صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







مقوّمات عَمُود الشعْر عنْد المحْدَثيْن **أبو تمام***************4
أدباء وشعراء ومطبوعات




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية






***

مقوّمات عَمُود الشعْر عنْد المحْدَثيْن **أبو تمام***************4



افي الشعر الحديث بنية التجاور والانقطاع في قصيدة الحداثة - مقوّمات عَمُود الشعْر عنْد المحْدَثيْن **أبو تمام***************4 - ]] الحطيئة ]] ألا طرقتنا بعد ما هجدوا هندُ
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية
****


امقومات عمود الشعر عند المحدثين---أبو تمام

تعامل أبو تمام (ت 231هـ) باللغة تعامل إبداع وإغراب، من خلال استثمار الطاقات المجازية في الكلام الشعري، وهو ما يشي به قوله لمن قدم له كأساً يسأله شيئاً من (ماء الملام) ـ: "أعطني ريشة من جناح الذل، أسقيك كأساً من ماء الملام) مما يدلل على أنه وجد في النص القرآني، ما يقتدي به غير الشعر الجاهلي، ثم إن هذا يكشف عن مصدر من مصادر ثقافة أبي تمام في إقامة الع لاقات غير المسبوقة بين الكلمة وأختها وبين الكلمات والأشياء، على نحو يخرج فيه على طريقة العرب، في قول الشعر، على أن تلك الطرائق في إقامة تلك العلاقات الجديدة قد تصل حد الخطأ عند الآمدي الذي يصفه بأنه يريد البديع فيخرج إلى المحال(، لأن الآمدي يحتكم في رأيه إلى الشعر الجاهلي الذي يقدم لنا فاعلية شعرية ترسم عالماً جمالياً من خلال انفعالية الشاعر، من دون أن يكون قد تضمن موقفاً فلسفياً من العالم عبر عنايته بالمفاهيم وسعيه إلى محاولة التغيير لأن "المنفعية تفرض موضوعات معينة تعكس اهتمامات عملية، وتفرض التعبير عنها بطريقة واضحة سهلة ليفهمها العدد الأكبر، فهي تتضمن حضور الآخر وغياب الأنا) في حين يحرص أبو تمام على حضور (أناه) عبر طريقة مجازية في استخدام اللغة، يكون الكلام الشعري فيها نصاً إبداعياً "تذهب فيه النفس كل مذهب"( أي نص الاحتمالات المتعددة أو المعاني المتعددة، وهو غير مألوف عند الآمدي وأصحابه ممن يحتكمون في نقد الشعر المحدث إلى معايير مستوحاة من الشعر الجاهلي وقياس شعر أبي تمام إليها أو قراءته عبرها تظهره "أخطاء وإخلالاً وإحالات وأغاليط في المعاني والألفاظ"() لأن صاحبها يريد البديع فيخرج للمحال وأنه تبع مسلم بن الوليد في قصد البديع فأفسد الشعر. والإفساد الذي يعنيه الآمدي هو "طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارة، وإسرافه في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها"( حتى "صار كثيراً مما أتى به من المعاني، لا يعرف ولا يعلم غرضه فيها، إلا بعد الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس"() لأنه يوغل في هذا الأسلوب إذ يجذب الألفاظ والمعاني جذباً، ويقسرها قسراً، ولا "يتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامه غير متعب ولا مكدود، ولا يورد من الاستعارات ما قرب في حسن ولم يفحش، ولا اقتصر من القول على ما كان محذواً حذو الشعراء المحسنين"()  من السابقين الذين صار أسلوبهم الشعري، طريقة العرب وعمودها في قول الشعر ويقوم على: قرب المآخذ في حسن، والصدور عما يسمح به الطبع من دون تعب أو كد ذهن، والاقتصار على ما تواضع عليه العرف (حذو الشعراء). لهذا يرى الآمدي أن لو تجنب أبو تمام ما كان عليه وحذا حذو الشعراء السابقين الذين لا يرى الآمدي محسناً إلا هم، وحاول أن يسلم مما يهجن شعره، ويذهب بمائه ورونقه لكان: "عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين إحساناً... لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ"(أي أن الآمدي يحمد لأبي تمام لطيف مع انيه التي قلد فيها السابقين وغريب ألفاظه أو مستغربها إذا كان مما تواضع العرف على حمده عند القدماء، ولكن هذا الأمر يعني إلغاء التفرد والخصوصية الأسلوبية في شعر أبي تمام.

وقد بدا أن أبا نواس وأبا تمام قد حققا تحولاً في اللغة الشعرية بالخروج من نطاق التعبير الطبيعي إلى التعبير الفني أي من الواقع المباشر إلى التخييل المجازي، ولما لم يصحب هذا الأمر تحول في الذائقة النقدية، فقد استمر النقد على قراءة الشعر عبر مقومات أو معايير أخلاقية مما شاع في الشعر الجاهلي، لذلك أخذوا على أبي نواس ما كان من تجديد شعري عنده (بديع) ولما جاء أبو تمام وبنى شعره على البديع أسلوباً شعرياً ومنهجاً محدثاً صاروا ينظرون إليه خارجاً على سنن الأقدمين وعمود الشعر العربي، وإذا كان شعره شعراً فما قالته العرب باطل) لأنه شديد الاتكاء على نفسه لا يسلك مسلك الشعراء قبله وإنما يستقي من نفسه()، بينما اتكاء أبي تمام على نفسه وصدوره عن ذاته هو سر إبداعه الشعري لأنه مي ز نفسه من سواها ومن هنا فقد كان متفرداً في النظر إلى الأشياء وفي طريقة التعبير عنها "فاللغة الشعرية بدءاً من تجربة أبي نواس، وأبي تمام، لا تنقل أشياء أو حوادث وإنما تنقل إشارات وتخيلات، فهي لا تهدف إلى أن تطابق بين الاسم والمسمى، وإنما إلى أن تخلق بينهما بعداً يوحي بالمفارقة"() وكأنهما قد نقلا العلاقة بين اللفظ والمعنى مما قال به الجاحظ بأن "أحسن الكلام ما كان معناه في ظاهر لفظه") إلى أن يكون اللفظ غير محدود، كالمعنى وذلك "بأن تستخدم اللغة بطريقة تخلق في كل لفظة، بعداً يوحي بأنها تتناسخ في ألفاظ عديدة، بحيث تنشأ لغة ثانية تواكب اللغة الأولى أو تتبطن اللغة الأولى، هذه الطريقة هي المجاز، فالمجاز هو المعنى الذي يعجز ظاهر اللفظ عن الإتيان به، أنه في مجال الشعر كالتأويل في مجال الفكر") إذ أن أبا تمام يرى في تجربته الشعرية طريقة لخلق العالم باللغة، من خلال البنية المجازية التي يبثها في اللغة، جاعلاً شعره يتحرك انطلاقاً من ذاته عبر عناصر الخطاب الصوتية والتركيبية والدلالية، وهو سر تفرده في أسلوبه الشعري، ذلك التفرد الذي يعده القدماء خروجاً على عمود الشعر العربي.

على أن من البديهي النظر إلى الطريقة الشخصية في الإحساس والرؤية على أنها: "ستؤدي حتماً إلى طريقة شخصية في استعمال اللغة، فالأسلوب الصادق إذن، يجب أن يكون فذاً، إذا فهمنا من عبارة (الأسلوب الصادق) التعبير المناسب تماماً في لغة الكاتب عندما يعبر عن طريقة إحساسه من هذه الزاوية، تظهر الشخصية المتميزة على أنها أساسية بالنسبة للأسلوب"() لأن الأسلوب هو التعبير المباشر للتجربة الشخصية، من خلال طريقة مميزة في تشكيل الاختيارات اللغوية تلك الاختيارات الفردية الحاملة لخصائص اللغة، الدلالية والتركيبية(

ونظر أصحاب العمود الشعري في لغة أبي تمام التي يتكئ فيها على نفسه ولا يسلك مسلك الشعراء قبله، مستقياً من نفسه ـ كما يقول إسحاق الموصلي(ـ هذه اللغة التي تتصف بالغموض عندهم لأن الشاعر يقول كلامه الشعري جاعلاً من لغته علامة أو دالاً توحي بواقع آخر جديد هو ليس الواقع المباشر إنما هو احتمال مجازي، وهذا في نظر الآمدي بعيد المأخذ وليس بقريبه، مما يسمه عندهم بالغموض على أن ذلك الغموض إنما هو "نتيجة لاهتزاز الصورة الثابتة في نفس القارئ لعلاقة الدال بالمدلول، وهو اهتزاز أعطى للقارئ انطباعاً بأن أبا تمام، قد أفسد، وأبطل ما كان صالحاً، ودعا إلى فوضى، أي إلى ما لا يفهم، لكن أبا تمام كان يؤسس بإفساده هذا، أي في إحلاله احتمالية المعنى محل يقينيته، مبدأً أساسياً من مبادئ الشعر"() أي أنه انطلق من سنن الأقدمين في قول الشعر مبدأ للتجاوز، والذين ينظرون إلى جسد الفن الشعري في سنن الأقدمين لا إلى روحه سيسمون هذا التجاوز إفساداً. فإذا كان أبو تمام قد حافظ على "الشكل الخارجي لبنية القصيدة التقليدية، فلقد غير نواته الأساسية، الكلمة، وغير علاقات الكلمة الصوتية والدلالية، ولهذا لم يعد الشكل عائقاً لبروز هذه العلاقات، بل أصبح على العكس عنصراً جديداً ضدياً، يزيد في بروزها، فلقد فجره من داخل بتراكيبه اللغوية الجديدة(

وهذا ما نلمسه أو نحسه عند قراءة قوله مثلاً(

مطر يذوب الصحو منه، وبعده

 

صحو، يكاد من النضارة يمطر

غيثان: فالأنواء غيث ظاهر

 

لك وجهه، والصحو غيث مضمر

وندى إذا ادهنت به لمع الثرى

 

خلت السحاب أتاه، وهو معذر

قارئ هذه الأبيات، أو ما يماثلها في شعر أبي تمام يجد أن الكلمة فيها "لا تتناول من الشيء مظهره، وإنما تتناول جوهره، وهكذا يبدو أنها تنفيه فيما تثبته، وأنها تغيبه فيما تظهره. فكما أن الكلمة بداية، بداية أن يكون ما يطابقها في العالم أو الطبيعة بداية هو كذلك، فالكلمة العذراء تقتضي شيئاً بكراً، شمسه تطابق بين بكارة الكلمة وبكارة العالم والشعر هو التطابق أو زواج الكلمة البكر بال عالم البكر... الكلمة إذن لا تعكس أشياء العالم بل تعيد خلقها، إنها تخلق العالم على طريقتها مجازياً"(

وقد كان غوص أبي تمام على المعاني ـ على ما يظهر ـ صادراً عن حرصه على إظهار دور الفكر في النص الشعري من خلال إكساب الفكر سمة شعرية خاصة ومميزة( وقد يؤيد هذا أن أبا تمام قال سائر أشعاره "في مذهب أو مناخ اعتزالي واضح، ساد منذ تولي المأمون وامتد حتى نهاية عهد الواثق، وبين هذين العهدين، وفي رجالهما الذين تأثروا بالاعتزال كتب أبو تمام أهم قصائده، وتعرف فضلاً عن فكر المعتزلة إلى فكر أول فيلسوف عربي، وأول شارح لكتاب الشعر الأرسطي وهو الكندي، الذي عاصر أبا تمام في النشاط، بل نقده في مجلس المعتصم"(

وأشكال الفهم الشعري ودعاوى التجديد التي انطلق منها بشار بن برد وأبو نواس هي ذاتها التي انطلق منها أبو تمام، فجاء شعره نابعاً "عن صنعة ووعي لما يفعل وأن الطبع فيه ضعيف الحظ، وهو رجل خبر الشعر ودرسه منذ الجاهلية إلى عصره"(وعمله في الحماسة الذي يدلل على سعة اطلاعه على التراث الشعري العربي، ربما كان قد أثبت في وعيه، أن التجديد كامن في اللغة، أي اللغة الشعرية، وصادر عن تجلياتها الشعرية، وهكذا كان "لمعانيه البعيدة الغريبة والغامضة صورة واستعارات لغوية تشخصها وتنفث فيها حياة محسوسة، ولم يكن يتحقق له ذلك، من غير استعمال اللغة بمستوى استعاري حسي، وهو ما يميز لغة أبي تمام"(

لأننا في خلال اللغة الشعرية نبين مدى قدرة تلك اللغة نفسها على حرية التعبير وفي هذا يكون أبو تمام قد حرر الشعر من شكل التعبير الجاهز أو المسبق، وهو في هذا ناظر في تأثير لغة القرآن الكريم، إذ يبدو أن النص القرآني/ الذي رأى فيه بعضهم نفياً للشعر، بشكل أو بآخر، إنما أدى إلى فتح آفاق للشعر لم تكن لها حدود محددة، وأسس نقداً شعري اً، ويمكن أن نلمس في دفاع الصولي عن شعرية الكتابة التي تقف عنده مقابل شعرية المشافهة، أو طريقة المحدثين (المولدين) مقابل القدماء ما يشير إلى هذا كله(

وقد أوجز أدونيس ملامح اللغة الشعرية عند أبي تمام في خلال أربع سمات هي(

-        استخدم الكلمات بطريقة أصبحت معها توحي بأكثر من معنى، لأنه أفرغها من معناها المألوف، فلقد خلصها من الحتمية وأسلمها للاحتمال. وهذا مما حير قراءه (سامعيه) وأدى إلى الاختلافات في تفسير شعره.

-         غير النسق المألوف العادي لتركيب الكلمات. وهذا مما أدى إلى اتهامه بالتعقيد.

-        حذف ولم يترك ما يدل على ما حذفه. وهذا مما أدى إلى اتهامه بالغموض والصعوبة.

-        ابتكر معاني بعيدة، وصيغاً غير مألوفة، وسياقاً غريباً.

وهذه السمات الأربع هي مقومات أسلوبية في لغة أبي تمام الشعرية، ذلك أنه انفرد بها من خلال شيوعها في أشعاره، ولم يكن إذا قيس بمن التزموا تقليد سن ن الأقدمين، قائماً على الالتزام بعمود الشعر، وكأن الأقوم بعمود الشعر هو من التزم بمقومات جسد اللغة التقليدية، على حين أن عمود الشعر هو في الالتزام بمقومات روح اللغة الباعثة على التغير والتجديد، هذه المقومات التي –إذا ما قرأنا أبا تمام في خلالها –فسيظهر ملتزماً بعمود الشعر، على وفق المقومات التي قال بها أخيراً –بعد استحضار آراء من سبقوه أحمد بن محمد المرزوقي في مقدمته الشهيرة على حماسة أبي تمام.

على صعيد معاني الشعر التي يراها المرزوقي أن حدها الشرف والصحة وعيارها الفهم الثاقب وقبول العقل الصحيح لها، لا نجد أبا تمام خارجاً على حد المعاني ولا مدلاً بغير الفهم الثاقب إلا أن قبول العقل الصحيح للمعنى الشعري مشروط بحرية التعبير الشعري في كونه تخييلاً لا تعقيلاً أي بنية تخييل لا بنية تعقيل. وقد عرف عن أبي تمام الغوص وراء المعاني حتى اشتهر بكثرة "المعاني المولدة"( والواقع أن قراءة معاني أبي تمام بمنظار العقل الصحيح وليس التخييل الفني لا تصل إلى قيمة المعنى الشعري جمالياً. كما نجد في رأي الآمدي في قول أبي تمام:

نَقَلْ فؤادكَ حيث شئت من الهوى

 

ما الحبُ إلاَّ للحبيبِ الأوّلِ

إذ يقول الآمدي أنه مسروق من قول كثير عزة(

إذا وصلتنا خلّة كي نَزيلها

 

أبينا وقلنا: الحاجبية أول

ورأيه في قول أبي تمام:

أطل على كلي الآفاق حتّى

 

كأن الأرض في عينيه دارا

إذ يقول أنه مسروق من قول منصور النمري(

وعين محيطٍ بالبرية طرفها

 

سواء عليه قربها وبعيدها

ويعلق على هذا بقوله: "بيت النمري أحب إليّ، لأن معناه أشرح" أي أقرب للفهم. على أن مسألة السرقة في الشعر على هذا النحو الذي لا ينظر إلى قيمة الشكل الفني للتعبير أمر لا يضعف من شعرية أبي تمام لأن "ارتباط المجازات بالنظم والسياق، هو ما يحدد نسبية فضل كلام على كلام من جهة، واستحالة تكرار المعنى نفسه في صور مختلفة، لما تنطوي عليه كل بنية لغوية من خصوصية"() فضلاً عن أن اللغة المعيارية لا تكشف عن فنية الخطاب الشعري بينا اللغة الشعرية هي الأساس لأنها تمثل (معنى المعنى) واللغة المعيارية في هذا الحال تمثل خلفية اللغة الشعرية(

ومثال القراءة غير الفنية في الشعر قول ابن رشيق في قول أبي تمام:

يقولُ في قوس صحبي وقد أخذت

< /TD>

 

منا السرى وخطى المهرية القودِ

أمطلع الشمسِ تبغي أن تؤم بنا؟

 

فقلتُ: كلا، ولكن مطلع الجودِ

إذ يرى أن الشاعر: "قد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك فيه إلى غيره"(كذلك رأي أبي في قوله:

وقمنا وقلنا بعد أن أفرد الثرى

 

به ما يقال في السحابة تقلعُ

إذ يرى أن "قول الناس في السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة، فمنهم من يمدحه ومنهم من يذمه، ومنهم من كان يحب إقلاعه، ومنهم من يكره إقشاعه، على حسب ما كانت حالاتها عندهم، ومواقعها منهم، فلم يبن بقوله ما يقال في السحابة تقلع معنى يعتمده السامع وأبين منه قول مسلم:

فاذهب كما ذهبتْ غوادي مزنةٍ

 

أثنى عليها السهل والأوعار)

والواقع أن المقاربة الدلالية بين مطلع الشمس ومطلع الجود (الممدوح) في البيتين الأولين ترسم صورة فنية جميلة، لا تقبل النظر العقلي الذي قيدها به ابن رشيق، كما أن تفضيل صورة إقلاع السحابة عند مسلم على مثيلتها عند أبي تمام ليس فنياً جمالياً إنما من جهة وضوح مسلم ومباشرته والتخييل الشعري عند أبي تمام. ومثل هذا تفضيل قول مسلم أيضاً على أبي تمام عند الآمدي في(

قال مسلم بن الوليد:

لا يستطيع يزيدٌ من طبيعتهِ

 

عن المرؤةِ والمعروفِ إحجاماً

إذ يرى الآمدي أن أبا تمام أخذه فقال:

تعود بسط الكفّ حتّى لو أنّهُ

 

دعاها لقبضٍ لم تجبه أناملِهْ

والبادي للمتلقي أن: "البيت الأول ليس شعراً إنما هو تقرير بارد مباشر، ذلك أن مسلم بن الوليد ينقل الفكرة كما هي، ولا يضفي عليها من الشعر إلا الوزن، أما أبو تمام فيعبر بصورة شعرية، أي أنه يوحي بأن ممدوحه كريم بفطرته، حتى كأن الكرم طبيعي فيه.. وكل تعبير بالصورة ي فتح أفق الحساسية والتأمل، بحيث لا يعود المعنى شيئاً محدداً منتهياً، وإنما يصبح شيئاً يتفتح ويتسع"(

ومن هذا القبيل رأى الأمدى في قول أبي تمام(

< /TABLE>

إذ يراه مأخوذاً من قول الشاعر السابق:

كأن الغمام الغرغبين تحتها

 

حبيباً فما ترقى لهن مدامعُ

كأن حبيبينِ باتا طولَ ليلهما

 

يستمطرانِ على غدرانهِ المقلا

ورأي الآمدي غير صحيح لأن "الصورة في البيت الأول جامدة خارجية مباشرة تقريرية ليس فيها إيحاء، أما أبو تمام فقد مزج بين حالتي: النفس وحلة الطبيعة، وخلق تطابقاً بين فعل الإنسان وفعل السحاب".

ولا شك في أن التمكن من صياغة اللغة بالشكل الذي تستجيب فيه لتجليات الذات الشاعرة معبرة عن حاجات متطورة لدى الإنسان عبر الصورة الشعرية وصولاً لتحقيق معنى ينفتح على آفاق القيم الجمالية أكثر من خضوعه لمعايير عقلية صارمة، هذا التمكن هو ما يحقق التفرد الأسلوبي في خلق المعنى الشعري على نحو ما هو عند أبي تمام، وهو في هذا الأسلوب مطور لخلق المعنى الشعري روحياً كما جاء في عمود الشعر وليس جسدياً أي مادياً أو شكلياً.

أما على صعيد استقامة اللفظ تلك الاستقامة الصادرة عن طبع سمح جميل متطور هو الآخر لصدوره عن كثرة الرواية وطول الاستعمال، فإنه متحقق في تجربة أبي تمام الشعرية، سواء على صعيد الألفاظ المفردة أم على صعيد التركيب.

فإذا كانت الشعرية متصلة بنظم وترتيب الألفاظ على نحو متناسب يكشف عن نسق المعاني في النفس، فإن لغة أبي تمام توحي بطبع شعري يعنى كثيراً بصياغة الجملة الشعرية، إلى الحد الذي يثير حفيظة من يتطلبون أن تكون اللغة خاضعة للعرف العام أي القواعد التي تشكل النظام الشكلي لأية لغة، ومن هذا القبيل قوله(

أهن عوادي يوسفٌ وصواحِبُهْ

 

فعزماً فقدماً أدركَ النأي صاحبُهْ

وهذا من رديء إبتداءات أبي تمام عند الآمدي، لأنه لا يلائم بعضه بعضاً ولا يشابه وإنما يستقيم لو قال:

أهن عوادي يوسفٍ وصواحبُهْ

 

فلا يعدونكَ مطلب أنتَ طالِبُهْ

أولاً "يعدونك العزم فيما تطالبه" إذ لا يرى الآمدي عجز البيت لائقاً بصدره، وذلك قوله: فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه" فتصير جملة معنى البيت، هن صوارف يوسف فاعزم فقديماً أدرك البعد طالبه. والآمدي هنا يريد إخضاع الجملة الشعرية لحدية القاعدة النحوية ليس لأجل جمالية الجملة الشعرية، إنما لإيضاح المعنى حتى يكون قريب المأخذ، ومن هذا المأخذ ينظر الآمدي إلى قوله(

يدي لمن شاء رهن، لم يذق جوعا

 

من راحتيك درى ما الصاب والعسل؟

إذ يقول: إن البيت مبني كله على الفساد، لكثرة ما فيه من الحذف، لأنه أراد بقوله: "يدي لمن شاء رهن" أي أصافحه وأبايعه معاقدة ومراهنة، وإن كان لم يذق جُوعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل؟ ومثل هذا لا يسوغ، لأنه حذف "إن" التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها، لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف "من" وهي الاسم الذي صلته "لم يذق" فاختل البيت وأشكل معناه(

فسلامة اللفظ على صعيد التركيب عند الآمدي تشير إلى مراعاته القواعد القياسية للغة بالشكل الذي يكشف المعنى للمتلقي من دون طول نظر، وهذا توجيه عقلي يغفل قليلاً عن خصوصية لغة الشعر التي تنبني أحياناً على الحذف والإضمار، فإذا كان أبو تمام "يذهب إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه، مع التصنيع المحكم، طوعاً وكرهاً، يأتي للأشياء من بعد، ويطلبها بكلفة، ويأخذها بقوة"( طالباً المعنى غير مبال أحياناً باللفظ من حيث الفصاحة والعجمة، قاصداً إلى أن يؤلف "ضرباً خاصاً من التأليف، يعمد فيه إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب"() فإن كل ذلك يشير إلى أسلوبية الشاعر في صياغة جملته الشعرية، والشكل الذي يتولد فيه رسم الصورة من خلال مقاربة دلالية بين اللفظ ومعناه الوضعي العرفي، على أن النقد القديم يتطلب في الكلام أن يكون "معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك. بأن يجتهد المتكلم في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة وعاق دون الإبانة ) واللغة الشعرية لا تقوم على الإبانة بقدر قيامها على الغموض الذي يوحي بالدلالة الشعرية.

أما على صعيد الألفاظ المفردة فقد لاحظ القدماء توفر شعر أبي تمام على الألفاظ الغريبة حتى قال ابن رشيق "إن الطائي يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ، حتى لو تم له المعنى، بلفظة نبطية لأتى بها) ولكن شيوع هذا على نحو أو آخر في لغة الشعراء السابقين من جاهليين ومخضرمين يبيح لأبي تمام وسابقه أبي نواس. هذا، فضلاً عن أن ابن جني كان قد أشار إلى أن بعض الشعراء يتعمد الإتيان بغريب اللغة للدلالة على سعة اطلاعه على لسان قومه، إذ قال ابن جني: "متى رأيت الشاعر قد ارتكب الضرورات على قبحها، وانحراف الأصول بها، فاعلم أن ذلك.. ليس بقاطع دليل على ضعف لغته ولا قصور عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته، بل مثله ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام"، فقد يبالغ أبا تمام في استخدام الألفاظ الغريبة مما غاب عن لغة المولدين من مثل قوله:

قدك إتئب أربيت في الغلواءِ

 

كم تعذلونَ وأنتم سجرائي

فهذه الألفاظ وإن كانت صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة في نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف كلامهم ولا وحشي ألفاظهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه جمعها في مصراع واحد، وجعلها ابتداء قصيدة(.

فالآمدي هنا يقول بصحة الألفاظ وفصاحتها واستقامتها، ولكنه ينكرها على أبي تمام لأنه حضري، فما بعثه إلى استخدامها إلا نزوعه إلى الغريب().

أو كما في قوله:

قد قلتَ لمَّا أطلخمَ الأبد وانبعثت

 

عشواءَ تاليةً غُبْساً دهاريساً

إذ أخذوا عليه في مثل هذا استخدامه لغة، لو صدرت عن جاهلي لتوقعنا قبول أهل ذلك الزمان لها، أما عصر الحضارة العباسية فقد هجر هذه الألفاظ، لأن الذوق العام لم يعد يألفها.

وقد يخرج على قياس العرف اللغوي أحياناً كما في قوله(:

بالقائمِ الثامن المستخلفِ أطأدتْ

 

قواعدُ الملكِ، ممتداً لها الطولُ

لأن في قوله "أطأدت" مخالفة للقياس اللغوي، فلم يقل إتطدت الذي هو الصواب لأن وطد يطد من باب وعد يعد، فبناء افتعل منه على اتطد ولا يقال اتطأد، كما يقال اتعد ولا يقال اعأد).

والواقع، ليست مفارقة أن النقاد واللغويين يطلبون إلى الشعراء أن ينهجوا سبيل الأقدمين في قول الشعر، وأن يحرصوا على نهج عموده الذي ألفوه، وهذه دع وة إلى تقليد لغة السابقين، وفي الوقت نفسه ينكرون استخدام ألفاظ شاعت عند السابقين ولم يعد يألفها المحدثون، كما عند أبي تمام، لأن الأمر لا يتصل بتقليد الأقدمين فقط، إنما كان ذلك لأن لغة القدماء اتصفت بالوضوح وقرب المأخذ للمتلقي القديم، حتى ألف المتلقي الحديث وراثة هذا الوضوح وقرب المآخذ، ومن هنا لزم أن يطالبوا الشاعر المحدث بما ورثوه على صعيد التلقي الشعري عن القدماء، فصاروا ينكرون على المحدثين تقليد القدماء إذا لم يسلمهم هذا التقليد إلى الوضوح وقرب المآخذ. على أن الغرابة في أسلوب أبي تمام سمة شائعة، يريد لها أن تشكل مقوماً من مقومات لغته على المستوى المعجمي في حين تشكل دلالياً منبهاً أسلوبياً ينفرد فيه أبو تمام من بين المحدثين على نحو خاص.

وقد ذكر ابن فارس أن: "ليس في اللغة صواب مطلق، ولا خطأ مطلق، وإنما هي مسألة عرفية بحتة، فالخطأ اللغوي، هو مخالفة المألوف الشائع في الكلام في عصر من العصور) أي إن رأي القدماء متصل بموافقة العر ف اللغوي على صعيد التزام القواعد القياسية للغة أو عدم الأخذ بالشواذ أو الضرورة، لأن توفيق الشاعر إلى عدم مخالفة هذا، يكسب لغة شعره الوضوح وقرب المآخذ كما في قول أبي تمام):

تسربل سربالاً من الصبر وارتدى

 

عليه بعضب في الكريهة فاصل

وقد ضلّلت أعقاب رايتِهِِ ضحى

 

بعقبانِ طيرٍ في السماء نواهل

أقامتْ مع الراياتِ حتى كأنها

 

مع الجيشِ إلا أنها لم تقاتل

إذ يرى الحاتمي، أن هذا الأسلوب "أحمد مذهباً، وأسلم تركيباً.. على تأخر زمان قائلها"().



***


افي الشعر الحديث بنية التجاور والانقطاع في قصيدة الحداثة - مقوّمات عَمُود الشعْر عنْد المحْدَثيْن **أبو تمام***************4 - ]] الحطيئة ]] ألا طرقتنا بعد ما هجدوا هندُ
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية


-----




****


--





palmoon tool bar
privacy policy