المعنى عنده فهو مجرد المحتوى المنطقي للكلام، كما يُقسّم الشعر قسمةً حادّةً صارمة يتضحُ فيها الفصل بين اللفظ والمعنى؛ فالشعر عنده أربعة أضرب: "ضربٌ حَسُنَ لفظه وجاد معناه، وضربٌ حَسُنَ لفظه وحلا ولا فائدَة في معناه، وضربٌ جاد معناه وقَصُرَت ألفاظه عنه؛ وضربٌ تأخرّ معناه وتأخرّ لفظه(12)"، ويُعرّفُ ابن قتيبة اللفظ والمعنى فاللفظ هو وقع الكلمات، والمعنى هو الأفكار الخُلقية والتصورات الغريبة والطرائق النادرة، يقول في أنحاء متفرقة من كتابه (هذه الألفاظ، أحسنُ شيءٍ مخارجَ ومطالعَ ومقاطع... وقد يُختار الشعر ويُحفظ، لأنّه غريبٌ في معناه،.... وهذا الشعر شريف بنفسه وبصاحبه...(13))،وهكذا فالشعر، يُنظر إليه من ناحية اللفظ والمعنى، في جودتهما، أو رداءتهما. أمّا التصوير الفني ونقل المشاعر، والأداء الإيق اعي، فلا يُقدِمّان للمعنى واللفظ شيئاً في النقد العربي القديم.‏

اهتّم قدامة بن جعفر بمشكلة اللفظ والمعنى، فقد تحّدثَ عن أنواع المعاني، وأهمها صحة التفسير، وعن أنواع نعوت المعاني كالتتميم، والمبالغة، والتكافؤ، والالتفات، وتحدّث ـ أيضاً ـ عن أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى، وهي أربعةٌ:‏

"المساواة: مساواة اللفظ للمعنى بلا زيادة ولا نقصان.‏

والإشارة: لفظ قليل ومعنى كثير.‏

والإرداف: في الدلالة على معنى، وهو لفظ يدل على معنى هو ردفه، وتابعٌ لـه، ولا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى.‏

والتمثيل: في الإشارة إلى معنى يُستعان بكلام يدل على معنى آخر(14)"، وتحدثّ قدامة عن عيوب اللفظ، وهي "اللحن والبعد عن سبيل الإعراب واللغة والمعاظلة "دخول الشيء في الشيء(15)"، وتحدث عن عيوب المعنى وهي "فساد الأقسام، وفساد المقابلات، وفساد التفسير، والاستحالة، والتناقض، وإيقاع الممتنع فيها في حال ما يجوز وقوعه، ويمكن كونه، ومخالفة العرف وأن ينسب إلى الشيء ما ليس لـه(16)"، كما تحدث عن عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى؛ وهو أحد إخلالين: "إمّا أن يترك من اللفظ ما به يتم المعنى، أو أن يزيد في اللفظ ما يفسد به المعنى(17)"، ثم أخرج قدامة من ائتلاف عناصر الشعر (اللفظ والمعنى والقافية والوزن) أربعة ائتلافات؛ وهي "ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف الوزن مع اللفظ، وائتلاف المعنى مع الوزن، وائتلاف المعنى مع القافية(18)"، ويرى الدكتور زكي العشماوي في هذه الائتلافات "فساداً، وتفتيتاً ظاهراً لوحدة العمل الفني(19)"، وبرغم اهتمام قدامة بالمعنى، خاصةً في كتابه "نقد النثر"، حيث شغلت دراسته للمعنى الجزء الأكبر من كتابه، فخصّصَ لـه باباً مستقّلاً سمَّاه "باب المعاني الدال عليها الشعر" رأى فيه أنّ المعاني الجيدة لابُدّ أن تتوافر فيها صفاتٌ مثل:‏

صحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير، والتتميم، والتكافؤ، والالتفات، فإنّ جنوح قدامة إلى الشكل ظهر في كتبه على شكل اهتمام بالترصيع، والسجع، والوزن، واللفظ، والتقسيم، والمقابلة، والتوازي،...الخ.‏

ناقدٌ آخر يُلمس في نصوصهِ ميلٌ إلى جهة المعنى هو القلقشندي، ففي معرض حديثه عن صنعة الكلام ومعرفة كيفية إنشائه وتأليفه، وفي معرفة المعاني في شرفها وفضلها يرى القلقشندي، أنّ المعنى بدن واللفظ ثوب، فالمعنى متبوع واللفظ تابع يقول: "وطلب تحسين الألفاظ إنّما هو لتحسين المعاني، بل المعاني أرواح الألفاظ، وغايتها التي لأجلها وُضِعَتْ، فاحتياج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى أشدُّ من احتياجه إلى تحسين اللفظ؛ لأنّه إذا كان المعنى خطأً كأن الكلام بمنزلة الإنسان الذي لا روحَ فيه ولو كان على أحسن الصور وأجملها(20)". فاللفظ غير الفصيح يُسيء إلى المعنى روحاً، واللفظ جسداً، معناه أنّه لابُدّ من تلاؤم المعاني، وولادة الألفاظ مع الطبع، والسهولة، بعيداً عن التكلف، والغموض، والتعقيد.‏

وُجِدَ نقّاد آخرون، فهموا العلاقةَ بين الشكل والمحتوى (اللفظ والمعنى) فهماً أرحب، فسوّوا بينهما، ونظروا إلى هذه العلاقة في ضوء المفهوم الفلسفي للعلاقة بين المادة والصورة، وتعدّدت أسماء المعنى، ففضلاً عن معناه الاصطلاحي ظهرت أسماء كالمُبتدع، والمُخترع، والمُبتكر، والمُختّص، وظهرت قضايا نقدية أفرزتها مشكلة المعنى؛ كقضية التوليد التي عالجها النقد العربي تحت عنوان "السرقات".وهذا الاتجاه النقدي الرحب، نظرَ إلى العمل الفني بوصفه جسداً من ألفاظٍ ومعانٍ ومشاعر، وأفكار وخيالات، في حضور إبداعي كُلّيٍّ موحد، وإلى هذا الاتجاه ينتمي نقاد مثل التوحيدي، وعبد القاهر الجرجاني.‏

فأبو حيان يجمع بين اللفظ والمعنى، ويرى فيهما وحدةً وانصهاراً في بوتقة نحويّة لغوية بيانية بلاغيّة معاً، فالأجدر بالكاتب تحقيق هذه الفلسفة الخاصة للغة بعشق اللفظ والمعنى معاً يقول: لا تهوَ المعنى دون اللفظ، وكُنْ من أصحاب البلاغة والإنشاء في جانب(21)"، ويقول أيضاً: "حقائق المعاني لا تثبت إلاّ بحقائق ال ألفاظ، وإذا تَحرّفت المعاني فذلك لتزيّف الألفاظ فالألفاظ متلاحمة، متواشجة، متناسجة، فما سَلِمَ من هذه فقد أجحف بهذه(22)"، وفي المقابسات يعرضُ التوحيدي تحت عنوان "الألفاظ والمعاني" رأياً لأبي بكر القومسي عن جمالية الألفاظ والمعاني، فجمالية الألفاظ في اختلافها في السمع، وجمالية المعاني في اتفاقها في النفس، كما يقول بعض الحكماء، وقد برّر القومسي هذا القول بعد أن أكدّ ملاحتَه وصوابه، سَوّغه بالقول إنّ اللفظ يستقبله الحس عن طريق السمع الذي يتبدّد بواسطته، بينما المعنى تستقبله النفس وتتوحدّ به، والحس تابعٌ للطبيعة، فكلّما اختلفت مراتبها على عادةِ أهلِها كان وشيُها أروع وأجهر، والمعاني جواهر النفس، فكلّما ائتلفت حقائقها على شهادة العقل كانت صورتُها أنصع وأبهر(23). فالمعنى أرفع مكانةً من اللفظ لثباته ولكونه آتياً من العقل، الخلاف بين اللفظ والمعنى أنّ اللفظ طبيعي والمعنى عقلي، ولهذا كان اللفظ بائداً على الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثرٍ آخر من الطبيعة، ولهذا كان المعنى ثابتاً على الزمان، لأنّ مُسْتملى المعنى عقل، والعقل إلهي، ومادة اللفظ طينية، وكل طيني متهافت(24)".‏

أمّا عبد القاهر الجرجاني فهو من أهم النقّاد الذين درسوا مشكلة اللفظ والمعنى في النقد العربي، وإليه يعود فضل التوحيد بينهما، بعد قيامه بالتوحيد بين اللغة والفكر، وأتبع هذين التوحيدين بتوحيد ثالث، هو التوحيد بين التعبير والجمال، فضلاً عن ابتكارٍ لغوي جديد في دراسة الأدب، كان محور دراسته النقدية "النظم" ونظرية النظم هي نظريته القائلة: إنّ الألفاظ المفردة هي ذاتُ معانٍ إشارية، أمّا المعاني الحقيقية، والمُحدّدة فهي وليدة السياق الذي يمنحها شحناتها الشعورية، والذهنية. (الألفاظ المفردة لم تُوضع لتُعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يُضّم بعضُها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علمٌ شريف وأصلٌ عظيم(25)).‏

تميّزت نظرة الجرجاني للغة برحابة وغنىً لم تتوافرا لنظرات النقّاد قبله، فلم تعدِ اللغة هي مجرد الألفاظ، وغدا النحو أكثر ارتباطاً بعلم المعاني والبلاغة بعد تصحيحه مفهوم النحو المغلوط فيه، الذي كان يرتبط بقواعد منطقية جامدة، فالنحو كما يراه الجرجاني هو العلم الذي يكشف لنا عن المعاني ا لتي يعتقد د. العشماوي أنّ المقصود بها "الألوان النفسية المتباينة التي ندركها من علاقاتٍ للكلام بعضه ببعض، ومن استخدام الشاعر اللغة استخداماً يجعل من ارتباط بعضها ببعض نسيجاً حيّاً متشعِّباً من الصور والمشاعر(26)". وأصبح خطأ النظم أو صوابه يتأتى من معاني النحو وأحكامه، أي معاني التقديم والتأخير، والفصل، والوصل، والحذف والإخبار، والشرط والجزاء، والتعريف والتنكير، وطريقة استخدامها، وأصبح النحو هو اللغة باتساعها، لا المنطق بجموده وضيقه، فقد كان النحو قبل الجرجاني مجرّد منطق جامد.‏

على يدِ الجرجاني التقت اللغةُ الفكرَ والفنَّ معاً، وتوحدت معهما، خاصةً حين فرَّق بين اللفظ المفرد، واللفظ المُستخدم في سياقٍ كلاميّ، وقد وصف د. العشماوي هذا التفريق وصفاً مُعبّراً حين قال: "أوضحَ الجرجاني الفرق بين اللفظ وهو مجرّد إشارة باردة، أو مجرد أداة اصطلاحية الغرض منها الإشارة إلى موضوع ما، وبينه وهو خليّة حيّة متفاعلة وعاملة ومشحونة بعناصر الفكر والشعور، وبعدَ أن أُفهمنا أنّ الكلمة وهي مفردة هي مجرد صوت غير محدد المعالم، وأنها وهي ملتح مة في نسيجٍ عضوي إنّما هي شحنةٌ من المشاعر، ونواة أساسية، ومحور يتحرك ويُحرّك ما حوله، يؤثر ويتأثر(27)". فالخلق الأدبي لفظٌ ومعنى، واللفظ في خدمة المعنى، والمعنى في خدمة اللفظ، واللفظ عند الجرجاني ليس صوتيّاً، وحسب، إنّه يتضمنُ إمكاناتٍ غير صوتية، أيضاً، إمكانات متصلة بالحروف ومخارجها، والمعنى عنده ليس عقلياً وحسب، بل هو إنساني، وعاطفي، وذهني، ونفسيٌ أيضاً، وصوتي "المعنى عند الجرجاني ليس المثل، أو الحكمة، أو الفكرة الفلسفية، أو الأخلاقية؛ إنّما المعنى هو كلّ ما تولّد من ارتباط الكلام بعضه ببعض، هو الفكر والإحساس والصوت والصورة، وهو كل ما ينشأ عن النظم والصياغة من خصائص ومزايا(28)".‏

يُحقّق الجرجاني القول في البلاغة والفصاحة، في المعنى واللفظ، ويربط بينهما، وإن بدا أكثر ميلاً إلى الاهتمام بالمعنى "إنّ مدار أمر النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكونَ فيه.. ثم اعلم أنّ المزيّة ليست واجبة لها في أنفسها، ولكن يُعْرَض بسبب المعاني والأغراض التي يُوضع لها الكلام(29)"، وقد خصّص في الدلائل فصلاً أكد ّ فيه أنّ الفصاحة والبلاغة للمعاني في سياق النظم يقول: "إنّ الفصاحة تكونُ في المعنى، والمزيّة التي من أجلها استحقّ اللفظ الوصفَ بأنّه فصيح عائدةٌ في الحقيقة إلى معناه. اللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضعٍ ونراها بعينها فيما لا يُحصى من المواضع وليس فيها من الفصاحة قليلٌ ولا كثير، لأنّ المزيّة التي من أجلِها نصفُ اللفظ بأنّه فصيح مزيّةٌ تظهر في الكلم من بعدِ أن يدخلها النظم(30)".‏

ينتمي نقد الجرجاني إلى منهج النقد اللغوي الذي يفيد، أنّ اللغة ليست مجموعةً من الألفاظ، بل مجموعةً من العلاقات، وأنّ الألفاظ لا تفيد حتى تؤلّف ضرباً خاصاً من التأليف، وهذا ينطبق على الشعر والنثر معاً، ومع الجرجاني تطوّر مفهوم البلاغة، فلم نعد نُعول على الألفاظ كما عند الجاحظ والقائلين برأيه، بل نُعوّل على الروابط بينها، والتي تقوم بالأدوات اللغوية، فأساس هذه النظرية هو النحو الذي يشمل علم المعاني، ويتجاوز الصواب اللغوي إلى الصواب الفني، ويُعدُّ ابتكار الجرجاني لنظرية النظم في ذلك الوقت المبكّر سبقاً لأحدث نظريات علم اللغة المعاصر وأهمها، وكش فاً لأسرار الجمال الفني، والفضائل البلاغية.‏

ابتكرَ الجرجاني معياراً جديداً في تحديد ما هو فني، وغير فني، هو معيار العلاقة بين الشكل والمضمون، كما ابتكر معياراً آخر لوصف الأساليب هو الارتباط والتواؤم بين الكلمات، وبعدَ أن كان الأسلوب المثالي للنثر هو "اطرّاح العبارات دون نظام ظاهر التعقيد كان منظوراً إليه على أنّه (قمة الفن) كما عند الجاحظ، أصبح الأسلوب المثالي مع عبد القاهر هو أسلوب تأليف العبارات تأليفاً أكثر تعقيداً(31)".‏

أنكر الجرجاني الثنائية التي بنى النقد العربي على أساسها دراسته للفظ والمعنى، وابتكر مفهوم الوحدة، فلم يبقَ المعنى لديه مصطلحاً يتضمن مرادف اللفظ، كما هو عند الجاحظ وآخرين، بل أصبح يعني الدلالة الكليّة المُستّمدة من الوحدة، وقد وصل الجرجاني بذلك إلى "معنى المعنى" الذي يُمثلّه المستوى الفني من الكناية، والاستعارة، والتشبيه، فالمعنى هو ما تفهمه من ظاهر اللفظ دون واسطة، و "معنى المعنى" ما يُفضي إليه المعنى الظاهر "من مرحلة المعنى يتكون علم المعاني، ومن مرحلة "معنى المعنى" يتكون علم البيان. إنَ (دلائل الإعجاز) هو كتاب المعنى، وإنّ (أسرار البلاغة) هو كتاب (معنى المعنى)(32)".‏

وبذلك يكون الجرجاني قد رفع من قيمة الأفكار العقلية وما ينجم عنها من لذّةٍ نفسية وجمالٍ فني، ورُغم أنّ نظرية النظم التي تراعي اللفظ والمعنى، وتؤلف بينهما بعلاقةٍ قوية في إطار السياق الذي يمكننا من اكتشاف مزايا الألفاظ والمعاني، فإنّ هذه النظرة الشاملة لأهمية النظم، لم تمنع الجرجاني من التعويل الواضح على المعاني التي من أجلها يُراعى النظم، حين يربط اختيار الألفاظ بمعانيها، وبالفكر الذي يُولَد هذه المعاني. فحسب الجرجاني: المعاني، لا الألفاظ، هي المقصودة في إحداث النظم والتأليف، فلا نظم في الكلمات، ولا تأليف حتى يعلق بعضها ببعض، ويُبنى بعضها على بعض(33).‏

وهذا ما دفع الدكتور مصطفى ناصف في دارسته للمعنى إلى أن لا يستثنى الجرجاني من تخطئته نقاد العربية المتقدمي ن كافة ـ فحسب تعبيره ـ، فلسفتهم الرديئة تفصل بين اللفظ والمعنى، وتهملُ دراسة فكرة العلاقات من حيث هي مظهر لنشاط خلاّق، ودراسة هذا الخلق من الناحية الأنتروبولوجية أو السيكولوجية في الفكر العربي فهذا لم يحدث(34).‏

ناقدٌ آخر ـ هو القرطاجني ـ أولى اهتماماً أكبر للمعنى، وقدّم تصورّاً خاصّاً لـه، فالمعنى عنده ليس اللفظ المطابق مقتضى الحال، وليس المعنى الظاهر القريب، بل المعاني لديه، هي التي يمكن التوصل إليها عن طريق البحث في حقائق المعاني ذاتها وأحوالها، وطرق اجتلابها وتأليفها ومواقعها في النفوس، وتركيبها، وتضاعفها، وطرق استثارتها، استنباطها، وانتظامها في الذهن، وأساليب عرضها وصور التعبير عنها(35).‏

(1) مقدمة للشعر العربي 79.‏

(2) الحيوان 3/ 131، 132.‏

(3) البيان والتبيين 1/ 76.‏

(4) البيان والتبيين 2/ 7.‏

(5) البيان والتبيين 1/ 136.‏

(6) قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث 170.‏

(7) كتاب الصناعتين 72.‏

(8) العمدة 252.‏

(9) العمدة 239.‏

(10) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي 314.‏

(11) الثابت والمتحول 3 / 234.‏

(12) الشعر والشعراء 1/ 64، 66، 68، 69.‏

(13) الشعر والشعراء 1/ 66، 68، 69.‏

(14) نقد الشعر 153، 154، 157، 160.‏

(15) نقد الشعر 172، 174.‏

(16) نقد الشعر 204.‏

(17) نقد الشعر 205.‏

(18) نقد الشعر 153 ، 165، 167.‏

(19) قضايا النقد الأدب بين القديم والحديث 287.‏

(20) صبح الأعشى في صناعة الإنشا 2/ 183.‏

(21) الإمتاع والمؤانسة 1/ 10.‏

(22) البصائر والذخائر م2/ 1/ 92.‏

(23) المقابسات 75.‏

(24) المقابسات 75.‏

(25) دلائل الإعجاز 362 ، 363.‏

(26) قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث 308.‏

(27) قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث 315.‏

(28) قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث 328.‏

(29) دلائل الإعجاز 66.‏

(30) دلائل الإعجاز 275.‏

(31) نظرة المعنى في النقد العربي 26.‏

(32) تاريخ النقد الأدبي عند العرب 429، 430.‏

(33) دلائل الإعجاز 46.‏

(34) نظرية المعنى في النقد العربي 47، 48.‏

(35) منهاج البلغاء وسر اج الأدباء 13 ، 14.‏







القضايا المعرفيّة في النثر الصوفيّ - القضايا النقديّة في النثر العربيّ القديم: ‏ اللفظ والمعنى: - القضايا النقديّة في النثر العربيّ القديم: ـ المقارنة بين الشعر والنثر
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية


-----






--





palmoon tool bar
privacy policy