صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







دروس في القانون الدولي الخاص مدخل الى الجنسية
شؤون قانونية




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية






***

دروس في القانون الدولي الخاص مدخل الى الجنسية



القيود التي ترد على مبدأ حرية الدولة في تنظيم جنسيتها - دروس في القانون الدولي الخاص مدخل الى الجنسية - || مجلتے كنـز المعلوماتے العد913ـدد || الترقيمـے ضروريــے || تمـيز وإنضـم
شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية
****

مدخل الى الجنسية

 

أولاً : الأصول  التاريخية لنشأة الجنسية

        - إن الجنسية بمفهومها الحديث ، أي بوصفها تعبيرا عن انتماء الفرد لدولة م عينة هو وليد تطور اجتماعي قديم بدء منذ نشأة الجماعة الإنسانية ، ففكرة الجنسية حديثة لم تكن معروفة في العصور القديمة ، إذ ارتبطت فكرة الجنسية في العصور القديمة بالأسرة ثم بالقبيلة ومن بعدها بالأمة .

        فقد اتجه الإنسان منذ البداية – بنزعته الفطرية – إلى العيش المشترك في شكل جماعات . وتعتبر الأسرة الشكل الأول لهذه الجماعات . ولما تعددت الأسر أدى ذلك إلى نشأة القبائل التي كانت النواة لتكوين الأمم ،     وهكذا نشأت الأمة التي تضم مجموعة من القبائل تعيش في وحدة إقليمية معينة وتنتمي إلى أصل واحد وتشترك فيما بينها في اللغة والعقيدة والعادات والتقاليد وتتطلع إلى أمان وآمال مشتركة. وبذلك أصبح كل فرد ينتمي إلى أمة معينة .

        على أن هذه الصورة الفطرية الخالصة في تكوين الأمم لم يكتب لها الاستمرار ، إذ سرعان ما اختلطت الأجناس نتيجة للفتوحات والغزوات وهجرة البعض من أرض إلى أخرى ، على النحو الذي جعل من العسير نسبة الكثير من الأمم إلى أجناس بشرية خالصة ، بل أصبحت الأمة الواحدة نتاج اختلاط بين أجناس بشرية مختلفة .

        وفى العصور الوسطى لم يكتب لتبعية الفرد للأمة الرواج . فحينما ساد حكم الإقطاع ، كانت السيطرة للحاكم . وفى هذه الحقبة من التاريخ لم يكن الانتساب إلى أمة محل اعتبار في تبعية الأفراد بل كانت العبرة بسلطان الحاكم على رقعة معينة من الأرض وخضوع الفرد لسيطرته . و استمر الحال كذلك في عهود الملكيات المطلقة حيث كان الولاء للملك وحده . واعتبرت الجنسية مجرد رابطة خضوع وتبعية له.

        وفي أعقاب قيام الثورة الفرنسية ، وبفضل تعاليمها التي كرست مبادئ الحرية والمساواة والإخاء انطلق الشعور القومي في أرجاء العالم ، وارتبطت سيادة الدول بسيادة الشعوب ، وأصبح ولاء الأفراد للدولة وليس للحاكم ، وولد مبدأ حق الشعب في تقرير مصيره ، وأصبح من حق الفرد أن يحمل جنسية آبائه .

        وفى ضوء هذه الأفكار الجديدة ظهر مبدأ القوميات Principe des Nationalités الذي نادي به الف قيه الإيطالي "مانشينى" في منتصف القرن التاسع عشر واستند إليه لتوحيد ايطاليا ، ويقضى هذا المبدأ بحق كل أمة في تكوين دولة ، لتصبح الدولة الشكل السياسي للأمة . وقد لعب مبدأ القوميات دورا حاسما في تحقيق الوحدة لعدد من دول القارة الأوربية مثل ايطاليا وألمانيا . وبعد الحرب العالمية الثانية اتسع نطاق هذا المبدأ بفعل توهج الشعور القومي وأدى إلى استقلال الأقاليم التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي   .

        ورغم الصدى الكبير الذي لاقاه مبدأ القوميات في نفوس الشعوب إلا أن هذا المبدأ لم يلق مع ذلك تطبيقا مطلقا . فقد حالت دون ذلك عوامل متعددة ، أهمها اختلاط الأجناس وصعوبة تحديد معالم كل أمة على حدة . هذا بالإضافة إلى الظروف السياسية والاقتصادية والجغرافية التي أحاطت بالتكوين السياسي للدول المختلفة .

        ولهذا لم يكن غريبا أن نرى دولة واحدة تضم أفرادا ينتمون إلى أكثر من أمة كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة أو سويسرا اللتين   تضمان أقواما من أمم شتى ، أو بالنسبة لفرنسا والتي- حتى عام 1962- كانت تعتبر الجزائر جزء يخضع لسيادتها الإقليمية .

        ومن جهة أخرى نرى أمة واحدة تتفرق إلى عدة دول كما هو الحال الآن بالنسبة للأمة العربية والتي تنقسم إلى عدة دول هي الدول العربية المعاصرة.

        يتضح مما تقدم أن فكرة الجنسية قد مرت بتطور طويل. ففي العصور الأولى كانت تبعية الفرد للأسرة ثم للقبيلة ، ومن بعدها للأمة . وفى العصور الوسطى كانت تبعية الفرد للحاكم الإقطاعي ، ثم ظهــــــرت رابطــة الولاء والخضوع للملك . وأخيرا انتصر مبدأ سيادة الشعوب فأصبح الارتباط بالدولة . ومن هنا عرفت الجنسية بمعناها الحديث ولم يتحقق ذلك إلا في بداية القرن التاسع عشر ( [1]) .  

   

 

 

ثانيا . تمييز فكرة الجنسية عن غيرها من المفاهيم الأخرى المشابهة:

        - إن تطور فكرة الجنسية على النحو ال سابق بيانه يكشف عن الفرق بين الجنسية والجنس من ناحية ، والجنسية والقومية من ناحية أخرى .

(أ)-الجنسية والجنس :

        - قد يتبادر للذهن لأول وهلة أن الجنسية تستمد معناها من الجنس أو أن هناك صلة وثيقة بين الجنس والجنسية وهي صلة يوحى بها وحدة الاشتقاق اللغوي لكل من هاتين الكلمتين في اللغة العربية ، ولكن المصطلحات الأجنبية في هذا الشأن تنفى هذا اللبس ، فهي تعبر عن كل من الجنس والجنسية بلفظين لا يرتبطان بأصل لغوى واحد ( [2]) .

        وإذا كان صحيحا أن الجنس قد لعب دورا له أهميته في نشأة وتكوين الأمم ، غير أن هذا الدور قد تضاءل على مر الأيام ، ويرجع تضاءل أهمية الجنس إلى تزايد الاختلاط بين الأجناس المختلفة بسبب الفتوحات والغزوات وهجرات الشعوب ، بحيث أصبح من المتعذر القول بأن شعبا معينا ينتمي في كليته إلى جنس معين . كما يكشف استقراء الواقع عن وجود دولا عديدة تنتمي شعوبها إلى أجناس مختلفة ، الأمر الذي يدل على أن وحدة الجنس ليست أمرا لازما لنشأة وقيام الدولة .

        بالإضافة إلى ذلك ، فإن الدعوات السياسية التي حاولت أن تجعل من الجنس أساسا لتكوين الدولة لم تكن تهدف إلا إلى التوسع العدواني والادعاء بتفوق الجنس البشرى الذي تستند إليه على كافة الأجناس الأخرى . فادعاء ألمانيا النازية بتفوق الجنس الذي ينحدر منه الشعب الألماني قد قصد به السيطرة على أقاليم الدول الأخرى التي تقطنها شعوب تنحدر بدورها من نفس الجنس . ونحن نعلم ما قاسته البشرية بسبب هذه الدعوات العنصرية التي استهدفت العدوان على السيادة الإقليمية للدول الأخرى مما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية . ولهذا لم يكن غريبا أن يرفض الفكر الإنساني الحديث كافة الاتجاهات التي حاولت أن تجعل من التفرقة العنصرية أساسا لتكوين الدولة والانتماء لجنسيتها ( [3]) .

        وقد حرصت الكثير من الدول على إدراج نصوص في دساتيرها تقضى بعدم التمييز بين مواطنيها بسبب الجنس أو الأصل . من ذلك يمكن أن نذكر، على سبيل المثال دستور دولة الإمارات العربية المتحدة لسنة 1971 ، فقد نصت المادة (25) منه على أن " جميع الأفراد لدى القانون سواء ، ولا تمييز بين مواطني الإتحاد بسبب الأصل أو الموطن   أو العقيدة الدينية أو المركز الاجتماعي ".

 

(ب) - الجنسية والقومية :

        - ينبغي عدم الخلط بين الجنسية والقومية وذلك على الرغم من وحدة الاشتقاق اللغوي لكل من هاتين الكلمتين في اللغات الأجنبية ( [4]) . ويتحدد ال فارق بين رابطة الجنسية و رابطة القومية بمقتضى التمييز بين الدولة والأمة ( [5]) . فالجنسية تفيد الارتباط السياسي والقانوني بين الفرد والدولة ، في حين رابطة القومية تفيد انتساب الفرد إلى أمة معينة ( [6]) .

        ; ويتخذ الفارق بين الجنسية والقومية عدة مظاهر . فمن ناحية تقوم الجنسية على أساس تقسيم العالم إلى وحدات سياسة هي الدول ، فالجنسية هي أداة توزيع الأفراد بين الدول ، ومن ثم تستمر   الحاجة إليها طالما ظلت الدولة قائمة ، فإذا ما اختفت الدولة لم تعد ثمة حاجة لوجود الجنسية لانتفاء سبب وجودها  بينما تقوم القومية على تقسيم العالم إلى وحدات اجتماعية هي الأمم .

        من ناحية ثانية فإن الجنسية هي حالة قانونية تتقرر بمقتضى تشريع تصدره السلطة المختصة في كل دولة بما لها من سيادة وحق في تحديد عنصر السكان فيها ، وبهذا التحديد يكون للجنسية بداية ونهاية . هذا في حين أن القومية هي نزعة اجتماعية تنبع من دوافع نفسية لدى كل شخص . فلا يصدر بها تشريع ينظمها أو يحكمها   ومن ثم لا يكون للقومية بداية وبالتالي فإنها لا تسقط عن الشخص ، أي ليس لها نهاية .

        ومن ناحية ثالثة يترتب على الجنسية آثار قانونية غاية في الأهمية ، حيث يتولد عنها حقوق والتزامات سواء بالنسبة للشخص الذي تثبت له أو بالنسبة للدولة ذاتها على نحو ما سنرى ، أما القومية فلا تتعدى أن تكون وصفا روحيا أو معنويا في الشخص لا يترتب عليه أية آثار قانونية .

        وأخيراً ، لما كانت الجنسية هي رابطة ينظم المشرع في كل دولة أحكامها فإنها  تعرف ظواهر متنوعة لا تتحقق بالنسبة لرابطة القومية منها ظاهرة تعدد الجنسيات أو انعدامها ، ففي مجال الجنسية ، من المتصور أن يحوز الفرد أكثر من جنسية ، كما أنه من المتصور أي ضا ألا يحوز الشخص أية جنسية على الإطلاق . أما في مجال القومية فلا يتحقق تعدد أو انعدام بالنسبة للفرد . إذ من غير المتصور أن يكون للفرد أكثر من قومية أو أن يكون عديم القومية . فالتعدد المقصود في هذا المجال لا يتحقق إلا بالنسبة للدولة وحدها ، فالدولة قد تكون ذات قومية واحدة وذلك عندما ينتمي أفراد شعبها إلى أمة واحدة ، وقد تكون عديدة القوميات عندما ينتمي أفراد شعبها إلى أكثر من أمة ( [7]).

 

 

(ج) - الجنسية والديانة .

أوضحنا من قبل أن الأمة كانت أساس الجماعات البشرية ، ولما كان أفراد كل أمة   تجمعهم أواصر مشتركة من بينها وحدة الدين ، أصبح لهذا العامل دورا هام في تحديد الصفة الوطنية أو الأجنبية للفرد .

ففي فرنسا مثلا كان اعتناق الديانة الكاثوليكية هو وحده الذي ي سبغ الصفة الوطنية ، وهو الأمر الذي أدى إلى عدم تمتع اليهود والبروتستانت بهذه الصفة . إلا أن هذا المفهوم لم يعد سائدا الآن حيث أصبحت للجنسية ، بوصفها مرادفا للمواطنة ، صبغة علمانية تستند إلى جملة من الاعتبارات لا يدخل فيها وحدة الدين . وإن كانت هناك بعض الدول التي تستند جنسيتها إلى أساس ديني مثل إسرائيل .

   

 

ثالثا : تعريف الجنسية :

        - تعددت التعريفات التي قال بها الفقهاء بشأن الجنسية ، فقد عرفها البعض بأنها "الانتماء القانوني لشخص إلى الشعب المكون لدولة معينة " ( [8]) .

        ولكن يؤخذ على هذا التعريف أنه يغفل الجانب الس ياسي للجنسية ، ويبرز فقط الجانب القانوني لها ( [9]) .

        وقد وصفها البعض الآخر بأنها " رابطة سياسية بمقتضاها يعتبر الفرد من العناصر الدائمة المكونة للدولة " ( [10]) . ولكن يعاب على هذا التعريف أيضا أنه يتجاهل الجانب القانوني للجنسية ، ويبرز فقط الجانب السياسي لها ( [11]) .

        ويرجع هذا الخلاف في تعريف الجنسية إلى اختلاف الفقه حول موضع الجنسية بين القانون الخاص والقانون العام . فمن يدافع عن إدراجها في إطا را لقانون الخاص يغفل في تعريفه الإشارة إلى الجانب السياسي للجنس ية ، ويغفل طبيعتها كرابطة بين الفرد والدولة ويبرز فقط طبيعتها كصفة قانونية تلحق الفرد بشعب الدولة .

        ومن يرى أن الجنسية نظاما من أنظمة القانون العام يفسح في تعريفه مكانا ظاهرا لجانبها السياسي ويبرز طبيعتها كرابطة تصل الفرد بالدولة ، ويبين الدور الرئيسي الذي تلعبه الدولة في إنشاء الجنسية وتنظيم أحكامها ( [12]) .

< P class=MsoBodyText dir=rtl style="MARGIN: 0cm 0cm 0pt; LINE-HEIGHT: 21pt; mso-line-height-rule: exactly">         هذا ويحرص الفقه الغالب ( [13]) على إبراز كل من هذين الجانبين ، السياسي والقانوني ، في تعريف الجنسية . فطبقا للتعريف الشائع في الفقه فإن الجنسية رابطة سياسية وقانونية بين الفرد والدولة ، فهي رابطة سياسية لأنها تربط الفرد بوحدة سياسية هي الدولة ، ولأن مبناها سيطرة الدولة وسيادتها في تحديد ركن الشعب بها ،ولأن قوامها هو شعور الفرد وإحساسه بالولاء والانتماء السياسي للدولة التي يحمل جنسيتها. كما أنها رابطة قانونية لأن القانون هو أداة تنظيمها بمعنى أن القانون هو الذي يحكم نشأتها وزوالها ، ويحدد مختلف الآثار التي تترتب عليها ( [14]) .

 

   

 

رابعا : طرفا رابطة الجنسية :

        - إن للجنسية طرفان هما : الدولة من ناحية ، والفرد من ناحية أخرى .

( أ ) - الدولة :

    &nb sp;   - إن الدولة وحدها هي التي تنشى الجنسية وتمنحها دون غيرها من أشخاص القانون الدولي العام . وأساس ذلك أن الجنسية هي الأداة المستخدمة لتوزيع الأفراد من الوجهة الدولية . ولا شك أن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تتولى القيام بهذا التوزيع وفقا للوضع الراهن في القانون الدولي العام ( [15]) .

        ويكفى في هذا الصدد أن تكون الدولة معترفا به ا دوليا ولا يهم بعد ذلك حجم هذه الدولة ، فالدولة سواء أكانت صغيرة أم كبيرة تملك منح الجنسية . فهناك دولا صغيرة يحمل الأفراد جنسيتها مثل إمارة موناكو ودولة الفاتيكان ( [16]) . ولا يشترط أن تكون حكومة الدولة معترف بها حتى يكون للدولة الحق في إنشاء جنسية خاصة بها . ذلك أن عدم الاعتراف بالحكومة لا يؤثر في وجود الدولة وحقها في تحديد ركن الشعب فيها ( [17] ) .

        كما لا يشترط أن تكون الدولة كاملة السيادة حتى يثبت لها الحق في إنشاء جنسية خاصة بها . فمن المقرر أن هذا الحق يثبت للدولة حتى وان كانت ناقصة السيادة . فالدولة الخاضعة لنظام الانتداب أو الحماية أو الوصاية تملك إنشاء جنسية خاصة بها طالما ظلت محتفظة بشخصيتها الدولية ( [18]) .

        ويترتب على ذلك أن الأقاليم التي ليس لها شخصية دولية على الإطلاق كالمستعمرات والأقاليم التي تضم إلى دولة أخرى ، لا يكون للأفراد التابعين لها جنسية مستقلة بل ينتمون إلى الدول التي تكون هذه الأقاليم تحت سيادتها ( [19]).

        < /SPAN>ومن الجدير بالذكر أن حق إنشاء الجنسية مقصور على الدول وحدها دون غيرها من أشخاص القانون الدولي العام . وبناء عليه ، لا يجوز للمنظمات الدولية ، مثل منظمة الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي، أن تمنح جنسية خاصة بها . وذلك نظرا لأن هذه الهيئات أو تلك المنظمات لا تتمتع بوصف الدولة صاحبة السيادة ( [20]).

        ولا يقدح في ذلك أن بعض المنظمات الدولية ، مثل الأمم الم تحدة ، قد تمنح لموظفيها جوازات سفر تخول لهم التنقل من دولة إلى أخرى . ذلك أن مثل هذا الجواز لا يعدو أن يكون مجرد سند محدود الدلالة ولا يفيد سوى تبعية الفرد للأمم المتحدة من الوجهة الإدارية ( [21]) . كذلك لا يكون للمدن أو المقاطعات الحق في أن يكون لها جنسية حتى ولو كانت تتمتع بوضع دولي خاص ( [22]) .

        ومن الجدير بالذكر أيضا أنه لا يجوز من الوجهة الدولية أن تمنح الدولة الواحدة سوى جنسية واحد فقط حتى وان كانت الدولة مكونة من عدة دويلات كما هو الحال بالنسبة للدول الاتحادية . فالدولة الاتحادية . لا تثبت لها إلا جنسية واحدة هي الجنسية الاتحادية “Nationalité Fédérale” أما تبعية الأفراد للدويلات المكونة للدولة الاتحادية فهى تعد تبعية داخلية أو رعوية محلية لا يعتد بها من الناحية الدولية . فدولة الإمارات العربية المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية مثلا لا تملك سوى إنشاء جنسية واحدة خاصة بها من الوجهة الدولية ( [23]).

        غير أن الأمر يختلف في حالة الاتحاد القائم بين عدة دول ، حيث تحتفظ كل دولة من دول الاتحاد بشخصيتها الدولية ، وبالتالي بحقها في تنظيم جنسيتها، وعلى هذا النحو نكون بصدد جنسيات متعددة بتعدد الدول أعضاء الاتحاد دون أن يكون للاتحاد جنسية خاصة به ، مادام أن هذا الأخير لا يعد في ذاته دولة تتمتع بالشخصية الدولية المستقلة عن الدول الأعضاء ( [24]).

 

( ب) - الفــرد :

        - الفرد هو الطرف الثاني في رابطة الجنسية. وتلحق الجنسية الفرد بصفته الفردية ولا تلحق مجموعات الأفراد . ذلك أن الجنسية هي التي تحدد ركن الشعب في الدولة والوحدة التي يتكون منها هذا الركن من الناحية القانونية، هي الفرد وليست مجموعات الأفراد ( [25]) .   

        ويقصد بالفرد في مجال الجنسية العنصر البشرى الذي يتكون منه شعب الدولة وبعبارة أخرى الشخص الطبيعي ( [26]) . ولكن من المعلوم أنه يوجد بجوار الأشخاص الطبيعيين   طائفة أخرى من الأشخاص تتمتع بالشخصية القانونية هي الطائفة المعروفة بالأشخاص الاعتبارية أو المعنوية Presonnes Morales   ، وقد ازدادت أهمية هذه الأشخاص في العصر الحديث واحتلت مكانا بارزا في الحياة الاقتصادية   بحيث أضحت عنصرا أساسيا   في كيان الدولة الاقتصادي. وإذا كانت الجنسية تلحق بدون شك الشخص الطبيعي ، فقط ثار التساؤل حول مدى إمكان تمتع الشخص الاعتباري بالجنسية .

        ويرجع سبب هذا التساؤل إلى أن رابطة الجنسية تقوم على الشعور بالولاء نحو الدولة ، الأمر الذي لا يتوافر بالنسبة للشخص الاعتب اري المجرد عن الحس والإدراك. هذا فضلا عن أن طبيعة الشخص الاعتباري تتنافى مع إمكان أداء بعض  التكاليف الوطنية وبصفة خاصة التكليف بأداء الخدمة العسكرية ( [27]). لذلك يرى بعض الفقه أنه من الخطأ إطلاق صفة الجنسية على الشخص المعنوي

        غير أن جانبا كبيرا في الفقه لا يرى في هذه الاعتبارات ما يقدح في إمكان تمتع الشخص الاعتباري بجنسية دولة معينة . ذلك أن الشعور بالولاء وإن كان هو الأساس الروحي لرابطة الجنسية بين الفرد والدولة إلا أنه ليس ركنا قانونيا لقيام الجنسية . فهناك من الأفراد من لا يتوافر لديهم هذا الشعور كالمجنون والصغير غير المميز . كما أن هناك فئة هامة من رعايا الدولة كالنساء ليس لديها القدرة على أداء التكليف بالخدمة العسكرية وبالرغم من ذلك ليس هناك من ينازع في إمكان تمتعهم بالجنسية ( [28]) . أضف إلى ذلك أنه إذا كان صحيحا أن الشخص الاعتباري لا يعتبر كيانا يكون ركن الشعب في الدولة ، فإنه صحيحا أيضا أنه ينظر إليه في الوقت الحاضر على أنه عنصر أساسي في كيان الدولة الاقتصادي . ولقد أصبح من المستقر عليه في الفقه والقضاء وكذلك في العديد من التشريعات الوطنية إمكان تمتع الشخص الاعتباري بالجنسية ، وذلك على نحو ما سنرى فيما بعد .  

        وبالرغم من أن اصطلاح الجنسية يقتصر أصلا على الأشخاص الطبيعيين مع ذلك لقد جرى العمل على استعمال اصطلاح الجنسية بالنسبة لبعض الأشياء ذات الأهمية الاقتصادية المتميزة كالسفن والطائرات . وهذا الاستعمال المجازى يراد به فقط التعبير عن ارتباط هذه الأشياء بدولة معينة.

        ويترتب على ارتباط السفينة أو الطائرة بدولة معينة نتائج هامة سواء في وقت الحرب أو في وقت السلم . ففي وقت الحرب تختلف المعاملة التي تلقاها السفينة أو الطائرة من قبل الدول المتحاربة أو المحايدة بحسب الدولة التي تنتمي غليها . الأمر الذي يتحدد عادة بالعلم الذي تحمله السفينة أو الطائرة .

        وفى وقت السلم ، يتعين معرفة جنسية السفينة أو الطائرة لتحديد القانون الواجب التطبيق بشأن ملكيتها ، وكذلك بالنسبة لكافة الحقوق العينية المترتبة عليها . كما يتعين معرفة جنسية السفينة أو الطائرة أيضا لتحديد القانون الواجب التطبيق على الوقائع التي تحدث أثناء وجودها في أعالي البحار أو في الفضاء الجوى الذي يعلوها ( [29]) .وتطبيقا لذلك تنص المادة 12 من القانون التجاري والبحري الإماراتي رقم 26 لسنة 1981 على أنه " يجن أن يكون لكل سفينة اسم تحمله وجنسية تتمتع بها وعلم ترفعه وميناء تسجل فيه "

غني عن البيان أن إطلاق مصطلح الجنسية على هذه الأشياء هو من قبيل المجاز ويراد به التعبير عن أن هذه الأشياء مسجلة في الدولة التي ترفع علمها وأنها تخضع لسيادة هذه الدولة .

 

 

 

خامسا – الطبيعة القانونية لرابطة الجنسية :

        - في بادئ الأمر اتجه فريق في الفقه إلى النظر إلى رابطة الجنسية على أنها رابطة تعاقدية بين الدولة والفرد .  وتستند هذه الرابطة إلى عقد تبادلي بين الدولة والفرد . وهو عقد ناتج عن اتحاد إرادتين : إرادة الدولة من ناحية ، وإرادة الفرد من ناحية أخرى .

        وإرادة الدولة يتم التعبير عنها مقدما بما تضعه من شروط لمنح جنسيتها ، أما بالنسبة للفرد فإن إرادته قد تكون صريحة كما هو الشأن في حالة التجنس الذي يمنح بناء على طلب الفرد . وقد تكون ضمنية تستشف من عدم رفض الفرد للجنسية أو سعيه إلى تغييرها وذلك في الأحوال التي يجيز له القانون هذا الرفض أو ذاك التعبير ، وقد تكون مفترضة كما هو الشأن بالنسبة لمن يكتسب جنسية دولة معينة فور ميلاده . ذلك أن المولود لا أهلية له وبالتالي لا يتصور أن تكون له إرادة في اكتساب الجنسية عند الميلاد . فالمشرع افترض في هذه الحالة أن إرادة الطفل كانت ستتجه إلى اختيار هذه ال جنسية لو أمكنه التعبير عن إرادته .

        ويترتب على هذه الرابطة التعاقدية التزامات متبادلة بين كل من الدولة والفرد . فالدولة تلتزم بمنح رعاياها حماية قوانينها وولاية قضائها وتعترف لهم بالحقوق المدنية والسياسية بوصفهم أعضاء في جماعتها الوطنية . بينما يلتزم الأفراد في مقابل ذلك باحترام قوانين الدولة وأداء التكاليف والالتزامات التي تفرضها هذه القوانين مثل الالتزام بأداء الخدمة العسكرية ( [30]) .

        غير أن فكرة الجنسية التعاقدية لم تسد في الفقه الحديث . ذلك أن الجنسية في الواقع لا يمكن أن تتحلل إلى رابطة تعاقدية . ففي كثير من الأحيان تفرض الدولة جنسيتها على الفرد بحكم القانون دون أي اعتبار لإرادته . فالجنسية التي تفرض بمجرد الميلاد لا تقوم في الواقع على تراض لانعدام إحدى الإرادتين أصلا . والقول بأن إرادة الفرد في هذه الحالة مفترضة هو مجرد حيلة قانونية ترمى إلى إخفاء انعدام وجود هذه الإرادة .

        فالدولة في الواقع هي التي تنفرد بتحديد ركن الشعب فيها وفقا لما تمليه عليها مصالحها الأساسية . وهى في هذا لا تعن ى بإرادة الفرد الصريحة أو الضمنية ، بل تقوم بهذا التحديد وفقا لمعطيات واقعها الاجتماعي  ولما تليه عليها مصالحها الجوهرية ومن ثم لا تعتبر الجنسية علاقة تعاقدية ( [31]) .

        لذلك اتجه الفقه الحديث إلى التأكيد على أن رابطة الجنسية هي رابطة تنظيمية . فالدولة هي التي تنشئها وتضع القواعد القانونية المنظمة لها مقدما ، كما أن لها مطلق الحرية في تعديل هذه القواعد بما يتفق ومصا لحها العليا . أما دور الفرد فإنه يقتصر على الدخول في هذه العلاقة التنظيمية إذا ما توافرت فيه الشروط المطلوبة ( [32]).

        وإذا كان لإرادة الفرد دور في اكتساب الجنسية في بعض الأحيان ، كما هو الشأن بالنسبة للتجنس الذي يفترض إعلان الفرد لرغبته مقدما ، فليس في هذا الوضع ما ينفى عن رابطة الجنسية طابعها التنظيمي . ذلك أن الدولة هي التي تحدد سلفا شروط التجن س . وإذا كان من بين الشروط المطل وبة في هذا الخصوص أن يعلن الفرد عن رغبته في ذلك ، فإن الملاحظ أن دور الإرادة هنا ليس دورا إنشائيا . ذلك أن التجنس يخضع – على ما سنرى – للسلطة التقديرية المطلقة للدولة ( [33]) .  بعبارة أخرى يقتصر دور الإرادة على " تهيئة الوقائع التي يرتبط بها الأثر القانوني دون أن تكون مصدره المباشر "

 الهوامش



( [1]) راجع في ذلك : أ.د. شمس الدين الوكيل : الجنسية ومركز الأجانب ، من شأة ا لمعارف بالإسكندرية ، 1960 1961 ، ص 25 وما بعدها ، البند 9 . وأيضا أ.د. هشام صادق : المرجع السابق ، ص 31 وما بعدها ، البند 15 ، وراجع مع المزيد من التفاصيل : أ.د. أحمد عبد الكريم سلامة : المبسوط في شرح نظام الجنسية ، دار النهضة العربية ، الطبعة الأولى ، 1993 ، ص 13 وما بعدها ، بند 8 وما بعده .

( [2]) حيث يطلق على الجنسية فى اللغة الإنجليزية تعبير “Nationalty” ، وفى اللغة الفرنسية تعبير “ Nationalit é ” . بينما يطلق على الجنس في كل من هاتين اللغتين تعبير “Race” راجع في ذلك :   أ.د. أحمد مسلم : القانون الدولي الخاص ، الجزء الأول ، الجنسية ومركز الأجانب ، 1956 ، ص 75 ، بند 79 . د. شمس الدين الوكيل : المرجع السابق ، ص 29 ، بند 10 .د. هشام صادق ، المرجع السابق ، ص 35 ، بند 17 . د. إبراهيم أحمد ، د. أحمد قسمت الجداوى : القانون الدولي الخاص ، الجزء الأول ، الجنسية ، دار النهضة العربية ، 1997 ، ص 30. وعكس ذلك انظر : د. أحمد عبد الكريم سلامة : المرجع السابق ، ص 87 ، حيث يرى أن هناك تقاربا فى الاشتقاق اللغوي للفظ جنسية وجنس، فالأصل اللغوي لكلمة جنسية فى اللغات الأوروبية مشتق من الأصل اللاتينى “Natus” ومعناه الولادة من عرق أو أصل مشترك أو الانحدار من جنس أو سلالة واحدة .

( [3]) راجع فى الفرق بين ال جنسية والجنس : د. شمس الدين الوك يل ، المرجع السابق ، ص 29 30 د. هشام صادق : المرجع السابق ، ص ص 35 36 . د. إبراهيم أحمد، د. أحمد قسمت الجداوى : المرجع السابق ، ص ص 30 32 د. أحمد عبد الكريم سلامة : المرجع السابق ، ص ص 87 90 .

( [4]) حيث يلاحظ أن الجنسية يعبر عنها فى اللغة الفرنسية بكلمة “Noionalitt é ” وفى اللغة الإنجليزية بكلمة “Nationality” وهى كلمة مشتقة من كلمة “Nation” وهى تفيد معنى الأمة ، ومع ذلك فإن هذا المصطلح أصبح له دلالة محددة إذ يقصد به الجنسية وليس القومية : راجع د. هشام صادق : المرجع السابق، ص 34 ، هامش رقم (8) .

( [5]) د. إبراهيم أحمد ، د. أحمد قسمت الجداوى : المرجع السابق ، ص 24 .

( [6]) د. شمس الدين الوكيل : المرجع السابق ، ص 31 ، بند 11 .

( [7]) راجع في ذلك : د. إبراهيم أحمد ، د. أحمد قسمت الجداوى : المرجع السابق ، ص 26 27 .

( [8]) راجع :

      Batiffol et Lagarde, Droit International Privé

الجزء الأول ، باريس ، 1970 ، فقرة 59 ، حيث يذكران أن الجنسية هى :

“L’appartenance Juridique d’une Personne    á la population d’un Etat”

 

( [9]) انظر د. أشرف وفا : المبادئ العامة للجنسية ومركز الأجانب فى القانون المقارن والقانون المصري ، دار النهضة العربية ، الطبعة الأولى ، 1988 ، ص 14 .

-----




****


--





palmoon tool bar
privacy policy