صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







الثورة على اللغة التقليدية:لرواد الشعر العربي الحر **في التعبير الشعري **< /a>
أدباء وشعراء ومطبوعات




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية








الثورة على اللغة التقليدية:لرواد الشعر العربي الحر **في التعبير الشعري **< /a>



**في مصدر الشعر** - الثورة على اللغة التقليدية:لرواد الشعر العربي الحر **في التعبير الشعري **< /a> - ஐ๑ مسابقة الصعود إلى القمه ๑ஐ للقفل+التوزيع
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية



الثورة على اللغة التقليدية:‏

**في التعبير الشعري **

لقد حاول رواد الشعر العربي الحر أن يجددوا الشعر من خلال تجديد لغته. وأرادوا أن يجددوا لغته ويغنوها من خلال احتكاكهم بالحياة الجديدة. لقد وجدوا أن اللغة التقليدية جامدة عاجزة عن مواكبة حركة الحياة فثاروا عليها. ووجدوا أن القاموس الشعري قد أصبح مجرد ألفاظ ميتة تحمل معاني محددة مكررة لا تمت إلى حياتهم بصلة. ومن ثمَّ كان لا بد من تجديد اللغة على ضوء تجربة جديدة وفهم جديدة للحياة. "لقد أيقنوا أن كل تجربة لها لغتها وأن التجربة الجديدة ليست إلا لغة جديد أو منهجاً جديداً في التعامل مع اللغة"(1).‏

على هذا الأساس قامت ثورة نازك الملائكة على اللغة التقليدية التي جمدت بفعل التكرار وبليت بكثرة الاستعمال حتّى فقدت معناها وتأثيرها وعلاقتها بالحياة. إن اللغة العربية في نظر نازك فقدت إيحاءها وقوتها التي كانت تتمتع بها من قبل بعد أن ابتليت بأجيال عملت على تحنيطها وصنع ألفاظ جاهزة وزعوها على الشعراء والكتاب(2). فلم يعد الشعراء يتجاوزون هذه المفردات في استعمالات مخصوصة وخارج العلاقات المرسومة حتّى أصبح الشعر مجرد صناعة وكلمات تستعمل في هذا الغرض أو ذاك، فلكل موضوع مفرداته المخصوصة التي تحدد شعرية القصيدة بعيدا عن تطور التجربة وتغير شروط الحياة. وهذا ما عاناه رواد الشعر العربي الحر وحاولوا التخلص منه إيماناً منهم أن اللغة كائن حي كما ترى نازك يحيا ويتطور، وقد يصاب بالفقر والموت إذا لم يجد المناخ المناسب للحياة والنمو. فثمة ألفاظ تموت وأخرى تولد وثالثة تكتسب حياة جديدة. وهذه هي سنّة الحياة وهذا منطق التطور الذي يجب على الشاعر مراعاته إذا كان يريد للشعر أن يكون مصدراً للحياة ودافعاً لها. لهذا تطالبه بـ"أن يدخل تغييراً جوهرياً على القاموس اللفظي المستعمل في أدب عصره، فيترك استعمال طائفة كبيرة من الألفاظ التي كا نت مستعملة. ذلك لأنَّ الألفاظ تخلق كما يخلق كل شيء يمر عليه أصبع الاستعمال في هذه الحياة المتغيرة. وهي تكتسب بمرور السنين جموداً يسبغه عليها التكرار فتفقد معانيها الفرعية شيئاً فشيئاً، ويصبح لها معنى واحد محدود يشل عاطفة الأديب ويحول دون حرية التعبير"(3).‏

وتذكر نازك في مقدمة ديوانها (شظايا ورماد) طائفة من الألفاظ ملّتها الأسماع ومجّتها الأذواق لكثرة تداولها حتّى أنها لم تعد تعبر أو توحي بشيء مثل "عنبر، غصن بان، قد، هلال، صدغ، عود، نرجس، لؤلؤ"(4)، مع أنها كانت معبرة في العصور السابقة بل كانت دليلاً على الرقة والذوق والتجديد، ولكن الاستعمال الكثير جردها من معناها فأصبحت مجرد كلمات يعاد تكرارها كلما تطلب الموضوع ذلك بعيداً عن تجربة الشعراء وحياتهم. على أن الألفاظ ليست منعدمة القيمة وجامدة في ذاتها، ولا هي غير صالحة من حيث هي. واستعمال ألفاظ أخرى غير مستعملة لا يعطي للقصيدة شعريتها. إن طريقة الاستعمال هي التي تحدد قيمة المفردة ومدى مناسبتها أو عدم صلاحيتها وليس للكلمة قيمة شعرية في ذاتها. بل إن الكلمة ليست قديمة أو حديثة بذاتها ولك ن من خلال السياق. فكلمة مثل السيف أو الرمح أو القوس قد تكسب معنى جديداً في سياق جديد. فالتجديد لا يعني بالضرورة استعمال مفردات جديدة و إطراح مفردات قديمة وإنما يعني إعطاء الكلمة دلالاتها الجديدة من خلال رؤية جديدة وتوظيف جديد للأشياء والكلمات. وألفاظ مثل الطائرة أو الصاروخ أو الغواصة لا تعني أن القصيدة حديثة بالضرورة. فقد استعمل شوقي والرصافي والزهاوي مفردات معاصرة لهم بطريقة تقليدية لانعدام الرؤية الجديدة والإحساس الجديد بأشياء العصر. ومن هنا فإن الألفاظ التي ذكرتها نازك يمكن استعمالها بطريقة حديثة تكسبها أبعاداً أخرى. وهذا ما حولت نازك استدراكه في مرحلة أخرى من حياتها فقالت: "هناك كلمات في العربية أثقلها أسلافنا في عصور الظلام باقترانات لم نعد نطيقها اليوم مثل: غصن بان، جوى، بدر، هلال، مدنف، صبا، قد، وقد يخيل إلى الشاعر أن هذه الألفاظ قتلت فلا حياة لها بعد. ولكن هذه الكلمات تستطيع أن تتفتح وتنبض لو أدخلناها في سياق استعارات وتشبيهات معاصرة تنتمي إلى حياتنا"(5).‏

لقد أدركت نازك أن تطور اللغة وحياتها إنَّما ينبع من حياة الشاعر و تجربته وليس من الكلمات ذاتها. فالشاعر قادر من خلال إحساسه الجديد بالمفردات وتجربته في الحياة أن يعطي لها دلالات شعرية من خلال توظيفها في سياق جديد. فالشعر ليس صناعة بل تجربة والشاعر يستطيع أن يقدم للغة ما يعجز النحاة عنه. إنه قادر على إحياء الألفاظ بفضل حسه المرهف واطلاعه على الأدب القديم والحديث، العربي والأجنبي. فهو يستطيع أن يضيف لوناً إلى كلمة ويصنع تعبيراً جديداً وإن خرق قاعدة استطاع أن يخلق البديل ليصبح ما أبدعه قاعدة جديدة(6).‏

ويتفق عبد الصبور مع نازك في أن اللغة كائن حي يتطور ويبلى ويموت. فاللفظ يأخذ دلالة جديدة من خلال علاقة جديدة مع ألفاظ أخرى حتّى إذا فقد إيحاءه بكثرة الاستعمال أو لصعوبة صوتية فقد مدلوله وبلي كما يبلى الثوب وترك مكانه لألفاظ أخرى(7).كما يتفق مع نازك في أن اللغة العربية غنية ولكنها فقيرة في الوقت نفسه. وقد أفقرها الموقف المتحفظ من أدوات الحضارة والمصطلحات العلمية الجديدة ولا سيما في العلوم الإنسانية. كما أفقرها تعفف الشعراء عن استعمال ألفاظ جرى استعمالها في الحياة رغم عربيتها الأولى إيثاراً للزينة على الصدق(8). ويذكر مقطعاً من قصيدة (الأرض الخراب) لإليوت فيها ألفاظ مثل (التايبست، الشاي، علب الصفيح، الغسيل المنشور، الأطقم الداخلية، الجوارب، الشبشب، المشدات" ثمَّ يعلق عليها فيقول: "ومما لا شك فيه أنها هي الكلمات الوحيدة التي تستطيع نقل الصورة التي هدف الشاعر"(9). وينتهي عبد الصبور على أن في مكتبه كثيراً من المدركات الحسية مثل ( علبة السجاير، القداحة، الصور الفتوغرافية، المطفأة المزهرية، المروحة، علبة الأقراص المنبهة والمهدئة، تمثال فينوس...)(10)التي يمكن توظيفها شعرياً لو ملك الشاعر الحديث الجسارة اللغوية وخرج عن القاموس الشعري. ويلتقي بلند الحيدري مع نازك وعبد الصبور في القول بفقر اللغة العربية ويرد ذلك إلى التجربة التي مر بها الإنسان العربي في المرحلة الأولى، وهي تجربة خارجية تخص المكان أكثر ممَّا تخص الإنسان. فقد وضعت للأسد مئات الأسماء أمَّا الهواجس الداخلية فظلّت مفرداتها فقيرة ممَّا يدل على أن حركة المكان كانت تتحكم في اللغة أكثر من الحركة النفسية. وفي المرحلة الثانية ويسميها المرحلة النحوية فقد عمل البدوي على رفع اللبس عن المعنى والميل إلى الوضوح فأصبحت اللغة منطقية ممَّا جعل الشاعر العربي الجديد يج د معاناة كثيرة في التعبير عن أحاسيسه وتجربته(11). وهذا ما يفسر ثورة هؤلاء الرواد على اللغة التقليدية والبحث عن لغة جديدة من خلال إغناء اللغة العربية بالعودة إلى ألفاظ مستعملة في الحياة مهملة رغم فصاحتها وإيجاد علاقات جديدة بين مفرداتها.‏

وكما ثار هؤلاء الرواد على اللغة التقليدية التي جعلت من الشعر صناعة تكرر ألفاظاً محددة لموضوعات محددة فافتقر القاموس الشعري وجمد، ثاروا على فكرة القاموس الشعري الذي قرر كلمات شعرية وأبعد كلمات بدعوى عدم شعريتها. فقد عمل بعض النقاد القدامى على تأليف كتب تمد الأدباء والشعراء بما يحسن من الألفاظ والعبارات التي ينبغي مراعاتها كابن قتيبة في (أدب الكتاب) وكتاب (اصطلاح المنطق) لابن السكّيت، وكتاب (جواهر الألفاظ) لقدامه بن جعفر. ويقول ابن رشيق: "وللشعراء ألفاظ معروفة وأمثلة مألوفة لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا أن يستعمل غيرها، كما أن الكتّاب اصطلحوا على ألفاظ بأعينها سموها الكتابية لا يتجاوزونها إلى ما سواها"(12). فلا يجوز للشاعر أن يستعمل مفردة فلسفية أو فقهية أو نحوية إلا بمقدار وإلا خرج إلى الفلسفة و الفقه والنحو. وهذا يعني أن هناك اعتقادا بوجود ألفاظ شعرية أو أدبية بذاتها، فقاموس الشاعر محدد سلفاً والخروج عنه خروج من الشعر.‏

على أن حصر ألفاظ الشعر هو حصر لمجال الشعر، وهو بدوره حصر للشعر ذاته وتقييد له. فالشعر ليس لـه موضوع محدد يخوض فيه، وليس لـه ألفاظ محددة لا يتجاوزها. إنه يأخذ من كل المعارف والعلوم ويخوض في كل قضايا الحياة والوجود. ومن ثمَّ يستطيع أن يستعين بمختلف الألفاظ التي يراها مناسبة لموضوعه ويتطلبها سياقه الشعري. فليس هناك ألفاظ للشعر محددة مسبقاً أو موضوعات للشعر محددة سلفاً. ثمَّ إن الألفاظ ليست شعرية في ذاتها وإنما تكتسب ذلك من خلال استعمالها شعرياً في سياق شعري. وهذا هو ما حاول رواد الشعر العربي الحر أن يعبروا عنه في نظرتهم إلى اللغة الشعرية وفي إبداعهم الشعري أيضاً.‏

لقد كانت نازك في (شظايا ورماد) تهتم بالألفاظ في ذاتها من حيث قدمها وحداثتها وتذكر طائفة من الكلمات التي رأت أنها فقدت روحها وشعريتها ثمَّ أدركت أن الألفاظ يمكن إحياؤ ها من خلال استعمالها في سياقات جديدة في كتابها (محاضرات في شعر علي محمود طه) في بداية الستينيات. فقد أصبحت تعتقد أن اللفظ لا يوسم بالنثرية أو الشعرية في ذاته وإنما يتحدد ذلك من خلال السياق. "وسبب ذلك أن الشعر لا يستعمل كلمات خاصة لا ترد في النثر لأنَّ الشعر والنثر يستعملان لغة واحدة، وإنما يضع الشاعر ألفاظ النثر في سياق شعري، وذلك باستعمال الصور الحسية، وإضفاء غلالة من الخيال واستثارة الأصداء البعيدة في الألفاظ، وخلق الجو وإحاطة العبارات بأجواء نفسية متشابكة. يضاف إلى ذلك استعمال وسائل الشعر وفنونه اللفظية كالتشبيه والاستعارة والتناغم والجناس وسوى ذلك ممَّا يميز الشعر عن النثر"(13). على أن نازك هنا تركز على النص. وهذا رد فعل على النزعة الكلاسيكية التي جعلت من الشعر صناعة من جهة وتأثر بالرومانسية التي تركز على المبدع من جهة أخرى. فالذات المبدعة عندها هي التي تخلق علاقات شعرية بين الألفاظ، وغيابها يؤدي إلى احتفاظ الكلمات بمعناها النثري وانعدام العلاقة الفنية فتبقى الكلمات مستقلة بعضها عن بعض بخلاف ألفاظ الشعر التي يذوب بعضها في بعض في إطار النغم والجو(14). على أن هذا إذا كان ينطبق على النثر العلمي إلى حد ما فه و لا ينطبق على النثر الفني. فكثيراً ما نجد تلاحما في لغة قصة قصيرة أو قصة طويلة أو سيرة ذاتية أو غيرها من الأجناس الأدبية، بلا نجد ذلك في النصوص الدينية كالقرآن الكريم والتوراة والمزامير والأناجيل. ثمَّ إن العلاقات لا تنتفي في النثر العلمي ذاته وإنما تضعف بحيث يمكن استبدال كلمة بأخرى دون أن يتغير المعنى.‏

ويذكر عبد الصبور أنه كان في بداية حياته الشعري يحرص مثل أترابه على أن تكون لغة الشعر منتقاة ظناً منه أن ثمَّة كلمات شعرية وأخرى نثرية، واعتقاداً منها أن الكلمة هي التي تعطي للنص شعريته. لهذا كان يحرص على أن تخلو اللغة الشعرية "من أي كلمة فيها شبهة العامية أو الاستعمال الدارج"(15). ويذهب إلى أنه تأثر بالرومانسية التي تهتم فيها يرى بالقاموس الشعري المنتقى، كما يذهب إلى أنه كان متأثراً بالنظرة التقليدية التي ترى "للشعر لغته الخاصة المجاورة للغة الحياة والبعيدة عنها في بعض الأحيان"(16). على أن الرومانسية تجاوزت المعجم الشعري الكلاسيكي واستفادت من لغة الحياة اليومية، وهذّبت كثيراً من الألفاظ العاميّة وأغنت لغة الشعر في مستوياتها الم ختلفة. ومن هنا استطاعت أن تخلق قاموساً شعرياً جديداً ثار عليه المحدثون بدورهم بعد ذلك، وحرروا الشعر من فكرة القاموس الشعري. وهذا ما توصل إليه عبد الصبور بعد اطلاعه على مفهوم إليوت حيث أدرك "أن الشعر لا قاموس له، وأن الشعر الحديث في العالم كله قد تجاوز منطقة القاموس الشعري منذ أمد ليس بقريب"(17).‏

لقد أعاد صلاح نظره في اللغة الشعرية فرأى أن ليس ثمَّة كلمة شعرية وأخرى نثرية،وليس ثمَّة لفظة أفضل من لفظة إنَّما يتحدد ذلك في السياق. يقول: "ينبغي على الكلمة أن تستعمل لكي تثبت فاعليتها وبلاغتها. إن أية كلمة في سياق جيد تصبح بليغة، وإن أية كلمة أخرى في سياق لا يستطيع أن يكشف هذه الدلالة تصبح ركيكة. فالبلاغة إذاً ليست صفة للكلمة بل إنها صفة للسياق أو صفة للاستعمال، معنى هذا أن نظرية القاموس الشعري لم تصبح نظرية ذات مكان وإنما المعول عليه هو استعمال الشعر لكلمات القاموس بحيث تحمل الكلمة أكبر دلالتها وتنشر حولها أكبر قدر من الإيحاء وتنسجم مع الكلمات الأخرى في رباط من العلاقات والتداعيات والصلات المختلفة التي لا تنفصم"(18). ويبدو واضحاً ترك يز عبد الصبور على النص الشعري دون الشاعر وهو انتقال من أثر الرومانسية إلى نظرية الخلق اللغوي مادام الشعر خلقاً لا صناعة أو تعبيراً. فالشعر استعمال خاص للغة يختلف عن استعمال النثر لها. وهذا الاستعمال هو الذي يحدد شعرية اللغة لا الكلمات في ذاتها. فاللغة الشعرية ليست مجرد كلمات وإنما هي علاقات خاصة تشكل بنية لا تنفصم عراها.‏

ومادامت اللفظية ليس لها قيمة شعرية في ذاتها وإنما تكتسبها من خلال السياق فإنه لا يمكن أن تعادل كلمة كلمة أخرى أو تحل محلها في السياق، ولا وجود للترادف لدى كل من نازك وعبد الصبور. فالمرح غير الفرح عند نازك (أمَّا مرح فهي تدل على حركة في المكان يجري معها الإنسان هنا وهناك سعيداً في خفة وسرور. وأما الفرح ففيها دفقة نفسية ينبعث معها انفعال الفرح في القلب الإنساني دون أن تلازمها حركة واقية بالضرورة"(19)‏

والحب يختلف عن الشغف ويختلف عن العشق أيضاً، ولكل كلمة دلالتها المختلفة عند عبد الصبور(20).‏

ويكشف خليل حاوي في النظرة التقليدية تمييزها بين موضوع وآخر بدعوى جماليته أو عدمها على جانب التمييز بين ألفاظ وأخرى بدعوى شعريتها أو عدمها. وهو ما جمد الشعر في موضوعات بعينها وألفاظ بعينها دون غيرها فأصبح صناعة لا إبداعاً وابتكاراً، وتحول إلى قوالب جامدة ومضامين عقيمة(21). فالنظرة التقليدية كانت ترى الجمال في الموضوع ذاته، ومعنى ذلك أنه هو الذي يحدد جمالية القصيدة. على أن الشعر لا يتناول الجميل فحسب بل القبيح أيضاً. وليس الموضوع هو ما يحدد جمال القصيدة ولكن كيفية تناولها للموضوع سواء كان جميلاً أو قبيحاً فقد يتناول الشاعر موضوعاً في الفضيلة بطريقة رديئة ويتناول آخر موضوعاً في الرذيلة بطريقة فنية عالية. فالجمال الفنّي هو غير الجمال الواقعي والصناعي لأنَّه يكمن في طريقة للتناول للموضوع لا في الموضوع ذاته. ولا شك، أن تحديد الموضوعات حد من آفاق الشعر وزاد القاموس الشعري فقرا.ً وخليل حاوي مثل غيره من الرواد أدرك أن الشعري ليس في الموضوع ذاته أو اللفظ ذاته وإنما في طريقة استخدام الموضوع واللفظ. لهذا يقول: "لقد ألغينا ادعاء الشعرية على كلمات معينة... وعملنا على أن نبني الجمالية الجديدة من قلب التجربة لا من القاموس... أخذنا نستعمل كل عناصر اللغة. لم تعد هناك كلمات غير شعرية وأخرى شعرية... بل صارت الكلمة تكتسب طاقتها الشعرية حسب وجودها في البناء الشعري ككل"(22). وخليل هنا يجعل التجربة منطلقاً للشعري، فالانفعال بالموضوعات والكلمات هو الذي يحدد شعرية الكلمة والموضوع. وبناء القصيدة هو المقياس الذي يكشف لنا شعرية الكلمة أو عدمها. فالشعرية لا تظهر على مستوى السياق في الجملة أو في المقطع فحسب بل في النص كله من حيث أنه بناء. وهذا يعني أن الشعرية علاقات وليس صفات لمفردات. فالسياق "يمكن أن ينقل عبارة واحدة من مدح إلى ذم، ومن تقرير مجرد إلى تلميح خفي، بل إن السياق يمكن أن ينقل الكلمة إلى ضد معناها المعروف، وهو ما أسماه البلاغيون (التهكم) ومثلوا لـه بكلمة (ظل) في الآيات الكريمة من سورة المرسلات ]ويل يومئذٍ للمكذبين، انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون، انطلقوا إلى ظلٍّ ذي ثلاث شعب، لا ظليلٍ ولا يغني من اللهب] ونحن قد نصف عملاً خسيساً بأنه مجد، أو نقول عن رائحة كريهة أنها عطر وشذا"(23).‏

ويرفض أدونيس مثل زملائه فكرة القا موس الشعري لأنَّ الكلمة في ذاتها لا تصنع شعراً إنَّما الشعر هو الذي يصنع كلماته الخاصة من خلال سياق خاص. فهو يعطي لهذه الكلمات دلالات جديدة لم تكن لها في الأصل لتصبح شعرية في مكانها من النص. والشعرية بهذا ليست صفة قبلية مرتبطة بالألفاظ ذاتها وإنما سياقية إذ تعلوا الكلمة على ذاتها في النص وتقول أكثر ممَّا تقوله عادة(24). ويربط أدونيس الشعرية بالشاعر مثل نازك لأنَّه هو الذي ينفخ في الكلمات دلالاتها الجديدة من خلال استخدامها في علاقات جديدة. فهو يجمع بين الطريقة والشاعر، بين الجمال والإنسان فيقول: "ليس الجمال الشعري في الكلمة بحد ذاتها وإنما هو في طريقة استخدامها، أي في الإنسان. الجمال إذاً إضافة يقدمها الإنسان الخلاق، أو هو الإبداع. الشعر في هذا المنظور غير موجود في الكلام وجود اللون والرائحة مثلاً في الزهرة، بل هو من خارج يضفيه الشاعر على الكلمات بطريقة استخدامها وبطريقة تعبيره"(25). فالجمال من هنا قيمة مضافة للكلمات من خلال استخدامها وليست أصلية، والشاعر هو مصدر هذا الجمال يظهر في النص الشعري.‏

إن طريقة التعبير لدى أدونيس هي الت ي تحدد شعرية الكلمة أو نثريتها لأنها تستخدم من الناثر والشاعر على السواء. وغايتها في الشعر غير غايتها في النثر، فالشعر رقص والنثر مشي كما يقول فاليري. النثر لـه هدف محدد مثل السير أمَّا الرقص فغايته في ذاته(26). ويقول أدونيس من وحي ذلك: "الكلمة في الشعر غيرها في النثر، فمعنى الكلمة في الشعر ليس في ذاتها بل في سياقها وعلاقاتها بما قبلها وما بعدها. وهو التلوين الذي تأخذه بفضل طريقة التعبير. للكلمة في النثر معنى واحد هو معناها الذي وضعت لـه أصلاً، وهو معناها الأول. أمَّا في الشعر فإن للكلمة بالإضافة إلى هذا المعنى الأول معنى ثانياً. ويتعدد هذا المعنى بفضل الصور التي تحدث تغييراً في دلالة الكلمات من حيث أنها تستخدمها بغير ما وضعت لـه الصور التي تحدث تغييراً في دلالة الكلمات من حيث أنها تستخدمها بغير ما وضعت لـه أصلاً"(27). فالكلمة في النثر وسيلة لغاية أهم من الكلمة، لذل تموت بمجرد تأدية هذه الوظيفة دون أن تترك أثراً يذكر، أمَّا الكلمة في الشعر فهي الغاية المطلوبة يشحنها الشاعر بمعانٍ ودلالات شتى غير مرتبطة بشيء محدد. فهي لا تدل على شيء إنَّما توحي بعوالم ورؤى وأحلام لذلك فإن الكلمة في الشعر لا تموت. إنها كائن حي يفجر مع كل قراءة مدلولات كثيرة، إنها توحي بما لا يحدد لذلك تحتفظ بقيمتها كما يرى فاليري(28).‏

على أن ما ذهب إليه أدونيس هنا إذا كان ينطبق على النثر العلمي فهو لا ينطبق على النثر الفني، ففي بعض القصص تغيب الفواصل بين لغة الشعر ولغة النثر، فضلاً عن أن احتفاظ اللغة بمدلولها في النثر غير صحيح حتّى في الكتابة العلمية، ففكرة العلاقات أساس كل كتابة وإن تعمقت في الشعر. ولكن أدونيس لا يميز بين الشعر والنثر الفني ومن هنا ينسحب كلامه على النثر الفني أيضاً دون النثر العلمي.‏

ويؤكد يوسف الخال هذا المنحى الذي أخذه أدونيس من وحي فاليري إذ يذهب إلى أن الألفاظ تستخدم في النثر كما تستخدم في الشعر، وأن الفرق يكمن في طريقة الاستخدام. ومن ثمَّ فليس هناك ألفاظ شعرية في ذاتها وأخرى نثرية بذاتها. بل تكتسب شعريتها أو نثريتها تبعاً للسياق ذاته. فهي في النثر تحتفظ بالمعنى الأصلي لأنها تستعمل لما وضعت لـه اصطلاحاً، بينما تخرج في الشعر عن ذلك لتوحي بمعان جديدة لدخولها في علاقا ت جديدة. ومن ثمَّ تكون الألفاظ في الشعر موحية ومكثفة وتبقى في النثر مباشر(29). ويستعمل الخال مصطلحات التكثيف والتعقيد والإيحاء لوصف الكلمة في الشعر. فهي مكثفة نتيجة تعدد علاقاتها بغيرها، فهي تلون غيرها وتتلون به. أمَّا التعقيد فإنما ينشأ من هذا التعدد العلائقي الذي يجعل الكلمة توحي بمدلولات كثيرة لا يمكن حصرها. فالكلمة في الشعر ليست بسيطة بل معقدة لأنها علاقة وليست مجردة كلمة. إنها سياق أو بنية وهو ما تفتقر إليه الكلمة في النثر. الكلمة في الشعر كلية لأنها تشع بمعاني الكلمات المختلفة في النص حتّى لتصبح هو كل الكلمات(30). والخال هنا أيضاً لا يميز بين لغة الشعر ولغة النثر الفني شأنه في ذلك شأن أدونيس. فكل تعبير شعري عندهما شعر، أمَّا النثر عندهما فهو النثر العلمي.‏

لقد ثار رواد الشعر العربي الحر على القاموس الشعري، فلم يعد للشعر معجم خاص لأنَّ "القصيدة لغة وليست كلمات، وما دامت لغة فهي علاقات، أو بعبارة أدق نظام خاص من العلاقات، وبما أنها كذلك فهي لهجة شخصية غير مستعارة"(31) كما يقول حجازي. لقد ارتبط الشعر باللغة لا بالكلمات، بالشا عر الخلاق والتجربة والحياة. الشعر رؤيا والرؤيا تقوم على رؤية خاصة للحياة وعلاقة خاصة بالأشياء تتجلى عبر علاقات لغوية خاصة. فاللغة ليست صناعة لفظية يقوم بها الذهن بعيداً عن الإحساس بالحياة والعالم. إنها "نظام لا يتحكم فيه النحو بل الانفعال أو التجربة. من هنا كانت لغة الشعر لغة إيحاءات على نقيض اللغة العامة أو لغة العلم التي هي لغة تحديدات"(32) كما يقول أدونيس. لقد أعاد رواد الشعر الحر اللغة الشعرية إلى الحياة وثاروا على اللغة التقليدية التي تحولت في عصر الانحطاط إلى لعب بالألفاظ بعيداً عن حركة الحياة وتجربة الشاعر. "فليست اللغة سوى صوت التجربة الحية، هذا الصوت الذي يفقد صدقه ونظامه ومعناه حين يفقد رصيده من التجربة ويصبح شقشقة مجانية لا تعني ولا تثير..."(33). ومن خلال هذه التجربة يكون التعامل مع التراث الشعري ومع الحياة اليومية والواقع العيني. ومن خلال هذه التجربة يكون التعامل مع اللغة ذاتها ومحاولة السمو بها لخلق عالم أمثل.‏

اللغة والتراث الشعري:‏

يذ هب رواد الشعر الحر إلى أن الشاعر لا ينغمس في العلاقات القديمة للغة وإلا كان محافظاً يعيد إنتاج علاقات تلائم مرحلة تاريخية قديمة وتعبر عن نظرة خاصة بهذه الفترة أو تلك ولكن يعيد تفكيك هذه العلاقات القديمة لينتج علاقاته الخاصة التي تعبر عن تجربته الخاصة ونظرته الخاصة إلى العالم. ومن ثمَّ حاول هؤلاء الرواد مواجهة التراث الشعري من جهة ولغة الواقع من جهة أخرى. فالشاعر يحاول تشكيل العالم من خلال تجربته الخاصة ومن ثمَّ يصطدم بلغة الواقع التوصيلية فيحاول زلزلة منطق التوصيل من جهة، كما يصطدم بالتشكيل اللغوي في التراث الشعري وهو يعمل على التفرد والتميز ولا يكون ذلك إلا بزلزلة هذا التشكيل اللغوي والإضافة إليه من جهة ثانية(34). وهذا ما يصوره كل من يوسف الخال وعبد المعطي حجازي.‏

يذهب يوسف الخال إلى أن الشاعر يصارع في عملية الإبداع تحديين: الأول وهو اللغة بأصولها وقواعدها التي لا يمكنه تجاهلها مادام يكتب لقراء هذه اللغة، والثاني وهو أساليب التعبير الشعري المتوارثة التي يجب أن يكون الخروج عليها بأناة ومهارة حتّى لا تفقد القصيدة حضورها لدى القرا ء(35). ولكن هذين التحديين هما بمثابة امتحان لأصالة الشاعر "فإن هو خضع لهما تمام الخضوع خرجت قصيدته مبذولة جامدة آلية، وإن هو تمرد عليهما تماماً خرجت قصيدته هذراً لا حضور لـه. أمَّا الصحيح فهو أن يعترف الشاعر الأصيل بقواعد لغته وأصولها، وبمبادئ الأساليب الشعرية المتأثر بهذه اللغة المتوارثة في تاريخها الأدبي، وفي الوقت ذاته يأخذ لنفسه قدراً كافياً من الحرية لتطويع هذه القواعد والأساليب ونفخ شخصيته فيها"(36). فالشاعر من هنا يطور لغته من خلال خلق علاقات جديدة من خلال التجربة الجديدة في الحياة دون خروج على قواعد اللغة العامة. فالشاعر يغني اللغة بتعامله الجديد معها على ضوء فهمه لقضايا العالم. ويغني أساليب الشعر الموروثة بتعامله المتفرد مع اكتشاف وسائل جديدة وتقنيات جديدة يصل إليها في عالم الشعر. الشعر ليس تقليداً للغة الجماعة أو لغة الشعراء وإنما هو خلق للغة ذاتها من خلال خلق علاقة جديدة بالعالم.‏

أمَّا حجازي فيشير إلى صراع الشاعر مع لغة تراثه من جهة ومتطلبات الواقع من جهة ثانية. فالشاعر مطالب أن يعبر عن واقعه دون أن تفقد لغته علاقتها بأصولها التراثية. الصراع عند حجازي "لا يحل بالانحياز إلى أحد الطرفين، وليس من السهل أن نصل إلى لغة وسطى نستعملها في الكتابة والحياة ونبتعد بها عن الطرفين معاً. ولهذا سيظل على الشاعر العربي أن يشد لغته المتوترة بين الماضي والحاضر، وأن يسير عليها متأرجحاً كاللاعب من هذه الطرف إلى ذاك لا يكف عن الحركة وإلا سقط"(37). ويسمي العلاقة بين الشاعر والشعراء السابقين شعرة معاوية التي يجب ألا تنقطع. فالشاعر يثور على التقاليد الموروثة ولكن في حدود ما يحفظ لـه مكانته في تراثه(38). وهو يضيف إلى التراث دون أن ينفصل عنه أو ينغمس فيه، يغني لغته الشعرية دون أن تفقد أصالتها وذلك بإعطاء معاني جديدة لمفردات اللغة أو تحويلها عن المعاني القديمة. فالشعر في حاجة إلى "أن نفصل مفردات اللغة عن معانيها الموروثة، أو نخفف أثقالها من دلالاتها الساكنة الميتة ونردها أكثر نظافة ورهافة لحمل الإيماءات والإيحاءات التي لم تتعود حملها من قبل. نحن في حاجة إلى أن نمحو عن الأشياء الحقيقية أسماءها المزيفة، وأن نمحو عن الكلمات الحقيقية معانيها المزيفة، ونرتد إلى حالة أولى هي حالة الخلق والتكوين"(39).‏

وإذا كان الصراع عند الخال وحجازي يقوم بين الواقع والتراث فإن الصراع عند خليل حاوي يقوم بين فطرة اللغة في مرحلتها البدوية وبين التنميط، بين اللغة البكر القابلة للتطور وبين أنماط وأشكال في التراث الشعري تميل إلى الجمود. وينتهي خليل إلى خلاصة مفادها أن على الشاعر خلق لغة جديدة يستمدها من تجاربه وتجارب الإنسان في عصره ويوفر لها الحيوية حتّى تكون مطواعة لكل تطور وتجديد(40). فهو لا يدعو الشاعر إلى تملك لغة التراث الشعري حتّى يمكن تجاوزها وإغناؤها بعلاقات جديدة كما هي الحال عند الخال وحجازي وإنما يدعوه إلى أن يأخذ لغته من الحياة والتجربة بدل الموروث لأنَّ لغة الحياة قابلة للتطور بخلاف لغة القاموس فهي جامدة.‏

وإذا كان رواد الشعر العربي الحر ينادون بخلق لغة جديدة من خلال الصراع مع لغة الجماعة ولغة التراث الشعري، أو العودة إلى الحياة بدل القاموس الشعري فإن أدونيس يرفض لغة الجماعة ولغة الموروث الشعري معاً. فهو يدعو إلى ضرورة التخلص من لغة القدامى للوصول إلى الخاص فيقول: "اللغة ليست ملك الشاعر، ليست لغته إلا بمق دار ما يغسلها من آثار غيره، ويفرغها من ملك الذين امتلكوها في الماضي... اللغة دائماً تخص زماناً، بنية اجتماعية ما، إنها تجيء من الماضي. حين يأخذها الشاعر كما هي، كما تجيئه لا يكتب بل ينسخ... اللغة الشعرية لا تتكلم إلا حين تنفصل عمَّا تكلمته: تتخلص من تعبها، تقتلع نفسها من نفسها. فاللغة الشعرية هي دائماً ابتداءً"(41). اللغة عند أدونيس علاقة ثقافية واجتماعية، والإبداع لا يكون إلا بإيجاد علاقات جديدة بين مفردات اللغة عند أدونيس علاقة ثقافية واجتماعية، والإبداع لا يكون إلا بإيجاد علاقات جديدة بين مفردات اللغة. ولكن لا يمكن للشاعر أن يبدأ من فراغ لأنَّ الشعر فن يرتبط بما قبله من النصوص الشعرية، وهو ليس مجرد لغة شعرية، أو تجديد في اللغة بل تجديد في الوعي ورؤية العالم. فالشاعر لا ينطلق من فراغ لأنَّه كائن اجتماعي مرتبط بثقافة ومجتمع ينمو في إطاره ويترعرع بين أحضانه. وهو مهما حاول التجديد يبقى مرتبطاً بلغته وثقافته لأنَّه لا يستطيع الخروج من جلده. إن أدونيس يقفز على الواقع والتاريخ وكأن اللغة وعاء نفرغه من أثر القدامى ونشحنه بانفعالنا بشكل آلي(42). هذا ما يمثله مهيار الدمشقي الذي يبدأ من الصفر، لا أسلاف لـه وفي خطوات ه جذوره، لا أحد سواه. فهو إله يخلق نفسه بنفسه من عدم بالكلمة(43). اللغة عنده لا تقول ذاتها إلا بمقدار ما تنفصل عن السابق، لا تكون شعرية إلا بمقدار تخلصها من تاريخها.‏

على أن أدونيس تجاوز هذا الرأي في كتابه (كلام البدايات) عندما دعا إلى تغيير أشكال التعبير القديمة لغسل اللغة من آثار السابقين. فالشاعر ينحرف باللغة عن المعاني القديمة إلى معانٍ جديدة عن طرائق تأسيس علاقات لغوية جديدة نتيجة رؤية جديدة للحياة وأشيائها. وهو يميز بين شاعر تكتبه اللغة لأنَّه يتبنى الموروث بمفهوماته وقيمة وطرائق تعبيره، وشاعر يكتب اللغة لأنَّه "يحاول أن يقول شيئاً لم تقله بطرائق لم تألفها، فهو يتساءل دوماً ويبحث... وهو في ذلك يغير الرؤية السائدة للعالم عبر الشعر. وهنا ينحصر الدور التعبيري للشعر. فيما يغير الشاعر أشكال التعبير يغير طرائق الإدراك والرؤية في العلاقة بالأشياء والزمن"(44).‏

وهو هنا يبدو متأثراً بالشكلانيين الروس وعلى رأسهم شكلوفسكي الذي دعا إلى تغريب الأشياء عن طر ائق الفن وذلك من خلال وسائل تعبيرية كالاستعارة مثلاً. فالشعر إدراك جديد يغير الإدراك القديم لدى الناس بإعادة تشكيل الأشياء بطريقة جديدة تزحزح الإدراك القديم والمعرفة القديمة(45).‏

اللغة والحياة اليومية:‏

يذهب عز الدين إسماعيل إلى أن كل مرحلة من مراحل التجديد تثار فيها علاقة اللغة بالحياة والعصر أو قربها من الواقع. على أن قربها من الحياة لا يعني أنها تكون مثل لغة الناس ولكن بمعنى أنها تحمل نبض الحياة الجديدة، فهي قريبة من روح العصر وروح الناس وليست لغة الناس في الوقت نفسه، وهو ما يقيم علاقة تواصل بين الشاعر والمتلقي(46). وقد أثار رواد الشعر العربي الحر هذه العلاقة بين لغة الحياة والشعر متأثرين بنظريات جاءتهم من الغرب والشرق. وقد "كانت دعوة إليوت إلى الاقتراب بالشعر من الواقعية اللغوية أو لهجة الحديث العادي من أهم الأسس التي أخذ بها شعراؤنا في فن التوقيع ( يقصد شعر التفعيلة ) . وفي الوقت نفسه كانت دعوة الواقعية الاشتراكية تهب بقوة على الأدب العربي وكا ن أثرها في الشعر العربي مشابهاً لأثر إليوت في اعتماد لغة الحديث اليومية"(47).‏

لقد تأثر هؤلاء الرواد بإليوت في دعوته إلى ضرورة اقتراب الشعر من لغة الحياة اليومية لغة الإيقاع اليومي حتّى يجدد حيويته. ولكن لغة الشعر غير الحياة اليومية وموسيقاه غير موسيقاها وإلا كان نسخاً وتكراراً للحياة الواقعية. على أننا لا ننفي أن يستفيد الشعر من إيقاع الحياة ولغتها اليومية فيحورها ويصقلها ويوظفها بحسب متطلبات الشعر من حيث أنه فن. وهذا ما قصده إليوت فقال: "إننا لا نريد أن يعطينا الشاعر نسخة تامة عن لغته المحكية لغة أهله وأصدقائه وأبناء مقاطعته. غير أن ما يجده في محيطه هذا هو المادة التي يصنع منها شعره. إنه كالنحات يجب أن يظل أميناً للأداة التي يشتغل بها. ثمَّ إنه من الأصوات التي وعاها ويجب أن يوقع أنفاسه ويبعث فيها ما تكتمل به من الانسجام"(48). إن الشعر لا يقلد لغة الناس وأصواتهم لأنها لغة نثرية، ولكنه يقترب من روح الحياة ونبض القلوب وحركة الواقع ليعيد خلق ذلك فنياً. الشعر ليس كلاماً عادياً أو حديثاً يومياً بل يرفع لغة الكلام إلى الشعر. فهو يستف يد من النبرات والأنغام في لغة الحياة ويقوم بتهذيبها والسمو بها إلى لغة الشعر. ولغة الشعر تأخذ "من لغة النثر العادي وأسلوب الحديث اليومي وإن كانت تزيدها تنظيماً وتركيزاً وإجادة وإرهافاً"(49).‏

وكما تأثرت هؤلاء الرواد بإليوت وإزراباوند تأثروا بالتيار الماركسي الشيوعي في هذه المرحلة التاريخية كما يقول أدونيس: "... تعرف الشعراء العرب على عدد من شعراء الاشتراكية في العالم، ممَّا أثر كثيراً في لغة الشعر العربي، قربها إلى الحياة اليومية المباشرة في شكلها السياسي على الأخص، وقرب الشعر إلى النثر من حيث التبسيط والتشديد على هموم الشعب الضاغطة، وعلى قضايا المباشرة، بالإضافة إلى التشديد على البعد النضالي، لا ضد الخارج الاستعماري وحسب، بل كذلك ضد الداخل الاقطاعي والبرجوازي، وضد الطغيان والاستبداد على مستوى النظام السياسي"(50).‏

ويذهب خليل حاوي إلى أن ميل بعض الرواد إلى الاستفادة من لغة الحياة اليومية يعود إلى تأثرهم بجبران الذي كان يعتقد أن العاميات هي "مصدر ما ندعوه فصيحاً من الكلام ومنبت ما نعده بليغاً من البيان"(51). على أنه كان يدعو "إلى وجوب تحسين الكلمات العامية وتهذيبها قبل التحامها بجسم اللغة الفصحى"(52). ويشير خليل إلى شعراء من الغرب مثل وردزورث وهوغو وغيرهما من الرومنسيين قد عادوا إلى الحياة ليأخذوا منها كلماتهم بعد تهذيبها. فهم يؤثرون الكلام المألوف على العودة إلى المعجم(53). وهذا يعني أن الميل إلى الاستفادة من لغة الحياة اليومية قد ظهر مع الرومنسيين قبل دعاة الشعر الحر في الغرب وجماعة الإماجيين، بل هي جذور في التراث العربي والغربي.‏

ويذكر حجازي أثراً آخر في ميل بعض الرواد إلى لغة الحياة اليومية ويتمثل في تأثرهم بشعراء العامية الكبار أمثال صلاح شاهين وفؤاد حداد في مصر وغيرهما في لبنان والعراق. فالقصيدة الجديدة تنهل من تراث العامية كما تنهل العامية من الفصحى(54).‏

وإذا كان رواد الشعر العربي الحر قد أرادوا إغناء لغة الشعر بالعودة إلى الحياة اليومية فإنهم قد اختلفوا في فهم هذه العلاقة. فمنهم من دعا إلى الاستفادة من ألفاظ عامية فصيحة الأصل وتحسين ألفاظ عامية لإدماجها في النص الشعري كما هي الحال لدى عبد الصبور وحاوي ومنهم من دعا إلى كتابة الشعر باللهجة العامية كما ينطقها المثقفون لمواكبة حركة الحياة مثل يوسف الخال. وثمة من رفض المذهبين معاً انطلاقاً من أن الشعر غير الحياة وأن اللغة الشعرية غير اللغة العادية مثلاً أدونيس.‏

يذهب عبد الصبور إلى إمكان الاستفادة من الألفاظ العامية ذات الأصل الفصيح تحرياً للصدق فيقول: "لقد كان امرؤ القيس لا يعرف الفرق بين اللفظ العادي واللفظ الشعري. فهو يحدثنا في معلقته عن شحم ناقته ولحمها ويحدثنا عن (بعر الآرام) وحب الفلفل وينقل إلينا صورة صحراوية نابضة بالحياة :‏

فظل العذارى يرتمين بلحمها * * * وشحم كهدّاب الدمقس المفتل‏

ترى بعر الآرام في عرصاتها * * * وقيعانها كأنه حب فلفل‏

ولكن ذوق التخلف الذي يعني بالزينة أكثر ممَّا يعني بالصدق هو الذي خلق ما نسميه "القاموس الشعري"(55). وعبد الصبور يورد هنا (الصدق) بمعناه الواقعي، فبقدر ما يتم الاقتراب من الواقع ونقله بصدق يكون العمل شعرياً. فالصدق عنده معيار فني وتحقيقه يكون باستعمال الألفاظ السهلة والبسيطة. فهو يرى "أن السهولة قد تصنع شعراً جيداً"(56). على أنه يعود مرة أخرى ليؤكد أن المقياس يكمن في طريقة استعمال هذه الألفاظ وفي القدرة على التصوير لا في الألفاظ العامية ذاتها. يقول: "ليست المشكلة إذاً استعمال الألفاظ العامية لتطعيم القصيدة بنبرة شعبية كما حلا لبعض من يكتبون الشعر، ولكنها القدرة على التصرف في اللغة بمستوياتها المزعومة المختلفة كأنها كنز خاص. فنحن على القدرة على التصرف في اللغة بمستوياتها المزعومة المختلفة كأنها كنز خاص فنحن على حق حين نلتقط الكلمة من أفواه السابلة مادمنا نستطيع أن ندخل بها في سياق شعري. هذا مع علمنا أن محك جودة السياق الشعري هو قدرته على التعبير وجلاء الصورة"(57).‏

ويذهب أدونيس إلى أنه يخالف عبد الصبور في فهمه لعلاقة الشعر بلغة الحياة، فلغة الشعر عند عبد الصبور "في مستوى الأشياء، تلتصق بجلدة الحياة المكسوة بغبار الأيام وتعب التأمل"(58). أمَّا اللغة الشعرية عند أدونيس فهي لا تطابق لغة الحياة لأنها خلق، لغة جديدة تقول ما تعجز اللغة اليومية أن تقوله. لذلك يتساءل "هل يكفي لكي نخرج من التقليدي الموروث ونؤسس مقاربة شعرية جديدة أن نستخدم اللغة البسيطة أو المبسطة أو اليومية العادية؟ وكنت أجيب دائماً ولا أزال أن هذا الاستخدام ليس بحد ذاته مهماً كما يزعم بعضهم أو شعرياً، وإنما تتجلى أهميته وشعريته في كيفيته"(59). وقد كان بعد الصبور في بداية حياته الشعرية يعتبر البساطة مقياساً لجودة الشعر وهذا ما جسده في عدد من قصائده مثل (شنق زهران) و (الملك لك) و (الحزن) وغيره. على أن البساطة ليست قيمة فنية في ذاتها، إذ قد تكون دليلاً على السطحية والسذاجة. ومن هنا عدل عن اللغة العادية كغاية في ذاتها إلى السياق الشعري.‏

أمَّا خليل حاوي فيوافق عبد الصبور على ضرورة استفادة الشعر من لغة الحياة، ويرى أن الذين اقتصروا على المعجم قد ضلوا لأنَّ "الألفاظ المعجمية متصلب ة وجامدة تفتقر إلى حيوية الحياة وحرارتها. وإذاً يجب الانطلاق من مادة لغوية بكر خام ثمَّ تعالج بالصقل والنحت وترفع إلى أعلى مستوى من الإشراق والتوهج. والمقصود ألا يكون استخدام لغة النثر سبيلاً تدخله إلى الشعر نزعة التقرير النثرية"(60). فالشعر من هنا لا يقتصر على المعجم بل يمتح مادته الخام من التراث الشعبي والينابيع الحيوية في الواقع لإغناء قاموسه بشرط صقلها والسمو بها ومعرفة توظيفها فنياً. من هنا فإن اللغة الشعرية لا تقلد العامية وإنما تستمد منها حيويتها لتصبح أكثر قرباً من الناس وأكثر تأثيراً فيهم. وخليل يركز على البكارة والفطرة في حديثه عن اللغة الشعرية ويرى أن مصدرها هو الحياة لا الكتب.‏

على أن فهم يوسف الخال لعلاقة اللغة الشعرية بالحياة يختلف عن فهم كلٍّ من عبد الصبور وحاوي إذ يدعو إلى استعمال لغة الحديث اليومي في الشعر. وهو يرى أن أزمة الإبداع عندنا تعود إلى هذه الثنائية: لغة الكتابة ولغة الكلام. "فنحن نفكر باللغة ونتكلم بلغة ونكتب بلغة"(61). ولحل هذه الثنائية ينبغي أن تكون الكتابة بالغة التي طورتها الألسن لا باللغة الموروثة التي استقرت في بطون الكتب. فاللغة اليومية تطورت عن الأصل وأصبحت "هذه اللغة العربية المتطورة هي لغة الحاضر والمستقبل، وأن استخدامها في الكتابة كما في الحديث أمر محتوم"(62). إن اللغة عند يوسف الخال مرتبطة بالحياة، وكتابة أدب يواكب الحياة لا يمكن أن يتحقق إلا باستعمال لغة الكلام المحكي. فيوسف الخال لم يدع إلى لغة ثالثة بين التراث والحداثة كما فعل نزار قباني ولا إلى تفجير اللغة عن طريق تحرير المفردات من سياقها القديم وإدخالها في سياق جديد كما يرى أدونيس متأثرا ببارت، ولا إلى تطعيم الشعر ببعض الألفاظ العامية الفصيحة الأصل وتهذيب بعضها الآخر ممَّا يمكن أن يغني لغة الشعر كما فعل عبد الصبور وحاوي، بل يرى استعمال لغة الكلام المحكي كافياً لتحقيق أدب حي. ولكن هل العامية لغة شعرية في ذاتها؟ وهل مطابقة الشعر للحياة قيمة شعرية بذاتها؟ هل الشعر تقليد للحياة الواقعية؟ وهل تسعف اللغة المحكية الشاعر على التعبير عن رؤيته الخاصة للحياة؟ وهل استعمال لغة الحياة اليومية ليس مقياساً فنياً في ذاته.‏

وهذه الدعوة إلى كتابة الشعر بالعامية لدى يوسف الخال ت تناقص مع دعوته إلى الالتزام بقواعد اللغة العربية والاستفادة من الأساليب الشعرية الموروثة. فهو ينفي احترام قواعد اللغة إذ يدعو إلى التخلص من الإعراب وكتابة اللغة كما تنطق في الحياة اليومية التي يرى فيها تطور اللغة الأم. ويلخص هذا التطور في نقاط أهمها "إلغاء الإعراب والاستغناء عن عدد من الضمائر، والاكتفاء باسم واحد من الأسماء الموصول هو (اللي) والاكتفاء باسم إشارة واحدة هو (ها) وأخيراً الاستغناء عن نون النسوة وضمير المثنى... الخ"(63). وهو يذهب إلى أن اللغة العامية هي اللغة الفصحى التي تطورت عن اللغة التقليدية فيقول: "هذه هي اللغة الفصحى هكذا صارت"(64). على أنه يميز بين عامية المثقف وعامية الرجل العادي، فيرى أن عامية الأول أدبية أمَّا عامية الثاني فليست أدبية(65). ولكن هل عامية المثقف شعرية في ذاتها؟ هل يكفي أن يستعملها كما هي في كتابة قصيدة؟ وهل يعني هذا أن الفصحى غير شعرية في ذاتها؟ إن دعوة الخال إلى لغة الحديث اليومي يعني أنه لا يميز بين لغة الشعر ولغة النثر. كما يعني أن هدفه التوصيل لا التشكيل، تقليد الحياة لا الإبداع. ذلك أن إحلال الدارجة محل الفصحى يعني أن اللغة وسيلة للتخاطب والتفاهم لا وسيلة للإبداع(66) كما يقول أدونيس.‏

وقد وقف بقية رواد الشعر العربي الحر ضد استعمال العامية وعلى رأسهم نازك التي ترفض حتّى استعمال ألفاظ عامية في الشعر الفصيح للأسباب الآتية:‏

1 "إن استعمال العامي في الشعر الفصيح منفر للنفس العربية لأنَّه ينقلنا إلى آفاقنا المتخلفة ويذكرنا بعهود الظلام والعذاب التي نشأت فيها هذه اللهجات العامية.."‏

2 "إن العامية لغة ساذجة تعكس العواطف البدائية وضحالة الفكر" وتضرب لذلك مثالاً بفقر العامية وغنى الفصحى من خلال الفعل (شرب) وماله في الفصحى من مترادفات.‏

3 "إن اللغة العامية قد أسقطت كل ما كان مترابطاً في اللغة العربية"(67).‏

كما تقف نازك ضد الدعوات المغرضة لبعض المفكرين والشعراء الذين يريدون الخروج عن قواعد اللغة العربية بدعوى أنها تحول دون الإبداع الحر ومحاولتهم تسويغ الأخطاء في الشعر لذلك. فهي ترى أن القاعدة تحفظ الشاعر من الوقوع في الغموض والالتباس وتجعله يسير في طريق مأنوس سار فيه الأوائل. "إن القاعدة تهبنا العمق التاريخي لأنَّ وراءها ملايين العقول العربية وفيها تنبض أسرار ماضينا، أمَّا الشذوذ فهو ينبت بنا ويبتعد حيث لا نجد مشاركاً ولا أنيساً"(68). إن الخروج على القواعد باسم الحداثة ومواكبة الحياة لا يبرر الخطأ وإنما يعني جعل الهدم مقياساً فنياً. الشعر لغة جميلة ولا يستقيم الجمال مع الأخطاء اللغوية. وإن تسويغ الأخطاء بدعوى التجديد والدعوة إلى استعمال العامية محل الفصحى دعوى ضد اللغة وضد الفن الذي يتوسل هذه اللغة.‏

ويتساءل عبد الصبور عمَّا يمكن للعامية أن تقدمه للأدب، فإذا كانت هذه الدعوة تريد أن يكون الأدب ملتصقاً بالحياة اليومية وأن العامية تساعد على ذلك فالأدب غير الواقع. والواقع اليومي فقير رتيب والعامية فقيرة بمفرداتها وتعابيرها وهي من مخلفات الفصحى. فهل بإمكان القاموس العامي أن يكتب أدباً عالمياً؟ وهل تعني الواقعية الالتصاق بالواقع اليومي وجزئياته؟ إن هذه الدعوة ترمي إلى إحلال الأمية والجهل والتخلف مكان العلم والتقدم والازدهار. ويرى عبد الصبور أن العربية التي نكتبها اليوم متطورة تساير الحاضر وتعبر عنه وهي بمثابة ( لهجة عليا )(69). فهي تسود في أجهزة الإعلام العربية المسموعة والمرئية والمكتوبة ويزداد أهلها بازدياد المتعلمين في الأقطار العربية بينما تنحسر اللهجات العامية مع تقدم العلم والثقافة لينضم أصحابها إلى اللغة الفصحى(70).‏

ويرفض أدونيس ما ذهب إليه لأنَّ الدعوة إلى الكتابة بالعامية تعني أن هذا الأخير لا يفرق بين اللغة الشعرية واللغة العادية. فالمسألة لا تحل بإحلال لغة محل لغة وإنما تعود إلى كيفية توظيف عناصر اللغة ذاتها. فاللغة ليست عائقاً للإبداع في ذاتها ولكن في العقل الذي يوظفها(71). ومن ثمَّ فإلغاء الإعراب وحركاته لا يطور اللغة أو يجدها وإنما يلغي خاصية أساسية في اللغة "تتعلق بطبيعة العلاقات بين ألفاظها ودلالات الأشياء. فليس الإعراب كما يجمع علماء الل غة إيضاحاً للمعنى وحسب، وإنما هو كذلك رفع للالتباس وإزالة للإبهام...‏

وعلى هذا فإن اللغة العربية دون الإعراب وحركاته تفقد "معقوليتها" أي تفقد عنصراً مكوناً لماهيتها"(72).‏

إن أدونيس يختلف عن الخال في المنطلق والنتيجة، بل يختلف عن بقية زملائه ممن تأثروا بإليوت وإزاراباوند وغيرهما في دعوتهم إلى اقتراب اللغة الشعرية من اللغة اليومية لأنَّه يدرك أكثر منهم أن الشعر شيء والواقع شيء آخر. وقد يكون هذا نتيجة التأثر بالشعر الفرنسي كما يرى محمد بنيس، ذلك أن الشعر الفرنسي بدأ يتمحور حول اللغة الشعرية منذ بودلير ورامبو إلى مالارميه وفاليري وتريستان تزارا وأندري بريتون(73). فأدونيس يركز على اللغة الشعرية في فهمه للشعر وفي تمييزه للشعر عن غيره وفي علاقته بالحياة والواقع. وهو يرى أن اللغة الشعرية تكتسب طاقتها في تجاوز الواقع لا في الاستغراق فيه، ومن تعاليها على الواقع لا الالتصاق به كما يفعل دعاة العامية. فالشعر ليس نقلا للواقع لأنَّه رؤيا، واللغة الشعرية مرتبطة با لرؤيا من حيث أنها تجاوز للواقع وكسر لحدوده وإعادة تشكيل للعالم.‏

اللغة والواقع العيني:‏

إن اللغة الشعرية ليست صورة للأشياء، أو لغة للأشياء، أو عن الأشياء بل إن اللغة الاصطلاحية ذاتها مرتبطة بصورة ذهنية لا بالشيء في الخارج. وقد ذهب دي سوسير إلى أن العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية وليست طبيعية، فالدال منفصل عن المدلول، وهو في النهاية لا يدل إلا على ذاته. إن الدليل اللغوي اعتباطي(74). وهذا تحرير للدال بحيث يمكن للمتكلم أن يعطيه ما شاء من المدلولات. الشاعر بهذا يمكن أن يفضي على الدال مدلولات متعددة من خلال سياقات جديدة. فاللغة الشعرية هي تشكيل جديد لعناصر اللغة وليست معطى سابقاً نستعمله كما هو. إنها نظام خاص من العلاقات تكشف عن علاقة الشاعر بالعالم من حوله. وهي تعيد صياغة العالم من جديد من خلال إحساس الشاعر ورؤيته للأشياء. فاللغة الشعرية كائن خاص مستقل عن الأشياء، لأنها لا تسمى الأشياء بل هي أشياء بذاتها كما يقول سارتر(75). الشاعر يجس الكلمات وينفعل بها ويتعامل معها ككائنات حية مستقلة عن العالم، بل هي عالم الشاعر الخاص الذي يعيش فيه. الكلمات في الشعر ليست كلمات بل هي علاقات بحيث لا يمكن استبدال كلمة بأخرى، فكل كلمة مرتبطة بكل كلمة في النص. إنها بنية ولذلك تختلف عن الكلمات في الأنظمة الدلالية الأخرى التي لا تشكل بنية(76). فالمفردات في الشعر لا تدل على مرجع خارجي، إنها مرجع ذاتها. وتتحدد اللغة الشعرية من حيث أنها استخدام خاص للغة بطغيان الوظيفة الشعرية على الوظائف الأخرى. ويحدد ياكبسون الوظيفة الشعرية بأنها "تتجلى في كون الكلمة تدرك بوصفها كلمة وليست مجرد بديل عن الشيء المسمى ولا كانبثاق للانفعال. وتتجلى في كون الكلمات وتركيبها ودلالتها وشكلها الخارجي والداخلي ليست مجرد أمارات مختلفة عن الواقع، بل لها وزنها الخاص وقيمتها الخاصة"(77).‏

ويبدو تأثر أدونيس واضحاً بما قاله دي سوسير في العلاقة الاعتباطية بين الدال والمدلول وبما قاله الشكلانيون الروس في اللغة الشعرية والبنيويون الفرنسيون أيضاً. ومن هنا يذهب إلى أن اللغة لا تقول الواقع وإنما تصورنا عن الواقع، تخيلاً ما عن الواقع، أي أنها لا تقول في النهاية إلا ذاتها(78). وتأكيد أدونيس للخيال يعني أن علاقة الشاعر باللغة غير علاقة الإنسان العادي بها. فالأول مرتبط بتصور مخيل والثاني مرتبط بالشيء في الواقع أو بصورته في ذهنه، الأول ينطلق من الذات والثاني من الموضوع. لهذا يقول: "إن اللغة الشعرية إذاً لا تعبر عن علاقة موضوعية بالأشياء، بل عن علاقة ذاتية. وهذه علاقة احتمال وتخييل. والأشياء فيها لا تنفد إلى الوعي وإنما تنفد إليه صورة احتمالية عنها. وهكذا تكون اللغة الشعرية جوهرياً لغة مجاز لا حقيقة"(79). ومن هنا فإذا كانت اللغة العادية تبتعد عن الأشياء الواقعية وترتبط بالصورة الذهنية فإن اللغة الشعرية تبتعد عن الصورة الذهنية إلى صور احتمالية شتى، هي الصورة الفنية.‏

ويؤكد حجازي رمزية اللغة الشعرية فيذهب إلى أن "طلل الشعر القديم وناقته وفرسه وحبيبته وسحابه وسيفه وخمره وكأسه كلها رموز شعرية لا تشير في القصيدة إلى عالم غير عالم القصيدة"(80). فاللغة الشعرية لا تنسخ الواقع وإنما تعيد تشكيله فنياً من خلال رؤية خاصة للعالم. وهي لا تستخدم مفردات اللغة لما وضعت لـه، بل "تنقل المفردات من عالم المعجم إلى عالم السحر والأسطورة بالمعنى العميق الشامل حيث تصبح المفردات بذاتها كائنات"(81). ويبدو تأثر حجازي بسارتر واضحاً في اعتبار المفردات كائنات حية في الشعر وفي كون هذه الكائنات وسيلة إلى كشف العالم والنفاذ إلى جوهره(82). فالمفردات وسيلة وغاية في الشعر عند حجازي. فهي وسيلة لبناء عالم أسطوري ولكنها تصبح غاية لا تحيل إلى عالم خارجي بل بحيل إلى ذاتها. فاللغة الشعرية غير لغة الحياة اليومية لأنها رمزية لا تربط بمكان أو زمان.‏

ونجد هذه الأفكار عند خليل حاوي والبياتي، فاللغة الشعرية عند الأول تتجاوز الواقع إلى ما فوق الواقع وما دونه لأنها لغة شاملة(83). إنها تتجاوز الظاهر إلى الباطن والمحدود إلى اللامحدود. وهي عند الثاني كائنات كما هي الحال عند سارتر تجمع عوالم ورؤى وذكريات، بل تعبر أحياناً عن أشياء لا وجود لها في هذا العالم(84). وهذا يؤكد رمزية اللغة الشعرية وعدم ارتباطها بمكان أو زمان وارتباطها بالإنسان في رحلته في هذا العالم. فالشاعر يعيش الماضي الحاضر والمستقبل ويعبر عن الكلي بهذه اللغة الكلية(8 5). على أن اللغة وإن لم تكن صورة للواقع العيني فهي غير منفصلة عنه لأنها أداة اجتماعية في الأساس، وإن حاول الشعر والأدب بصورة عامة استخدامها بطريقة خاصة "ذلك أن مادة الأدب (اللغة) ليست خالصة للتعبير الجمالي كالألوان والخطوط والأشكال في الفنون التشكيلية والأصوات المحضة في الموسيقى، بل الصفة الغالبة عليها هي استعمالها في أمور عملية ومعرفية"(86). فاللغة أداة يشترك فيها الأدب وغيره من العلوم التي تعتمد اللغة وسيلة، ولكنه يختلف عنها في أنه يحرر اللغة من النفعي للوصول إلى الجمالي. أمَّا الفنون الأخرى فهي تستعمل أدوات تخصها من خطوط وألوان وأشكال وأصوات وحجر، وهي مادة غفل لا تحمل بعداً اجتماعياً مسبقاً أو إيديولولجياً حتّى يحول الفنان هذه المادة إلى لوحة أو تمثل أو مقطع موسيقي. وهذا بخلاف اللغة التي هي مادة اجتماعية في الأصل يحاول الشاعر الانطلاق منها للوصول إلى الفني(87).‏

وهذا ما يقره معظم رواد الشعر العربي الحر وبخاصة حجازي الذي يكرر دائماً أن اللغة الشعرية متصلة باللغة الاجتماعية، وأن الشاعر مهما خرج عن العام إلى الخاص يبقى مرتبطاً ب العام لأنَّه يتعامل مع لغة الآخرين. فالإبداع الشعري عنده "لغة مختلفة لكنه لغة من اللغة، فمادام الشاعر مضطراً لأنَّ يستخدم المفردات وقواعد التركيب التي يستخدمها البائع والصحفي والمتحدث فلا بد أن تحتفظ قصيدته بعناصر مشتركة بينها وبين لغة هؤلاء"(88).‏

ولكنها في الوقت نفسه تحتفظ بخصوصية فردية من حيث أنها توظيف خاص لمفردات اللغة ضمن رؤية خاصة. فاللغة الشعرية لها جانبها لمقيد وجانبها لحر ما دامت تستعمل هذه الأداة الاجتماعية التي هي اللغة. إن حريتها "حرية مشروطة بقواعد وتراث وعبقرية خاصة في الأداء، فضلاً عن القارئ متعين أو متخيل يتجه إليه الشاعر... والعمل الشعري هو بالتحديد صراع بين هذه الطبيعة الاجتماعية في اللغة وبين طاقاتها الخفية المستورة التي هي بغية الشاعر. هذا الصراع لا ينتهي بانتصار الشاعر كاملاً لأنَّ انتصاره الكامل هو مقتله، أي خروجه تماماً من حدود اللغة، وبالتالي عزلته وموته"(89).‏

من هنا فالإبداع الشعري هو نتيجة صراع بين الجمعي في الشاعر والفرد ي فيه، بين الوظيفة الشعرية وبقية الوظائف الأخرى ومحاولة السيطرة عليها في النص الشعري. ومهما طغت الوظيفة الشعرية على الوظائف الأخرى فإنها لا تستطيع تغييبها كلياً. ومن هنا فالنص الشعري إنَّما يقوم على هذه العلاقة الموجودة بين الوظائف المختلفة فيه. لهذا يقول ياكبسون: "لا يمكن للتحليل اللساني للشعر أن يقتصر على الوظيفة الشعرية، فخصوصيات الأجناس المختلفة تستلزم مساهمة الوظائف الأخرى بجانب الوظيفة الشعرية المهيمنة، وذلك في نظام هرمي متنوع"(90).‏

لا يستطيع الشاعر أن يغسل اللغة من آثار القدامى كما يريد أدونيس. ففي الشعر شيء من النثر، بقية من لغة التواصل التي لا يمكن أن تختفي إلا باختفاء اللغة ذاتها. فاللغة الشعرية فيما يرى حجازي ليست كلها قائمة على المجاز بل فيها شيء من التقرير. ثمَّ ليس كل مجاز شعراً بالضرورة إذ قد يكون المجاز زينة خارجية ويضرب مثالاً لذلك قول ابن المعتز:‏

انظر إليه كزورق من فضة * * * قد أثقلته حمولة من عنبر‏

وقول الوأواء الدمشقي:‏

فأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت * * * ورداً وعضَّت على العنَّاب بالبرد(91)‏

إن الشعر ليس مجرد انزياح أو عدول كما يذهب إلى ذلك بعض النقاد قديماً وحديثاً، إنَّما قد يكون تعبيراً خالياً من الصور ولـه تأثير في النفس. فالشعر جوهر وليس مجرد استعمال خاص للغة أو حشو الألوان البيان والبديع. فهذه بعض الوسائل التي يستعملها الشعر في تشكيل عالمه وليست الوسائل الوحيدة الممكنة. لهذا يرى حجازي أن الاستعارة ليست الوسيلة الوحيدة لتحقيق اللغة الشعرية، فالتشبيه القريب والجملة التقريرية البسيطة وسيلتان لبلوغ هذه اللغة إذا تمَّ استخدامها بإتقان عضوي(92). واللغة الشعرية بهذا تشمل المجاز وغيره ولكن بطريقة خاصة.‏

ويذهب الحيدري إلى أن اللغة الشعرية (لغة ضمن اللغة) كما يعبر فاليري، أي لغة خاصة ضمن لغة عامة(93). فالشاعر لا يأتي ب مفردات جديدة وإنما يستعمل ما يعرفه الناس بطرائق خاصة. لكل شاعر لغته المتميزة ولكنها ذات صلة بلغة الآخرين(94). فاللغة وسيلة قبل كل شيء "والوسيلة لا يمكن أن تؤدي مهمتها ما لم نستوعبها من خلال ممارسة الآخرين لها لتظل على شيء من صلة بين المبدع ورديفه في المتلقي"(95). ولكن الشاعر يستعمل هذه الوسيلة بشكل مختلف ليصل إلى الشعر، إنه يتعامل مع العام بطريقة خاصة ليحقق نظاماً لغوياً متميزاً.‏

وإذا كان حجازي والحيدري قد ركزا على اللغة الشعرية من حيث أنها لقاء الخاص بالعام فإن أدونيس قد ركز على الخاص دون العام. فاللغة الشعرية عند كلام خاص يختلف عن اللغة العامة. حقا إن اللغة سابقة على الشاعر لكنه سابق على القصيدة، لذلك يختار كلامه بطريقته الخاصة. فإذا كانت اللغة عامة ومعروفة فالكلام إبداع غير معروف. اللغة جاهزة سلفاً لكن الكلام ليس جاهزاً لأنَّه مرتبط بالفردي لا العام. واللغة ثبات أمَّا الكلام فحركة دائمة للخروج عن القاعدة(96). إن أدونيس لا يهتم إلا بالخاص لأنَّ الشاعر يستخدم اللسان استخداماً خلاقاً فيكون الكلام الشعري ابتداءً أو ولادة جديدة م ن رحم اللسان(97). الكلام الشعري عنده تجاوز للثقافة السائدة والكلام السائد الموروث أيضا. لهذا يرى ما كتبه شوقي شعر استعادة من حيث أنه كلام جماعي مشترك تغيب فيه الذات. فالمتكلم ليس شوقي وإنما التقليد(98). إن اللغة الشعرية خلق وابتكار لا إعادة إنتاج المألوف أو الموروث فهي تعبير خاص عن علاقة خاصة بما في العالم من أحداث وأفكار وقضايا‏

إن اللغة الشعرية مرتبطة بالإنسان الشاعر في علاقته بالحياة وليست مجرد خلق علاقات جديدة بين مفردات اللغة. فاللغة مرتبطة بتجربة الشاعر في الواقع عند البياتي وهو لا يستطيع أن يبدع ما لم يحط علما بشروط الحياة التي يعيشها. فاللغة الشعرية لا تقول ذاتها وإنما تقول رؤية الشاعر للحياة والواقع. إنها ليست مجرد أصوات بل هي إحساس وانفعال وفكر. فهي امتداد للشاعر ومتعدية للآخر(99). اللغة الشعرية وسيلة يكتشف بها الشاعر ما يحيد به، وقد اكتشف بها المتنبي آفاقاً جديدة للعقل، وكذلك فعل أبو نواس والمعري(100). ومن ثمَّ فهي ليست غاية في ذاتها منبتة الصلة عن معاناة الشاعر وعلاقته بالعالم.‏

(1) الشعر العربي المعاصر: عز الدين إسماعيل ( ص 174 )‏

(2) ديوان نازك الملائكة ( مج 2 ) ( ص 9 )‏

(3) المصدر السابق ( ص 11 )‏

(4) المصدر السابق ( ص 11 )‏

(5) الآداب ع 10 أكتوبر 1971 ( ص ص 60 )‏

(6) ديوان نازك ( مج 2 ) ( ص 9 ، 10 )‏

(7) الأعمال الكاملة: عبد الصبور ( ج 9 ) ( ص 21 )‏

(8) حياتي في الشعر: عبد الصبور ( ص 133، 134 )‏

(9) ا لمصدر نفسه ( ص 128 )‏

(10) المصدر نفسه ( ص 136 )‏

(11) أسئلة الشعر: منير العكش ( ص 173 )‏

(12) العمدة ( ج 1 ): ابن رشيق ـ تح وتعليق محمد محيي الدين عبد الحميد ـ مطبعة السعادة بمصر ( ط 1 ـ 1963 ) ( ص 107 )‏

(13) محاضرات في شعر علي محمود طه: نازك ( ص 182 )‏

(14) المصدر نفسه ( ص 183 )‏

(15) حياتي في الشعر: عبد الصبور ( ص 127 )‏

(16) المصدر نفسه ( ص 127 )‏

(17) المصدر السابق ( ص 129 )‏

(18) ندوة ( قيم جديدة في الشعر العربي الحديث) عبد الصبورـ خليل حاوي ـ إحسان عباس / الآداب ع 2 فبراير 1970 ( ص 72 )‏

(19) الآداب ع 10 أكتوبر 1971 ( ص 60 )‏

(20) حياتي في الشعر: عبد الصبور ( ص 135 )‏

(21) في قضايا الشعر العربي المعاصر: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( ص 195 )‏

(22) الأدب الجديد والثورة: محمد دكروب ( ص 197 )‏

(23) اللغة والإبداع: شكري عياد ( ص 127 )‏

(24) مقدمة للشعر العربي: أدونيس ( ص 127 )‏

(25) كلام البدايات: أدونيس ( ص 92 ، 30 )‏

(26) الشعر والفكر المجرد: فاليري ـ ترجمة مصطفى رياض / فصول مج 7 ع 1 / 2 أكتوبر 1986 ، مارس 1987 ( ص 314 )‏

(27) المصدر السابق ( ص 167 )‏

(28) المرجع السابق ( ص 314 ، 315 )‏

(29) الحداثة في الشعر: يوسف الخال ( ص 23 )‏

(30) Le degrd, zero de l ecriture _ Roland Parthes _ Editions du Seuil 1953 et 1972 ( p 37 )‏

(31) الشعر رفيقي: حجازي ( ص 97 )‏

(32) الأدب الع ربي المعاصر: أعمال مؤتمر روما 1961 ( ص 179 )‏

(33) أسئلة الشعر: حجازي ( ص 215 )‏

(34) مداخل إلى علم الجمال الأدبي: عبد المنعم تليمة ( ص 75 )‏

(35) الحداثة في الشعر: يوسف الخال ( ص 19 )‏

(36) المصدر السابق ( ص 19 )‏

(37) أسئلة الشعر: حجازي ( ص 15 )‏

(38) الشعر رفيقي: حجازي ( ص 100 ، 101 )‏

(39) المصدر نفسه ( ص 98 )‏

(40) في قضايا الشعر العربي المعاصر: المنظمة العربي للتربية والثقافة والعلوم ( ص 195 )‏

(41) زمن الشعر: أدونيس ( ص 78 )‏

(42) لغة الشعر: أحمد يوسف داود ـ منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1980 ( ص 244 )‏

(43) الآثار الكاملة: أدونيس ( مج 1 ) ( ص 330 )‏

(44) كلام البدايات: أدونيس ( ص 166 )‏

(45) نظرية الأدب في القرن العشرين: ك . م نيوتن ( ص 22 )‏

(46) الشعر العربي المعاصر: عز الدين إسماعيل ( ص 179 )‏

(47) حركة الشعر الحديث في سورية: أحمد بسام ساعي ( ص 202 )‏

(48) الشعر بين نقاد ثلاثة: منح خوري ـ دار الثقافة ـ بيروت 1966 ( ص 27 ، 28 )‏

(49) قضية الشعر الجديد: محمد النويهي ـ دار الفكر ـ مكتبة الخانجي ( ط 2 ـ 1971 ) ( ص 40 )‏

(50) ها أنت أيها الوقت: أدونيس ( ص 100 )‏

(51) جبران خليل جبران: خليل حاوي ( ص 280 )‏

(52) المصدر نفسه ( ص 280 )‏

(53) المصدر نفسه ( ص 282 )‏

(54) التبين ع 1 شتاء 1990 ( ص 125 )‏

(55) حياتي في الشعر: عبد الصبور ( ص 134 )‏

(56) دراسات في النقد الأدبي: أحمد كمال زنكي ـ دار الأندلس ( ط 2 ـ 1980 ) ( ص 229 )‏

(57) حياتي في الشعر: عبد الصبور ( ص 135 )‏

(58) سياسة الشعر: أدونيس ( ص 126 )‏

(59) المصدر نفسه ( ص 130 )‏

(60) في قضايا الشعر العربي المعاصر: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( ص 195 ، 196 )‏

(61) الحداثة في الشعر: يوسف الخال ( ص 6 )‏

(62) المصدر نفسه ( ص 7 )‏

(63) أسئلة الشعر: منير العكش ( ص 149)‏

(64) قضايا الشعر الحديث: جهاد فاضل ( ص 312 )‏

(65) المرجع نفسه ( ص 314 )‏

(66) فاتحة لنهايات القرن: أدونيس ( ص 60 )‏

(67) الآداب ع 10 أكتوبر 1971 ( ص 13 ، 14 )‏

(68) المرجع نفسه ( ص 12 )‏

(69) الأعمال الكاملة: عبد الصبور ( ج 8 ) ( ص 77 )‏

(70) المصدر نفسه ( ص 77 ، 78 )‏

(71) ها أنت أيها الوقت: أدونيس ( ص 134 )‏

(72) المصدر نفسه ( ص 135 ، 136 )‏

(73) الشعر العربي الحديث: محمد بنيس ( ج 3 ) ( ص 83 )‏

(74) دروس في الألسنية العامة: فرديناند دي سوسير ـ تر: صالح القرمادي، محمد الشاوش، محمد عجينة ـ الدار العربية للكتاب 1985 ـ ( ص 111 ، 112 )‏

(75) ما الأدب: سارتر ـ ترجمة: محمد غنيمي هلال ـ نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة د. ت ( ص 16 )‏

(76) في أصول النقد الجديد: تودوروف وأخرون ـ تر: أحمد المديني ـ عيون المقالات ـ المغرب ( ط 2 ـ 1989 ) ( ص 13 )‏

(77) قضايا الشعرية: رومان ياكبسون ( ص 19 )‏

(78) في قضايا الشعر العربي المعاصر: المنظ مة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( ص 225 )‏

(79) الثابت والمتحول: أدونيس ( ج 1 ) ( ص 111 )‏

(80) الشعر رفيقي: حجازي ( ص 142 )‏

(81) المصدر نفسه ( ص 142 )‏

(82) المصدر نفسه ( ص 124 )‏

(83) الآداب ع 2 فبراير 1970 ( 27 )‏

(84) ديوان البياتي ( ج 2 ) ( ص 25 )‏

(85) مملكة الشعراء: نبيل فرج ( ص 80 )‏

(86) دائرة الإبداع: شكري محمد عياد ـ دار إلياس، القاهرة 1986 ( ص 48 )‏

(87) تحليل النص الشعري (بنية القصيدة): يوري لوتمان ( ص 36 )‏

(88) الشعر رفيقي: حجازي ( ص 99 )‏

(89) المصدر نفسه ( ص 217 )‏

(90) قضايا الشعرية: ياكبسون ( ص 32 )‏

(91) مملكة الشعراء: نبيل فرج ( ص 67 )‏

(92) الشعر رفيقي: حجازي ( ص 141 )‏

(93) شخصيات ومواقف: ماجد السامرائي ( ص 40 )‏

(94) إشارات على الطريق: الحيدري ( ص 149 )‏

(95) المصدر السابق ( ص 96 )‏

(96) الثابت والمتحول: أدونيس ( ج 1 ) ( ص 69 )‏

(97) سياسة الشعر: أدونيس ( ص 14 )‏

(98) المصدر نفسه ( ص 93 )‏

(99) أسئلة الشعر: منير العكش ( ص 217 )‏

(100) الخبر الأسبوعي ع ( 7 ـ 21 ) أفريل 1999 ( ص 21 )‏







**في مصدر الشعر** - الثورة على اللغة التقليدية:لرواد الشعر العربي الحر **في التعبير الشعري **< /a> - ஐ๑ مسابقة الصعود إلى القمه ๑ஐ للقفل+التوزيع
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية


-----






--





palmoon tool bar
privacy policy