صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







مصرع لوركا الأندلسي وتأثيره في قصائد من الشعر العربي
أدباء وشعراء ومطبوعات




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية








مصرع لوركا الأندلسي وتأثيره في قصائد من الشعر العربي



تأثير فيديركو لوركا في شعر محمَّد القيسي - مصرع لوركا الأندلسي وتأثيره في قصائد من الشعر العربي - مجلة المعلومات الأدبية العـدد(594)(خاصة بالمعلومات الأدبيـة )Master LoVe
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية


مصرع لوركا الأندلسي وتأثيره في قصائد من الشعر العربي

ولد لوركا في قرية مويتينا فاكيروس 1898) قريباً من غرناطة أخرى حواضر الأندلس المشهورة. ولا يستبعد الباحثون أن يكون الدم العربي قد جرى في عروق هذا الشاعر الذي نفى مراراً أن يكون من أصل غجريّ. ويذكر مؤلف كتاب الأدب الإسباني إن هذا المزيج في شخصية لوركا هو الذي يفسّر ما في شعره من حنين يجري في أكثر قصائده، ومن خيالٍ فياض بالعطور والماس(1) .‏

درس لوركا الابتدائية والثانوية في غرناطة، والتحق بجامعتها، ولم يكن ميالاً للدراسات الأكاديمية، فقد انقطع عن دراسة الحقوق، ورسب ف ي امتحان بمادة تاريخ اللغة الإسبانية وحار بين الرسم، والموسيقى والمسرح، واتصل بالمؤلف الموسيقي إيمانويل دي فالا De Falla وتلقى على يديه دروساً في الموسيقى تركت أثراً واضحاً في شعره الغنائي(2) .‏

أما حياته الأدبية فاستهلّها عام 1918) بكتاب نثري عنوانه مشاهد وانطباعات. وفي العام 1919 انتقل من غرناطة إلى مدريد التي أدهشه ما فيها من أجواء ثقافية، وأدبية، وفنية، واتخذ منها دار إقامة، واقتصرت عودته إلى غرناطة -فيما بعد- على الزيارات القصيرة من حين إلى آخر.‏

وفي مدريد توطدت علاقته بالرسام سلفادور دالي، أحد روَّاد المذهب السريالي، والشعراء: خوان رامون، وأنطونيو ماتشادو، وروفائيل البرتي. وفي سنة 1921 أصدر ديوانه الشعري الأول قصائد Libro de Poemas الذي تجلّى فيه إحساسه الغنائي، واهتمامه بالمضمون الأندلسي للشعر، واستخدم رموزاً كثيرة، مثل الجيتار، والغجر، والقمر الأخضر، والريح، والماء، والزيتون، والنهر، وأصبحت كلماته هذه من الألفاظ الدالة على ارتباطه ببيئته الأندلسية. وتكررت في قصائده أسماء مُدُن مثل: قرطبة، ومالقة، وإشبيلية، وقادس، وجبل طارق، فضلاً عن "غرناطة" موطنه الأصلي.‏

وفي العام 1927) جمع أشعاره في كتاب سماه: الأغاني الغجرية Gitano Romancero الذي ترجم إلى عشرين لغة، لما أثارته أشعاره هذه من الدهشة لدى القراء الإسبان، وغير الإسبان، فهي قصائد زاخرة بالألحان الشعبية الراقصة، والرعشات، مع الألوان التي تصرخ فيها أشواق الحواس للأرض والحياة، والحب القوي. وفي هذا السياق يقول لويس باور مؤلف كتاب شعراء اليوم 1947): "لم تكن أغانيه الغجرية إلا تكملة للأزجال المغربية التي كانت تغنى في "غرناطة" في الحقبة التي جعل فيها العرب من الأندلس أجمل مملكة". ويضيف مترجم مسرحية عرس الدم قائلاً: "إن لوركا هو أول من جمع بقايا هاتيك الأزجال، وأضفى عليها شكلها الفني، المتكامل، ولم يقتصر هذا الجانب من لوركا على الشعر، فقد عمد -فيما تؤكد الفنانة الفرنسية مارسيل شوتيزر في كتابها لوركا موسيقياً-إلى جمع الألحان الشعبية الفولكلورية التي كانت متداولة في إقليم الأندلس، وتدوينها، وتوزيع ألحانها توزيعاً جديداً، باستخدام آلات جديدة، وبلغ عدد الألحان التي جمعها، وأعاد تدوينها، وتوزيعها، ثلاثمائة لحن"(3) .‏

وظهر تأثير هذه الألحان في ديوانه الأغاني الغجرية الذي استوحى فيه قصص الحب التي كانت شائعة في إسبانيا في القرن الخامس عشر(4) .‏

وفي العام 1929) زار لوركا الولايات المت حدة، وأقام في نيويورك عاماً وبعض العام، ونظم فيهما قصائد جديدة أصدرها في مجموعة بعنوان شاعر في نيويورك Nuevayork Poeta en ، وزار قبل رجوعه إلى إسبانيا كوبا، والأرجنتين، والبرازيل، وأورغواي، وتشيلي. وكان لهذه الجولات أثرٌ نافذ، وكبير، في شعره، ورسوماته، واتصل بالأدب الأمريكي، واطلع على شعر والت وايتمان، وأهداه قصيدته نشيد إلى والت وايتمان.‏

وبين سنتي 1933و 1936 كتب لوركا عدداً من المسرحيات. منها مسرحية عرس الدم Bodes de Sangre ومسرحية يرما Yerma 1934) ومترل برنادا إلبا 1936) وجاءت المسرحيّة الأولى عرس الدم لافتة للانتباه، بحيث جعلت منه كاتباً مسرحياً عالمياً إلى جانب مكانته الشعرية، فهي قطعة من الحياة الريفية الأندلسيّة حيث الدم يراق دون حساب، دفاعاً عن العرض والشرف، أو طلباً للثأر. وحيث يتعلق الإنسان بأرضه تعلق الغريق اليائس بحبل النجاة، مواصلاً نضاله ضدَّ الجفاف، والضرائب، والعواطف، التي تتأجج في فراغ الطبيعة، وبيداء النفس، حيث الزمن لا يشفي، والجدران لا تحمي(5) .‏

ولا شك في أنّ هذه المسرحية تدلّ على تشبع لوركا بالحياة العربية الأندلسية، وأنه تأثر بتلك الثقافة الموروثة، والمتداولة في الحياة اليومية في الريف الأندلسي.‏

وقبل أن يلاقي لوركا حتفه، في آب 1936، أعدّ مجموعة شعرية نظم قصائدها على مثال القصيدة العربية، وتسمى هذه المجموعة ديوان التمارين Divan del Tamarit. ويميل لوركا إلى استخدام كلمات عربية في شعره، وهذا شيء فصّلنا القول فيه عند الكلام على تأثيره في شعر محمد القيسي ويستطيع القارئ الرجوع إليه في الفصل الثالث من هذا الكتاب.‏

ويبدو تأثير الحياة العربية والأندلسية، والطابع الشرقي للأسرة والعشيرة، واضحاً، الوضوح كلّه، في مسرحيته عرس الدم. فالخطيبة -في هذه المس رحية- تهرب ليلة زفافها مع خطيبها الأول، الذي هجرها، وتزوج من غيرها، لأنها ما تزال تحبه، وهو يحبها، وتترك أجواء الزفاف، وقد تحولت إلى نزاع عشائري، ينتهي بالإسراع خلف الحبيبين الهاربين، واللحاق بهما، وغسل العار بالدم.‏

وفي وصف الشاعر للأشخاص، والبيوت، والعادات، والتقاليد، يبدو أثر الحياة العربية كبيراً. سواءٌ في التركيز على فكرة العرض، والشرف، أو الأخذ بالثأر، أو طريقة الضيافة، وتقديم الخبز. أو حتى في طريقة الأم التي اتبعتها في طلب العروس، والسؤال عنها، وعن أمها، وأخلاقها، وأسباب تخلي الخطيب الأول عنها. ونستطيع أن نجد هذا الأثر واضحاً أيضاً في مسرحية يرما التي تدور حول موضوع "المرأة العاقر" ورغبتها الشديدة في الإنجاب. وكذلك نجده يتناول في مسرحية أخرى عزلة المرأة عن مجتمع الرجال. وما تبعثه تلك العزلة من توقٍ إلى الحب.‏

وسنذكر في موضوع ثان أن لوركا صاحب النفحات الأندلسية، استأثر بعناية المترجمين إلى العربية، وظهرت أعماله الشعري ة، والنثرية، والدرامية، منقولة إليها غير مرّة، مزودة بغير قليل من التعليقات، والمقدمات، والشروح، فضلاً عن الدراسات النقدية، والتحليلية، ولا داعي لتكرار ما ذكرناه في ذلك الموضوع، وسنحاول -هنا- توضيح ما اكتنف موت لوركا من غموض أدى إلى ترسيخ الانطباع بأنه مات شهيداً، وأن الذين قتلوه هم الفاشيون، من اتباع الجنرال فرانكو، الذي قاد حرباً أهلية ضدّ الجمهوريين. وهذا الانطباع أدى إلى تكوين مواقف عاطفيّة ووجدانية من لوركا تجلّى أثرها في قصائد من الشعر العربي، تغنى فيها أصحابها بالشاعر الغرناطي، وجعلوا من موته رمزاً يوظفونه في هاتيك الأشعار وتلك القصائد.‏

لقد أثار مصرع لوركا الكثير من الخلاف، وتعددت الاجتهادات، والتكهنات، التي تسعى إلى التشكيك، أو التأكيد، على صحّة مصرعه، وموقع قبره، ومن هي الجهة المسؤولة عن إعدامه، وألف في ذلك غير واحدٍ، منهم: شوبنرك-الفرنسي- صاحب كتاب لوركا الرجل والعمل 1956 وجيرالد برينان، الذي ألف كتاباً بعنوان وجه إسبانيا 1951 وكتب كلود غرفون في ملحق الفغارو الأدبي موضوعاً حول الملابسات التي اكتنفت مصرع ا لشاعر الكبير باريس، 18 آب/ أغسطس 1951) وعرض لمقتله هيو توماس في كتابه الحرب الأهلية الإسبانية 1961، والمعروف أن الشاعر كان قد غادر مدريد) في أواسط شهر تموز/ يوليو 1936 إثر مقتل أحد زعماء اليمين، متوجهاً إلى مسقط رأسه في غرناطة بحثاً عن السلام، والهدوء. ولم يصغِ لنصح بعض أصدقائه بالمكوث إلى جانبهم في مدريد) إلى أن تنجلي الأحداث، مؤثراً الذهاب إلى حيث أسرته في انتظاره.. ولكنه، فيما يقول محمود علي مكي، كان على موعد مع القدر، ففي التاسع عشر من آب، وقبل أن تظهر شمس ذلك اليوم، سقط فدريكو على الأرض متخبطاً بدمه إثر رصاصة أطلقت عليه في قرية تدعى Beznar (6) .‏

كان الشاعر معتاداً أن يقضي بعض عطلة الصيف في منزل والديه في المكان المسمى "بستان سان فيسنتي" وتذكر إنخلينا-وهي شاهدة عيان وجدت في المكان الذي صرع فيه لوركا- أن رجلين جاءا إلى تلك الدار، وس ألا عنه، ثمّ فتشا المنزل تفتيشاً دقيقاً، وذهبا، وفي نيتهما شيء. وفي عشية ذلك اليوم تلقى الشاعر رسالة غير ممهورة تهدده بالموت، وتذّرع مرسلها المجهول بديماغوجيّة لوركا، وعلاقاته السياسية، وعدم تدينه، وعاداته، مشيراً إلى بعض تصريحاته الصحفيّة. وفي الخامسة من ذلك اليوم عاد الرجلان، وتبين أنهما يبحثان عن شخص آخر هو جابرييل Gabriel الذي كانت له يد في إحراق الكنيسة الوحيدة في القرية المذكورة.‏

ولما لم يجداه ربطا أخاه إلى شجرة كرز، وجلداه بالسوط، ثم دخلا الدار، وجمعا أفراد الأسرة في الفناء، ولما حاول لوركا أن يعترض انبرى له الرجلان، وشتماه، وطرحاه أرضاً، وتمضي أنخلينا قائلة: إنهما كانا يعرفان لوركا دون ريب، ولا بدّ أن لديهما شعوراً بالعداء الشديد نحوه(7) . وهذا ما دفعهما إلى الإسراع في طلب النجدة، من حزب الكتائب الذي أرسل على الفور من يمنع السف احين من تنفيذ غرضهما الذي جاءا من أجله. وفي تلك الأثناء راجت شائعات متناقضة عن الشاعر، بعضها يزعم أنه "جاسوس" سوفياتي، وبعضها يزعم أن له علاقة بالجمهوريين، ويبدو أنه -بشيوع هاتين الإشاعتين-وهما خطيرتان، أحسَّ بدنّو أجله، واقتراب ساعة مصيره، فالتجأ إلى صديق له في "الكتائب" اسمه "روساليس" الذي عرض عليه الهروب إلى مناطق الجمهوريين، أو إلى منزل صديقه دي فالا De Falla فأبى، مما اضطر روساليس إلى إخفائه في منزله بغرناطة. وأما القتلة، فإنهم عندما لم يجدوه في المنزل هددوا والده بالموت، فتطوعت شقيقته كونثا Concha فأبلغتهم بمكان وجوده، إنقاذاً لأبيها من الهلاك.‏

وفي مساء السادس عشر من شهر آب/ أغسطس تمكن القتلة من القبض عليه في منزل صديقه روساليس، الذي احتج على عملية اعتقاله احتجاجاً شديداً ذهب أدراج الريّاح، وفي يوم التاسع عشر من الشهر ذاته اقتاد القتلة لوركا وثلاثة آخرين، ثم أطلق عليهم الرصاص.‏

وتعرف على جثته مكفن) كان على علاقة بأسر ته، وبالمعلم الأعرج الذي قتل معه، ودفن الأربعة في حفرة واحدة، إلى جانب شجرة زيتون، ولم تحرر للشاعر الكبير شهادة وفاة إلا بعد عام وبضعة أشهر(8) .‏

ولا يعرف المكان الحقيقي الذي دفنت فيه جثة لوركا، لأن شهادة الوفاة تذكر موقعاً مختلفاً غير الذي ذكره المكفن). وفي دراسة حديثة، نشرها إيان جبسون، تبين أن الغجر هم الذين دفنوه، في موقع خلف حيّ البيازين) وذكر جبسون هذه المعلومة استناداً إلى قصيدة شعبية، عثر عليها في حديقة منزله، تتحدث عن مقتله، وتقول تلك القصيدة:‏

إلى ربوة شجرة الزيتون‏

حملوه ليدفنوه‏

الغجر فقط أمامه‏

والغجر فقط خلفه(9) .‏

وتقع ربوة الزيتون المذكورة، في القصيدة، خلف ربض البيازين) أحد الأحياء الكبيرة في غرناطة منذ العهد الإسلامي.‏

وأياً ما كانت الظروف التي أحاطت بمصرع الشاعر، والملابسات التي اكتنفت إعدامه وهل كانت بدوافع سياسية، مثلما هو واضح أم أنه قتل في سياق تصفية الحسابات التي اندلع أوارها واستعر نتيجة الحرب الأهلية، والفوضى التي رافقتها لزمن غير قصير، فإن الذي لا ريب فيه، ولا شك، أن موته كان خسارة كبيرة للأدب الإسباني، والأدب العالمي، وهو شيء تنبأ به الشاعر نفسه، وأحس بدنوه، وتجلّى أثر ذلك في غير قصيدة من شعره، ففي أغنية الفارس، نجده يكرر ذكر الموت، متمنياً أن لا يباغته قبل أن يصل إلى قرطبة:‏

أواه. ما أطول الطريق!‏

أواه. يا مهرتي الشجاعة.‏

الموت يترصدني،‏

قبل أن أبلغ قرطبة‏

قرطبة،‏

نائية،‏

ووحيدة(10) .‏

وفي قصيدة أخرى قصيرة، بعنوان وداعاً نجده يرثي نفسه على طريقة الشاعر العربي الذي قال: "إذا متُّ فانعيني بما أنا أهله"، فهو لا يريد الابتعاد عن العالم، وإنما يصرُّ على تعلقه بالحياة، من خلال رؤية الطفل يلتهم البرتقالة، والفلاح يحصد القمح، والشرفة مفتوحة للهواء، والشمس:‏

إذا متُّ‏

فدعوا الشرفةَ مفتوحةً‏

الطّفل يأكلُ البرتقالة‏

من شرفتي أراه‏

والفلاح يحصدُ القمح‏

من شرفتي أسمعه،‏

إذا متُّ‏

فدعوا الشرفةَ مفتوحةً(11) .‏

وفي قصيدة ثانية، هي السّاري في النوم نجد الشاعر يذكر الموت في صورة مأساة تحيط بعاشقين، فالعاشق يتمنى الموت "على فراشٍ من فولاذ" لأن:‏

جرحي الممتد‏

من الصَّدر حتّى الرقبة‏

ثلاثمائة وردة سوداء(12) .‏

أما الفتاة التي وصفها بأنها خضراء، بلون الغضون، وأنها غجرية بجسدٍ وشعرٍ، وعينين بلون الفضة الباردة، فقد ترنحت غريقة في ماء الحوض، لأن الحرس الأهلي أرادوا لها ذلك:‏

ترنحت الغجرية‏

جسداً أخْضَرَ، وشعراً أخضر‏

وعينين من فضّةٍ باردة،‏

أصبح الليل ودوداً،‏

كساحة صغيرة،‏

والحرس الأهلي المخمورون،‏

يخبطون الباب(13) .‏

ويتكرر ذكر الموت في قصائده كثيراً، مثلما يتكرر التحذير من "الحرس الأهلي" الذين يهددون مدينة الغجر بالهلاك. ويتضح ذلك وضوحاً كبيراً في قصيدته حكاية الحرس الأهلي الإسباني فهو، في هذه القصيدة، يتخيل مدينة غجرية، يملأها الآس، والمسك وأبراج القرفة.‏

وأهلها يصوغون شموساً، ويقرعون الصنوج، والراقصات يملأن الساحات بهجة وحبوراً، وفجأة:‏

آه يا مدينة الغجر‏

الأعلام على المنعطفات‏

أطفئن أضواءكن الخضراء‏

فالحرس الأهلي قادمون‏

آه. يا مدينة الغجر‏

الحرس الأهلي‏

يتقدمون. يبذرون النيران‏

حيث يحترق الخيال‏

نضراً عارياً‏

روزا دي لويس‏

تنتحب عند عتبتها‏

ونهداها الاثنان مقطوعان‏

يرقدان في طبق‏

بينما النسوة يركضن‏

وخلفهن ضفائرهن.‏

في جوٍ تنفجر فيه‏

ورود بارودٍ أسود(14) .‏

وفي شعر لوركا الغنائي يكثر ذكر الموت، ليس باعتباره موضوعاً فحسب، ولكن باعتباره استعارة، تتجاوز وظيفتها الجمالية إلى التعبير عن غير المألوف، الغامض، في عالم يقع تحت سلطة وحيدة، هي، في نظر الشاعر، سلطة الموت(15) . وأما شعره الدرامي، ونثره المسرحي، فكلاهما أيضاً، يتشح بوشاح الموت. ففي عرس الدم ينتهي العرس، بمبارزة العريس والعاشق، ليونارد. وفي مسرحية يرما Yerma تقتل البطلة زوجها، وتقتل، معه، أطفالها الموعودين، لكونها لم تتصل بغيره من الرجال، أبداً. وفي مسرحية بيت برنادا إلبا يقع الرجل، بيبه الرومانو، ضحية هياج عاطفي يدفع بإحدى الشقيقات، وقد أرادت عناقه، وإرواء تعطشها للحب، إلى إيقاعه في أحضان الموت(16) .‏

والحقيقة أننا لا نجد تفسيراً مقنعاً لكثرة قصائد الرثاء، والموت في شعره، أكثر من أنه كان يحس على الدوام بأن الموت يرافقه، في حركاته، وفي سكونه، وأنه كان يتوقعه في كل لحظة، وأنه توقعه قبل موته بأيام قليلة، عندما خاطب المربية إنخلينا التي شهدت مصرعه، قائلاً: "إذا قتلوني، فهل ستبكونني كثيراً؟"(17) .‏

لذلك لا نعجب، إذا رأينا عدداً من الشعراء العرب يتوجهون إلى لوركا باعتباره رمزاً للشاعر الذي يتوقع الموت، ويسير نحو حتفه بقصيدة تقول الذي لا يقال. وقد أشار بعضهم إلى الافتتان بما في شعره من إشارات إلى الموت‏

(18) .‏

ونجد الشاعر محمود درويش يكتب قصيدة بعنوان: لوركا يبدأها بإشارة إلى مسرحيته المأساوية عرس الدم مستبدلاً "الزهر" بالعرس، مؤكداً أن المناضلين يقتدون به إلى حدّ الاستشهاد:‏

عفو زَهر الدمِ يا لوركا، وشمسي في يديك‏

وصَليب يرتدي نار قصيدة‏

أجمل الفرسان في الليل يحجون إليك‏

بشهيد، وشهيدة(19) .‏

ويشبه الشاعر لوركا بالزلزال، والاعصار، والريح الشديدة لتي يشبه صوتها الأسد بزئيره، وإذا مرّ في مكان أهتز لمروره كل شيء، وهو -أي الشاعر لوركا- موسيقى وتراتيل، ونسيم، أما، إسبانيا -الثكلى بموت الشاعر- فهي أشبه بأمٍّ أرخت جدائلها على أكتافها، وعلقت سيوفها على أغصان الزيتون، وكأنها بموت لوركا حزينةٌ صامتةٌ. حداداً عليه:‏

لم تزل إسبانيا أتعسَ أمٍّ‏

أرخت الشعر على أكتافها‏

وعلى أغصان زيتون المساء‏

علقت أسيافها(20) .‏

ويرسم الشاعر صورة للأثر الحزين الذي خلفه موت لوركا في بلده، فعازف الجيتار لا يسير في الطرقات إلا متخفياً، والناس بائسون، والحب أصبح صامتاً لا يتكلم، فكأنما هو أبكم، والعيون السود تخلو من الإحساس بالفرح، وقد غاض فيها بريق الحب، والشباب. أما الشاعر فإنه يحفر بكلماته -التي يقولها- قبره ويتضح إحساس محمود درويش بجلال الرمز الذي يمثله مصرع لوركا على أيدي أعدائه من الفاشيين في المقطع الختامي من القصيدة؛ الذي يؤكد فيه أن عطر البرتقال ما زال ينتشر في إسبانيا، وإن قتل الشاعر، وأن أجمل الأنباء هو ما سيأتي به المستقبل القريب، لأن موت لوركا في اعتقاده ليس نهاية الثورة:‏

آخر الأخبار من مدريد أن الجرح قال‏

شبع الصابر صبراً‏

< FONT color=#000000 size=3> أعدموا غوليان في الليل، وزهر البرتقال‏

لم يزل ينشر عطراً‏

أجمل الأخبار من مدريد‏

ما يأتي غداً(21) .‏

ومحمود درويش في هذه القصيدة يعدّ لوركا مسيحاً جديداً، صلب فداء الآخرين، ودمُهُ الذي نزف سيظلّ ينير الدروب إلى أن تتحقق أحلام المظلومين، وآمال المناضلين، وفي مقدمتهم "غجر الأندلس" وقد ظهر تأثير أشعار لوركا في قصيدة درويش هذه من خلال التعبير الاستهلالي "زهور الدم" الذي يمثل تحريفاً لعنوان إحدى مسرحيات لور كا المشهورة "عرس الدم" Wedding Blude ويتكرر هذا التعبير عند درويش في قصيدة أخرى سمّاها "أزهار الدم" وظهرت أيضاً بعض رموز لوركا في القصيدة، مثل رمز الفارس، الذي يتكرر كثيراً في لوركا، وأغنياته الغجرية. وكذلك: القمر والماء، والمرأة، وأغصان الزيتون، وعازف الجيتار، والغجر، وكذلك العطر، والبرتقال. فمدلولات هذه الألفاظ تتكرر في أشعار لوركا عموماً، وأصبحت من العلامات الدالة على شعره.‏

البياتي ومصرع لوركا:‏

أما عبد الوهاب البيّاتي، فرأى أن يتحدث في قصيدته: "الموت في غرناطة" عن مقتل لوركا مباشرةً، فنجده يستهل قصيدته بذكر "عائشة" وهي شخصية أضفى عليها بعداً خرافياً، أسطورياً، من خلال تكرارها في شعره. ومنها تنبثق صور البيّاتي الممهدة لثيمة الموت. فالمتكلم في القصيدة وهو ليس الشاعر بالطبع، يتحدث عن موته، عن جسده المسجى في التابوت، عن نهرين، يغيّر كلٌّ منهما مجراه، دلالة على أن الأمر غير طبيعي، ثم يحترق النهران، تاركين جرحاً على شجيرة ال رّمان. ولعل ذكر الشاعر لشجيرة الرّمان، ذكرٌ له مغزاه، لأن غرناطة اشتهرت بالرّمان، وكلمة "غراندا" أي: "غرناطة" Granada في الإسبانية معناها: "زهر الرمان" وهو أيضاً من الرموز التي تتكرر في شعر لوركا، وفي هذا السياق يحاول البيّاتي الاقتراب من صوت شاعره الإسباني:‏

وصاح في "غرناطة"‏

معلم الصبيان‏

لوركا يموت، مات...‏

أعدمه الفاشيستُ في الليل على الفرات‏

ومزقوا جثته، وسملوا العينينْ‏

"لوركا" بلا يدين‏

يبث نجواه إلى العنقاء‏

والنّور، والتراب، والهواء(22) .‏

ونحن نلاحظ، من الشاهد السابق، مشاطرة البيّاتي الذين أكدوا فيما كتبوه عن موت الشاعر إيمانهم بأن الفاشيين هم الذين أعدموه. وأنه مات ضحيّة رأيه السياسي، وانتمائه الحزبي، ومع أن هذا غير ثابت -فعلاً- إلا أن البيّاتي يبالغ في إكمال الصورة، فيذكر أن قاتليه لم يكتفوا بإعدامه، بل مزقوا جثته، وسملوا عينيه، وقطعوا يديه، وتركوا جثته ملقاةً على التراب، يبث شكواه إلى لا شيء. أما إشارته إلى "معلم الصبيان" في القصيدة، فتحتمل أحد أمرين: إما أن يكون البيّاتي قد اطلع على ما ذكر من تفاصيل حول مقتل "لوركا" ومعه المعلم الأعرج، وإما أن يكون المعلم المذكور، هنا رمزاً للتاريخ الذي يلقن الجيل الجديد دروساً، وعبراً، يستخلصها من مقتل الشاعر. ومما يعزز هذا أن البيّاتي يصل في القصيدة بين موت لوركا، وموت الحسين بن علي، على يدي يزيد بن معاوية، وجنده، وكأنما يرى في صورة ما حدث للحسين صورةً مشابهة لما حدث للوركا في الأندلس؛ وأن ما حدث لبلاده يشبه ما يحدث للأندلس في هذا الزمان:‏

ويحي على العراق‏

تحت سماء صيفه الحمراء‏

أرضٌ تدورُ في فراغٍ‏

ودمٌ يراق،‏

من قبل ألف سنة يرتفع البكاء‏

حزناً على شهيد كربلاء‏

ولم يزل على الفرات دمه المراق(23) .‏

والارتباط بين الصورتين كامن في توظيف الشاعر لاسم النهر "الفرات" فعند إشارته لمقتل "لوركا" ذكر أنه قتل على "الفرات" وفي هذا، بالطبع، تقريب بين صورة الشهيد في العراق والشهيد الإسباني. ففي ذكره للحسين بن علي يؤكد أن دمه ما يزال يترقرق على مياه الفرات، وأنه -أي دم الحسين- يصبغ النخيل، والماء، وأن المتكلم في القصيدة- منذ ذلك الحين- يعيش بجناح مكسور، لا ينقصه إلا القبر، وسبب ذلك هو أن من يحكمون، أو يتحكمون بعالمنا، في تعبير أدق، من الذئاب، الذين لا يتركون للشاعر، والإنسان الحر، النقي، سوى الحصار، والموت، وظلمة التابوت:‏

يا عالماً تحكمه الذئاب‏

ليس لنا فيه سوى حق عبور هذه الجسور‏

نأتي ونمضي حاملين‏

الفقر للقبور‏

يا صرخات النور‏

ها أنذا محاصرٌ مهجور‏

ها أنذا أموت‏

في ظلمة التابوت(24) .‏

وفي نهاية القصيدة نكتشف التحام الشاعر برمزه الإنساني "لوركا" فإذا كان الكلام، في القصيدة، من أولها حتى آخرها يتم بأسلوب الحديث عن الغائب، فإنه -في آخر القصيدة- يلتفت إلى الكلام بضمير المتكلم، مضيفاً إلى ذلك شيئاً مما يحيل شخصية الشاعر، وسيرته، فهو، في ذروة تأثره بمصرع "لوركا" يظن نفسه يموت:‏

ها أنذا أموت‏

يأكل لحمي ثعلب المقابر‏

تطعنني الخناجر‏

من بلدٍ لبلدٍ مهاجر‏

على جناح طائر‏

أيتها العذراء‏

ها أنذا انتهيت‏

مقدسٌ باسمكِ هذا الموت(25) .‏

وللبياتي قصيدة أخرى سماها: "مراثي لوركا" وفيها يظهر تأثره بفكرة الموت في شعر فديريكو. فالطبيعة -في رأيه- قضت على الإنسان بالموت، فهو يعايشه منذ الولادة، وحتى المدينة ذات الأسوار المشيدة، بالفضة أو الذهب، أو أشجار الزيتون، لا يخطئها الموت.‏

وهنا يبدو لنا أنّ البياتي اطلع على قصيدة "لوركا": "حكاية الحرس الأهلي الإسباني" التي تصور فيها مدينة للغجر يقتحمها هذا الحرس، فيحرق الحجر، ويشتت البشر. وإمعاناً في الاقتراب من أجواء "لوركا" ومناخات ه الشعرية، يذكر المتكلم في القصيدة أنه يعدو على:‏

ظهر جوادي الأخضر الخشب‏

صحتُ على أبوابها الألفِ، ولكنّ النعاس عقدَ الأجفان‏

وأغرق المدينة المسحورة‏

بالدم، والدخان(26) .‏

ثم يذكر الشاعر امرأةً "مضواع" بعينين سوداوين كبيرتين، وأقراط، تجملت بورق الليمون، وكأنه يذكرنا بالحسناء الغجرية التي ذكرها لوركا في قصيدته تلك:‏

روزا دي لويس‏

تنتحب عند عتبتها‏

ونهداها الاثنان مقطوعان.‏

وسرعان ما تنفتح هذه الصورة على صورة أخرى لغرناطة "غرناطة الطفلة السعيدة" و "غرناطة البراءة" التي تنام على نتف الثلج على "القرميد" وإذا بالحرس الأهلي "الإخوة الأعداء":‏

جاؤوا على ظهر خيول الموت‏

وأغرقوا بالدم هذا البيت(27) .‏

وفي قصيدة البياتي هذه تبرز بعض الصور المكررة في شعر "لوركا" مثل "الثور"، و "القطيفة" و "الفارس" و "القرنين"، مذكراً بقصيدة لوركا في رثاء مصارع الثيران "أنتونيو الكامبوريو" وقصيدة "الجندلة والموت" المؤلفة من أربعة مقاطع يرثي فيها أغناثيو ميخيلس(28) ، على أن البياتي يومئ للمرة الثانية إلى مصرع الشاعر، واصفاً من قتلوه بالأوغاد، والمجرمين، ومدينة غرناطة "بالمدينة اليتيمة" التي تباع في أسواق النخاسين:‏

من شارعٍ لشارع‏

أدركه الأوغاد‏

وزرعوا في جسمه الخناجر‏

وقطعوا الخيط الذي يهتز في السماءْ.‏

طيارة الطفولة الخضراءْ‏

تسقط في خنادق الأعداء‏

"غرناطة" اليتيمة‏

يبيعها النخّاس(29) .‏

القاسم والتأثر بموت لوركا وشعره:‏

أما الشاعر سميح القاسم فيكتب قصيدة عن مقتل فديريكو غارثيا لوركا بعنوان: "لي لاً على باب فيديريكو" يحاول فيها استعادة أجواء المأساة، فالشاعر مختبئ في منزله، والقتلة ينتظرون في الخارج، وعلى لسان امرأة تنتظر العاشق، يقول سميح القاسم: إنها تنتظره، وهي تعلم أنه مسكونٌ بهاجس الموت، تنتظره مشتعلة بالأشواق، كأنما اللهيب لديها هو لهيب وردة، ومع ذلك، فالعاشق لا يغادر منزله، ويقترب الفجر، وتسمع المنتظرة صياح الديك، فيما الحرس الأسود ينتظر:‏

في منعطف الشارع‏

جلبة ميليشيا مقتربة‏

قرقعة بنادق‏

وصليل حراب‏

افتح لي الباب‏

أسرع،‏

خبئني‏

فيديركو.‏

فيد يـ... ر... يكو(30) .‏

وعلى الرغم من أن هذه القصيدة كتبت في زمان متأخر عن مصرع "لوركا" بنحو خمسين عاماً، إلا أن سميح القاسم يُظهر تأثره ببعض صور لوركا الشعرية المتكررة، فهو يذكر الحرس مشيراً إلى قصائده: "الحرس الأهلي" و "حكاية الحرس الأهلي الإسباني" ويكرر ذكر القمر، والأوتار، والجيتار، الذي يشتعل، وكذلك الجرح.‏

وكانت هذه المفردات قد أصبحت من الدوال الراسخة، المتك ررة، في قصائد الشاعر، وأضحت علامات واضحة تشير إلى أن من يتحدثون عنه، وعن موته، في قصائدهم، قد فعلوا ذلك بعد أن قرأوه، واستحسنوه، واستجادوا ما فيه من تعبيرات بلاغية جديدة، مستمدة من بيئته الأندلسية، والإسبانية، ذات النكهة الشعبية، والمحلية، البارزة.‏

أما إبراهيم نصر الله، فقد أقام صلة بين "عكا" و "حيفا" و "غرناطة" بين الشاعر سميح القاسم في فلسطين، ولوركا الذي أصبح رمزاً دالاً على الأندلس، وفي قصيدته يبتكر صورة تخيلية، إذ يدعو الشعراء لقرع أبواب منزل "لوركا" طالبين منه أن ينهض من موته ليحتسي معهم الشاي، وينشد القصائد على وقع الألحان الفولكلورية التي اشتهر بها في شعره:‏

وندعوه أن يرتدي خضرة الأندلس‏

على عجل، ثم يلحقنا‏

هنالك في ساحة الميجنا‏

سندعوه أن يقرأ الشعر‏

أغصان ريح الجنوب‏

عصافير حيفا‏

وحكمة زيتوننا‏

ونهتف: نحن التقينا أخيراً(31) .‏

لكن اللقاء لا يتم، مثلما يحلو للشاعر أن يتخيل، ويتصور، لأن البنادق كانت بالمرصاد للشاعر الصريع، الذي خرَّ متخبطاً بدمه الزكي، ولكنه ينهض من موته معتذراً عن قبول الدعوة:‏

منذ كم سنة تطرقون صباحي لأنهض‏

يا أصدقائي؟‏

ارتبكنا‏

وكُنّا سندعوه للشاي‏

لا شيء أكثر‏

كُنّا سنلقي على كتفيه "الأغاني"(32)

ومثلما تكرر الحديث عن موت "لوركا" في قصيدتي البياتي، يتكرر أي ضاً لدى الشاعر إبراهيم نصر الله، ففي "أربع قصائد إلى لوركا" يخاطبه الشاعر في الأولى مؤكداً إيمانه ببراءته وعدالة قضيته، وأنه عومل في تلك الجريمة كأنه هو القاتل، أما القصائد الثلاث الأخرى فأشبه بمونولوج داخلي للشاعر، يصف فيه ترقبه الموت، وأن الشرطي يلاحقه أنى توجه، وأن قميصه المتطاير في الريح أشبه بدليل يرشد الرصاص الذي اخترق جسمه إلى مكانه:‏

لقميصي الذي يتطاير في الريح‏

بأن يهدأ الآن، خمس دقائق‏

لأرشده لعبور الرصاص بجسمي‏

وأسلمه للحرائق(33) .‏

ساحة إسبانية لسعدي يوسف:‏

في ساحة إسبانية لسعدي يوسف Plaza Espanola يبدو تأثره بشعر لوركا واضحاً، يتجاوز ترديد اسمه، أو الإشارة إلى مصرعه المأساوي، إلى استخدام صوره، ورموزه. فالقيثارة، ورائحة الموسيقى، والضحكات المكبوتة، والبيت، والريح، والحانة، والفارس، والليمون، تجعل الشاعر سعدي يوسف أكثر من متأثر بشعره، فهو أقرب إلى الاقتباس:‏

الفارس الليلي من ينفض أردانه‏

ينفض عن دفء البراميل، تراب الصيف والعتمة‏

ويقطف الزيتون خلف السرج،‏

والليمون،‏

والنجمة(34) .‏

فصورة السرج، والزيتون، وردت في إحدى قصائد لوركا(35) .‏

أما استخدام لفظة "الغجر" و "الفارس الليلي" و "البستان" و "العازف" و "الراقص" و "الحرس الليلي" فهي -كلها- علامات دالة على تشبع سعدي يوسف بصور "لوركا" و "رموزه":‏

سراً وراء الليل، والساحات، والضوضاء‏

والحرس الأهلي، والشحاذ، والسائح، والحذاء‏

يا أيها السر الذي أودعته أرصفة الميناء‏

قبعتي طارت مع الريح‏

ودارت زهرةٌ في الماء(36) .‏

وأما مصادر تأثر سعدي يوسف بلوركا فعديدة، في مقدمتها زيارته للأندلس، وموطن لوركا بالذات، ومدينة ملقة Malaca التي كتبت فيها القصيدة. يضاف إلى ذلك أن الشاعر سعدي يوسف اهتم كثيراً بأشعار لوركا، وترجم مجموعة منها "الأغاني" من الإنجليزية إلى العربية ترجمة شعرية ألمحنا إلى قيمتها في الفصل الثالث.‏

وفي قصيدة أخرى بعنوان: "ثلاثية الصَّباح" يبدو اقتفاء أثر "لوركا" واضحاً في شعره، فهو إلى جانب تكراره اسم لوركا في القصيدة نجده متأثراً بطريقة الشاعر الإسباني في استخدام الكلمات الدالة على الألوان، ولا سيما اللون الأخضر. وهو اللون الأثير لدى لوركا بشهادة الكثير من صوره. فالقمر في شعره أخضر، والماء أخضر، والفجر أخضر، والماء أخضر، والفتاة الغجرية في قصيدة "السائر في نومه" ذات جسد وشعرٍ أخضر، والخضرة في شعره تشمل كلَّ شيء، الزيتون والنهر. وهذه الظاهرة استرعت انتباه لويس بارو Louis Parrot فجعلته يعقد مقارنة بين الألوان في شعر لوركا ولوحات هنري ماتيس، الرسام الفرنسي، ذي الأسلوب الحوشي Fufism.‏

وعلاوة على ذكر لوركا للخضرة المستمدة من أشجار السرو، والزيتون، يذكر الفضة الشاحبة، والداكنة، والزرقة الرصاصية، والرمادية، ويكرر الأبيض والأصفر، والبرتقالي، حتى ليبدو في ديوانه "الأغاني الغجرية" شبيهاً بالفنان فان كوخ مجنوناً بالأل وان(38) .‏

أما الخضرة الشاحبة، والداكنة، فقد استوقفت مؤلف كتاب "الأدب الإسباني" الذي لفت النظر إلى تأثر لوركا بالأدب العربي الإسلامي، وما فيه من تقديس للون الأخضر، مذكراً بأن عمامة النبي كانت خضراء ورؤوس المآذن في جوامع الأندلس، والمغرب، كانت خضراء اللون(39) . أما سعدي يوسف فإنه يقول في "ثلاثية الصباح" مستخدماً طريقة لوركا، وأسلوبه في تلوين الأشياء تلويناً قد يوقعه في المفارقة، والتناقض الظاهري:‏

في مياه جنوبية يهطل التوت‏

أبيض، أحمر، أسود، خضراءَ‏

خضراءَ.. إني أريدك خضراءَ‏

يدخلُ لوركا) وخضراءَ كانتْ‏

أصابعنا،‏

الريحُ خضراءُ،‏

والغصنُ أخضرُ‏

أفواهنا في الظهيرة حمرٌ(40) .‏

ولعل الدارس الذي لديه إطلاع قليل، أو كثير، على شعر لوركا، يعرف مكانة اللون الأخضر فيه، واستخدامه في وصف أي شيء، ولا شك في أن طريقة سعدي يوسف، في استخدام هذه الاستعارة "الريح الخضراء" والأصابع خضر، والمرأة الخضراء، إنما يذكرنا تذكيراً صريحاً ومباشراً بأسلوب لوركا في شعره، وأنه تأثر به -هنا- تأثراً واضحاً يصل درجة الاقتباس.‏

والحق أن التأثر بمقتل لوركا في الشعر العربي المعاصر، لا يقتصر على هذه القصائد، ولا على هؤلاء الشعراء، فمن الشعراء الذين تأثروا بلوركا شهيداً، وفارساً عاشقاً، لقي مصرعه بسبب تعبيره عن رأيه وعن معارضته الشديدة للفاشيين، الشاعر بدر شاكر السياب والشاعر محمد القيسي، والشاعر محمد عفيفي مطر، وأحمد عبد المعطي حجازي، وآخرون..‏

ولم يخطر ببال أي من هؤلاء الشعراء أن يتساءل فيما إذا كان مصرع "لوركا" تم على أيدي الفاشيين، أم على أيدي آخرين، وهل كان إعدامه لأسباب سياسية، أم أنه كان تصفية حساب، على أساس شخصي مثلاً، أو نتيجة علاقات جنسية غير مقبولة، مثلما أوحت بعض الدراسات الجديدة(41) .‏

والشيء اللافت للنظر هو أن شعراء اليسار العربي في ذروة المد اليساري، كانوا في مقدمة من بكى واستبكى الشاعر الإسباني، وارتقى به إلى مستوى الشهداء، والقديسين، وظلت هذه الفكرة هي السائدة لدى الشعراء حتى يومنا هذا. وما زالوا يقرؤون شعر لوركا) ويكتبون عنه، وعن شعره، دون إعادة نظر في أي من الأفكار المتداولة حول مصرعه، ولو أننا عدنا إلى القصائد التي نوهنا إليها، واقتبسنا منها، ونبهنا عليها، لوجدنا درويشاً، والبياتي، والقاسم، ونصر الله، وسعدي يوسف، وحتى الذين لم نذكرهم في هذه الدراسة، ينظرون إلى "لوركا" باعتباره النموذج الذي يحتذى، والشهيد القدوة، ويتجلى الاحتذاء لشعره في مظاهر ذكرنا بعضها، مثل:‏

اقتباس بعض الصور، والاستعارات، والتعبيرات البلاغية "اللوركوية" وبعض علاماته، ورموزه، أما "القدوة" فتتجلى في التغني بشجاعة "لوركا" وبراءته، ونبله، وتضحيته، وأخيراً، الإفادة من شعره، وصوره، في تصوير ارتباط الشاعر بالإنسان، والمكان.‏

الهوامش‏

(1) جان كامب، الأدب الإسباني، ترجمة بهيج شعبان، دار بيروت للطباعة، ط1، 1956، ص142.‏

(2) مانويل دوران، لوركا، مقالات نقدية) ترجمة عدنان غزوان، وزارة الثقافة والأعلام، بغداد، ط1، 1980، ص11.‏

(3) لوركا، عرس الدم، ترجمة وتقديم علي سعد، دار الفارابي، بيروت 1979، ص30.‏

(4) انظر مانويل دوران، المصدر السابق، ص21.‏

(5) جان كامب، المصدر السابق نفسه، ص 142-143.‏

(6) دوران، المصدر السابق، ص33.‏

(7) لوركا، العرس الدموي، ترجمة محمود علي مكي، وتقديمه، وزارة الإعلام، الكويت، ط1، 1976.‏

(8) المصدر السابق ص29-31.‏

(9) المصدر السابق ص33.‏

(10) لوركا، مختارات، ترجمة عدنان بغجاتي، دار المسيرة بيروت ط2، 1983، وانظر كتاب: The Selected poems of Federico. G. Lorca, Edited by Francisco. G. lorca, and Donald M. Allen, New York , 23ed, P42.‏

(11) المصدر السابق ص76.‏

(12) المصدر السابق ص87.‏

(13) المصدر السابق ص88-98.‏

(14) المصدر السابق ص111-116.‏

(15) بيدرو ساليناس، لوركا وشعر الموت، فصل من كتاب: لوركا، مقالات نقدية، مصدر سابق، ص159.‏

(16) المصدر السابق ص28.‏

(17) العرس الدموي، مصدر سابق، ص28.‏

(18) إبراهيم خليل، محمد القيسي، الشاعر والنص، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1998، ص 35-36.‏

(19) محمود درويش، ديوان محمود درويش، دار العودة، بيروت، ط1، 1994، جـ1، ص66.‏

(20) المصدر السابق ص66.‏

(21) المصدر السابق ص67.‏

(22) عبد الوهاب البياتي: الموت في الحياة، دار الآداب، بيروت، ط1، 1968) ص26-27.‏

(23) المصدر السابق ص23.‏

(24) المصدر السابق ص30.‏

(25) المصدر السابق ص30-31.‏

(26) المصدر السابق ص26.‏

(27) المصدر السابق ص48.‏

(28) لوركا: مختارات، ترجمة بغجاتي المصدر السابق) ص147-160.‏

(29) البياتي، الموت في الحياة، ص53.‏

(30) سميح القاسم: شخص غير مرغوب فيه، دار الجليل للنشر، عما ن، ط1، 1986) ص 52-53.‏

(31) إبراهيم نصر الله، الأعمال الشعرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1994) ص522.‏

(32) المصدر نفسه ص524.‏

(33) إبراهيم نصر الله، عواصف القلب، دار الشروق، عمان، ط1، 1989) ص34 وانظر ص 35و 37.‏

(34) سعدي يوسف، الأعمال الشعرية 1952-1977) دار الفارابي، بيروت، ط2، 1979 ص 411).‏

(35) انظر قول لوركا في Selected Poems مصدر سابق) ص39.‏

(36) سعدي يوسف، المصدر نفسه ص 412.‏

(37) سعدي يوسف، الأعمال الشعرية، مج2، دار العودة، بيروت، ط1، 1988) ص210.‏

(38) لوي بارو، شاعر مجنون بالألوان، فصل من كتاب لوركا مقالات نقدية، مصدر سابق، ص98.‏

(39) المصدر نفسه ص99.‏

(40) سعدي يوسف، المصدر نفسه ص211.‏

ذكر د. محمود علي مكي في محاضرة ألقاها في معهد ثرفانتيس في عمان مس






تأثير فيديركو لوركا في شعر محمَّد القيسي - مصرع لوركا الأندلسي وتأثيره في قصائد من الشعر العربي - مجلة المعلومات الأدبية العـدد(594)(خاصة بالمعلومات الأدبيـة )Master LoVe
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية


-----






--





palmoon tool bar
privacy policy