صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







أحكام التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري
شؤون قانونية




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية








أحكام التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري



حقوق المؤلف - أحكام التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري - moussaada
شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية


خطة البحث

مقدمة

مبحث تمهيدي: التطور التاريخي لإجراء التفتيش

الفصل الأول: في صور التفتيش في القانون الجزائري

المبحث الأول: مفهوم التفتيش

المطلب الأول: تعريف التفتيش

المطلب الثاني: خصائص التفتيش

المبحث الثاني: صور التفتيش

المطلب الأول: التفتيش الوقائي

المطلب الثاني: التفتيش الإداري

المطلب الثالث: التفتيش بحكم الضرورة

الفصل الثاني: الشروط القانونية المتعلقة بالتفتيش و آثاره

المبحث الأول: الشروط الموضوعية

المطلب الأول: بالنسبة للسبب

المطلب الثاني: بالنسبة للمحل

المبحث الثاني: الشروط الشكلية

المطلب الأول: قواعد حضور المتهم

المطلب الثاني: الساعات القانونية للتفتيش

المطلب الثالث: الإذن بالتفتيش

المبحث الثالث: آثار التفتيش

المطلب الأول: ضبط الأشياء و المصادرة

المطلب الثاني: تحرير محضر الجرد

المطلب الثالث: بطلان إجراءات التفتيش

الخاتمة

 

 

 

مقدمة

إن الحياة الإنسانية منبع كل الحقوق، و محور كل القوانين و أساس وجوده و تطوره، و يتفرع على حق الإنسان في الأمن و السكينة، و صيانة عرضه، و اعتباره، و سيره، و حرمة مس كنه، و حماية ماله.

و الدولة تقوم بصيانة هذه الحقوق من كل أشكال الاعتداء ضمانا لبقاء الحياة الاجتماعية و ارتقائها، و أثناء ممارسة الدولة لهذا الحق قد تعرف انتهاك لحقوق الفرد في سبيل تتبع الجناة و محاكمتهم، و ذلك حفاظا على الأمن العام و السكينة العامة و صيانة حرمات الأفراد، و من هذه الإجراءات على سبيل المثال: القبض على من تتوفر فيه دلائل على ارتكابه الجريمة، والحبس الاحتياطي، و التفتيش، و السائد في فقه القانون أن تنظيم الإجراءات القانونية هو نوع من التنسيق بين مصلحة المجتمع و مصلحة الفرد في صيانة حقوقه الأساسية، في الحرية و السكينة و حرمة المسكن، فالاعتداء على حرية الفرد دون مبرر لمصلحة عامة يعتبر أمرا يجرح الضمير و يمس بالشعور الإنساني، و عليه قيل أنه: (خير للعدالة أن يفلت مجرمون عديدين من العقاب، من أن يدان بريء واحد)، و في هذه الحالة لا نجد فرق بين انتهاك حريات الأفراد بمعرفة أشخاص يعملون تحت ستار القانون، أو بمعرفة مجرمين يرتكبون أعمالهم الإجرامية تعديا على القانون.

و من خلال هذا، يتضح لنا أ همية الإجراءات الجنائية و صلة كل إجراء بحرية الفرد و حقوقه الشخصية، و إذا نظرنا في خطورة الإجراءات القانونية المتعلقة بحرية الفرد لوجدنا أخطرها أهمية هو إجراء التفتيش الذي هو موضوع بحثنا هذا، و فيما يلي سوف نتناول في هذا المبحث التمهيدي تطور فكرة التفتيش في الشرائع القديمة، ومدى صلة هذا الإجراء بفكرة ضمان الحرية، ثم ندخل في شرح أحكام التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.

المبحث التمهيدي : التطور التاريخي لإجراء التفتيش:

إن دراسة الشرائع القديمة يعتبر المصدر الوحيد الذي يمكن أن يقودنا إلى تفهم المضمون الحقيقي للتشريعات الحديثة، و سندرس في هذا المجال الجانب التاريخي لإجراء التفتيش في القانون الروماني، و القانون الفرنسي، و القانون الأنجلوأمريكي، ثم في الشريعة الإسلامية، و أخيرا في القانون الجزائري.

1 ـ التفتيش في القانون الروماني:

لقد أخذ القانون الروماني بمبدأ حرمة المسكن، لكن كان ينظر إلى المسكن نظرة دينية، حيث كان المسكن يعتبر مكانا مقدسا كالمعبد تما ما، و الإنسان كان محاط بإله داخل مسكنه تحميه من كل الاعتداءات، و هذه الحماية الإلهية كانت تحاط بالمسكن فقط و متى كان صاحب المسكن خارجه أجاز القانون إلقاء القبض عليه و استعمال القوة و تقديمه أمام العدالة، أما داخل المسكن فلا يجوز التعرض له، و فيما بعد اتخذت الحماية لحرمة المسكن طابعا اجتماعيا في قانون (كورنيليا)، و هذا القانون ينظم جريمة الاعتداء على مسكن الغير و اعتبارها جريمة في حد ذاتها، و من ثمة يمنع القانون الروماني دخول المساكن على نحو مطلق، و عندما جاء قانون الألواح الإثني عشر أكد إباحة دخول المسكن عندما يتعلق الأمر بالبحث عن شيء مسروق، و لقد منح حق الاتهام للمجني عليه و أعطى تفويضا و حق الانتقال إلى الأماكن اعتقاد تواجد أدلة الاتهام للبحث عنها و ضبطها، و على صاحب المسكن (المتهم) الخضوع لذلك و من ثمة دخول المساكن و إجراء التفتيش.

2 ـ التفتيش في القانون الفرنسي:

تميز العهد الإقطاعي بسيطرة الإقطاعيين على الطبقة الكادحة، و من ثمة لم يكن للحرية الفردية وجود، و بعد انقسام المجتمع إلى طبقتين: النبلاء و البرجوازيين، كان في يد النبلاء العدالة و سلطة البوليس و سلطة القضاء فلم تكن هناك ضمانات تحمي المساكن إلا النبلاء و أشخاصهم، رغم ذلك كانت لفكرة المسكن أثرا، و في القرن الحادي عشر صدرت وثيقة تضم بعض النصوص تتعلق بحرمة المسكن أثناء الليل، حيث يبيح هذا القانون دخول مساكن البرجوازيين في النهار و اقتيادهم إلى العدالة، و يحظر ذلك أثناء الليل، و في العهد الوسيط (سنة 1670) ظهرت أول نصوص تتعلق بموضوع التفتيش، الانتقال إلى أماكن الجريمة و البحث عن الأدلة، و في عهد الثورة الفرنسية سنة 1789، صدر إعلان حقوق الإنسان و المواطن و تضمنت مادته التاسعة (كل إنسان برئ حتى تثبت إدانته)، و من بين قواعد هذا القانون تلك المتعلقة بحرمة المسكن و إجراءات التفتيش القانونية بإذن من القضاء، و عقب ذلك صدر دستور يكرس هذا المبدأ، و في سنة 1808 صدر قانون تحقيق الجنايات الذي نظم إجراء التفتيش في عدة نصوص قانونية.

3 ـ التفتيش في القانون الأنجلوأمريكي:

يسود في انجلترا القانون العرفي بما يعرف اليوم بالقانون العام، و الولايات المتحدة الأمريكية استمدت أصولها القانونية من القانون الانجليزي، حين كان ت تخضع قديما للتاج البريطاني، و من ثمة يكاد أن لا يختلف تطور إجراء التفتيش في أمريكا عنه في انجلترا، و القانون الانجليزي كان حريصا على تقرير مبدأ حرمة المسكن، فاعتبر المسكن ذا حصانة لا يجوز اقتحامه، حيث كرس هذا المبدأ حتى قيل أن (مسكن كل مواطن قلعته)، في عام 1776 صدرت وثيقة فرجينيا تمنع إصدار قوانين التي تنص على تفتيش مسكن دون وقوع الجريمة أو القبض على أشخاص غير معنيين أو لا يوجد أدلة ضدهم، و بعدها كرست دساتير الولايات المتحدة الأمريكية حرمة المسكن ضد التفتيش التعسفي، و ما زالت قواعده سارية المفعول إلى يومنا هذا.

4 ـ التفتيش في الشريعة الإسلامية:

لقد جاءت الشريعة الإسلامية بمجموعة من القواعد و الإحكام تراعي الصالح العام و حق الفرد في آن واحد، فجعلت حدودا للسلطة الحاكمة التي لا يجب أن تتعداها، و إلا فعلى الجماعة عزله من الحكم، كما حرصت على عدم انتهاك حرمة المسكن و الشخص، حيث جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها، ذلك خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا في ها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، و إن قيل لكم أرجعوا فأرجعوا هو أزكى لكم) سورة النور، و قوله تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها)، و في الأحاديث قول الرسول صلى الله عليه و سلم: (من أطل في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا يده له)، و هي أحكام طبقته أحكام الشريعة في الدول الإسلامية إلى حين صدور القانون الوضعي.

5 ـ التفتيش في القانون الجزائري:

إن التشريع الجزائري كسائر التشريعات العالمية لاسيما التشريع المصري و الفرنسي الذين يعتبران مرجعين للتشريع الجزائري إن صح التعبير قد كرس مبدأ الحرية الفردية و حرمات المساكن و الأشخاص و ضمان الحريات الأساسية الفردية و المجتمعية، لقد خصص الدستور الجزائري لسنة 1996 مبادئ خاصة بحرمة و حياة المواطن و حرمة مسكنه، حيث نصت المادة 40 على ما يلي: (تضمن الدولة عدم انتهاك حرمة المسكن، فلا تفتيش إلا بمقتضى القانون و في إطار احترامه، و لا تفتيش إلا بأمر مكتوب صادر عن السلطة القضائية المختصة).

و لقد خصص المشرع الجزائري بعض المواد في قانون الإجراءات الجزائية الم تعلقة بإجراء التفتيش حسب النحو الآتي:

ـ في قسم الجرائم المتلبس بها خصص المواد من 44 إلى 48.

ـ في قسم التحقيق الابتدائي المادة 64.

ـ في سلطات التحقيق المواد من 79 إلى 87.

و كذلك أثناء تنفيذ الأمر بالقبض في المواد من 119 إلى 122، و بخصوص قانون العقوبات الجزائري نجد المادة 355 تعرف فيه المسكن و خصائصه.

و فيما يلي سوف نتطرق لشرح بعض المواد منها أثناء شرح عناوين بحثنا هذا.

الفصل الأول : في صور التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري:

المبحث الأول : مفهوم التفتيش:

لقد أخذ التفتيش عدة مفاهيم و تعاريف فقهية و قانونية، و فيما يلي سوف ندرج بعض التعريفات للتفتيش، ثم نتطرق إلى خصائصه بناءا على التعريفات المقدمة.

أ ـ التعريف الفقهي:

1 ـ لقد عرفه الفقهاء بأنه إجراء جنائي يتضمن في جوهره اعتداء على حق الإنسان في الاحتفاظ بسره و حرمة مسكنه و ينظمه القانون لتحقيق مصلحة المجتمع في الوصول إلى أدلة الجريمة و الكشف عن الحقيقة.

2 ـ كما عرفه البعض على أنه إجراء من إجراءات التحقيق تقوم به سلطة حددها القانون، يستهدف البحث عن الأدلة المادية لجناية أو جنحة تحقيق وقوعها، في محل خاص يتمتع بالحرمة بغض النظر عن إرادة صاحبه.

ب ـ التعريف القانوني:

لقد عرفته المادة 91 من قانون الإجراءات الجزائية المصري: (إن تفتيش المنازل عمل من أعمال التحقيق و لا يجوز الالتجاء إليه إلا بناءا على تهمة موجهة إلى شخص يقيم في منزل المراد تفتيشه بارتكاب جناية أو جنحة أو باشتراكه في ارتكابها أو إذا وجدت قرائن تدل على أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة).

في حين أن المشرع الجزائري لم يعرف التفتيش في المواد القانونية الواردة في قانون الإجراءات الجزائية، و عليه يمكن القول أن التفتيش يتميز بخصائص تجتمع فيه و يتألف منها ج وهره، فهو يباشر بغض النظر عن إرادة من يقع عليه في شخصه أو مسكنه، ما يعرف بالإكراه أو الجبر، ثم يمس بحرمة القانون و أخيرا يبحث عن الأدلة المادية، و في ما يلي سوف نتطرق إلى خصائص و مميزات التفتيش.

المطلب الثاني : خصائص التفتيش

يتضمن التفتيش ثلاث خصائص: الجبر أو الإكراه، المساس بحق السر، البحث عن الأدلة المادية.

1 الإكراه أو الجبر:

هو تعرض قانوني لحرية المتهم الشخصية أو لحرمة مسكنه بغير إرادته و رغما عنه، فالقانون يوازن بين حق المجتمع في العقاب دفاعا عن مصالحه التي تنتهك بارتكاب الجرائم و بين مدى تمتع الفرد بحريته أمام هذا الحق، فيبيح إجراء التفتيش جبرا، و رغم إرادة صاحبه، و يستوي في ذلك أن يتعلق الإجراء بشخصه أو بمسكنه أو برسائله، و ما دام الإكراه عنصر أساسي في التفتيش فان الإجراء الذي لا تتوفر فيه تلك الخاصية لا يمكن اعتباره تفتيشا بالمفهوم القانوني، و حسب هذا المفهوم فان الرضا الصريح من صاحب المسكن لإجراء التفتيش وفقا للشروط القانونية، المنصوص عليها في الماد ة 64 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري ينفي عنصر الإكراه، و عليه فالإشكال المطروح هو عدم توفر عنصر الإكراه، و رغم ذلك فانه يعتبر تفتيشا قانونيا.

2 ـ المساس بحق السر:

يقصد بحق السر حق الإنسان في الحرمة في ذاته أو مسكنه أو رسائله، و الواقع أنه لا يقصد بحرمة المسكن أو الرسائل حماية حق ملكية هذه الأشياء أو حق مالي آخر، لأن هذه الحقوق محل تنظيم خارج هذه القاعدة، و بمعنى أخر أن الملكية ليست شرطا لازما لوجود حرمة المسكن أو الرسائل، فمثلا من يقيم في مسكن بمقتضى عقد الإيجار و حتى بدون مقابل على سبيل التسامح من المالك الأصلي، فهو يتمتع بحرمة هذا المسكن، ففي هذه الحالة فان الإنسان يتمتع في ذاته بحقوق غير مالية يطلق عليها: الحقوق أو الحريات الشخصية مثل حريته البدنية و حقه في الحياة و حقه في سلامة جسده و صحته، فقاعدة حرمة المسكن إذن أو شخصية الإنسان أو الرسائل هي امتياز استثنائي لا تتمتع به الأشياء الأخرى، و هو الحق في السر، إذا كان التفتيش إجراء يمس بحق السر فهو حق فردي فإنه لا يمكن المساس بهذا الحق إلا إذا وجدت المصلحة الاجتماعية التي تحرك وجود المساس به و هي وقوع الجريمة و وجود قرائن قوية على أن صاحب حق السر فاعل أو شريك فيها، أو يحوز على أشياء تفيد في كشف الحقيقة.

3 ـ البحث عن الأدلة المادية للجريمة:

لقد رأينا أن الغرض من التفتيش هو الوصول إلى الأدلة المادية، و هذا أمر حيوي في التحقيق الجنائي، و لهذا خول القانون للسلطة القضائية المختصة حق تفتيش المسكن رغم ما ينجر عنه من مساس بحرية المتهم و بحقه في السرية لمصلحة المجتمع، و خاصة أن عبء الإثبات يقع على عاتق النيابة العامة، لأن الأصل في الإنسان البراءة، و من ثم فان إسناد الجريمة إلى شخص يقضي إقامة دليل على صلته بها. و إذا كانت وسائل الإثبات تهدف جميعا إلى الكشف عن الحقيقة فالدليل قد يكون قويا كالاعتراف و شهادة الشهود، و ينتج الأول من جراء استجواب المتهم، و الثاني يأتي على لسان من لديهم معلومات حول الجريمة، أما الأدلة المادية فهي الأشياء التي يتمكن المحقق من الوصول إليها بالمعاينة و التفتيش و الضبط و أعمال الخبرة، و هذا ما يميز التفتيش عن غيره من الإجراءات كالخبرة، الاستجواب، شهادة الشهود...الخ.

المبحث ا لثاني : صور التفتيش:

لقد رأينا أن الهدف من التفتيش بالمعنى القانوني هو البحث عن الأدلة المادية للكشف عن الحقيقة فإذا كان إجراء التفتيش لا يستهدف هذه الغاية فلا يعد تفتيشا بالمعنى المقصود في القانون، و لقد سبق و أن عرفنا أن التفتيش القانوني هو الذي رخص المشرع فيه التعرض لحرمة ما بسبب جريمة وقعت و ذلك تغليبا للمصلحة العامة على مصالح الأفراد الخاصة، و احتمال الوصول إلى دليل مادي يفيد في كشف الحقيقة، و التفتيش بهذا المعنى يختلف مع صور أخرى يطلق عليها اصطلاح التفتيش: كالتفتيش الوقائي، التفتيش الإداري، و التفتيش بحكم الضرورة، و سوف نتناولها بالتفصيل فيما يلي:

المطلب الأول : التفتيش الوقائي:

هو ذلك التفتيش الذي يهدف إلى تجريد المقبوض عليه أو شخص مما يحمله من أسلحة أو أدوات أخرى قد يستعين بها على الإفلات من القبض عليه، كأن يقوم أحد مأموري الضبط القضائي بإلقاء القبض على شخص و اقتياده إلى مركز الشرطة و خشية الاعتداء عليه يقوم العون بالتفتيش، ففي هذه الحالة فان الإجراء مسموح به، فإذا أسفر عن حالة التلبس كان الدليل المستمد منها صحيحا (إجراء صحيح)، و التفتيش الوقائي لا يستلزم نصا يبيحه بل هو إجراء تمليه الضرورة و الأمن.

المطلب الثاني : التفتيش الإداري:

هو إجراء لا علاقة له بأدلة جريمة معينة و لا يعد تفتيشا بالمعنى القانوني، فلا يستلزم إجراءه توفر دلائل على وقوع الجريمة أو صفة الضبطية القضائية على من يجريه أو يقوم به، فيكون هذا التفتيش جائزا بمقتضى نص قانوني تنظيمي أو بالاتفاق.

1 ـ التفتيش الإداري بالنص القانوني:

قد يجبر القانون أحيانا إجراء تفتيش إداري كاحتياط لمنع وقوع الجريمة، و مثال ذلك تفتيش مأموري السجن للزوار المشتبه فيهم، و إذا رفض أو اعترض الزائر عن التفتيش جاز منعه من الزيارة. في هذه الحالة فإن التفتيش تقتضيه متطلبات حفظ النظام و الأمن في السجون، و كذلك تفتيش المسجونين عند دخولهم إلى السجن أو أثناء قضاءهم مدة السجن المحكوم بها، و هذا ما يمليه القانون الداخلي للسجون، و كذلك التفتيش الذي يقوم به رجال الجمارك في النقاط الحدودية في تفتيش الأشخاص و الأمتعة طبقا للقانون الخاص بالجمارك، و كذا تفتيش الجمهور من طرف أعوان أمن الملاعب.

2 ـ التفتيش الإداري بالاتفاق:

يمكن أن يجرى التفتيش الإداري بناءا على اتفاق مسبق بين من يقع عليه التفتيش و القائم به، و مثال ذلك تفتيش العمال في بعض المؤسسات أو المصانع عند مغادرتهم أماكن عملهم، فبمجرد الاتفاق المبرم بين العامل و الشركة و هذا الاتفاق قد يكون ثابت في عقد عمل أو بناء على ما جرى عليه الحال حسب طبيعة نشاط المؤسسة.

المطلب الثالث : التفتيش بحكم الضرورة:

لا   يوجد نص يبيح هذا الإجراء و لا اتفاق يبرر ذلك، لكن الظروف و الضرورة الملحة تقتضي ذلك، و ذلك ما يقوم به رجال الإسعاف من البحث في ملابس شخص في حالة غيبوبة أو مصاب قبل نقله إلى المستشفى لجمع ما لديه من وثائق و التعرف على هويته، و هذه الأعمال تمليها خدماتهم و ليس من شأنها أن يكون اعتداء على حرية المريض المصاب، كما أنه لا يختلف الأمر في هذه الحالة إذا ما قام بهذا العمل رجال أحد مأموري الض بط القضائي أو رجال السلطة، و الحكمة من القيام بهذا الإجراء أن الرجل المصاب غير قادر على التعبير عن إرادته، و في جميع الأحوال فمتى تم التفتيش الإداري صحيحا و أسفر على دليل يتعلق بالجريمة، جاز الاستناد إلى هذا الدليل في إدانة المتهم، حيث يعتبر دليل ناتج عن إجراء مشروع.

الفصل الثاني : الشروط القانونية المتعلقة بالتفتيش و آثاره:

لقد رأينا بأن التفتيش إجراء قانوني يمس بالحرية الشخصية، و عليه فقد حرست كل القوانين على إحاطته بشروط و ضمانات أساسية الهدف منها تحقيق الموازنة بين المصلحة الاجتماعية و ردع المجرمين، و بين حقوق الفرد و حرياته الأساسية، و هذه الشروط التي يجب توفرها لإجراء التفتيش منها ما هي شكلية و منها ما هي موضوعية، و فيما يلي سوف نتناول الشروط الموضوعية لإجراء التفتيش و التي هي اثنتان: سبب التفتيش و محل التفتيش.

المبحث الأول : الشروط الموضوعية:

المطلب الأول : سبب التفتيش

أ ـ الحصول على دليل في الجريمة : يعني هذا وجود دليل أو قرائن في مسكن شخص تدل على ارتكابه الجريمة تدفع السلطة المختصة إلى إصدار قرارها بالتفتيش، و نقصد بالسلطة المختصة قاضي التحقيق أو النيابة العامة، و لقد نوه المشرع الجزائري إلى سلطات إصدار الأمر بالتفتيش في المادة 44 ق.إ.ج.ج.

ب ـ الحصول على الإذن بالتفتيش : و لقد أشارت نفس المادة على أن الإذن بالتفتيش تفويض تصدره سلطة قضائية (قاضي التحقيق أو وكيل الجمهورية) إلى أحد مأموري الضبط القضائي مخولا له إجراء التفتيش الذي تختص به تلك السلطة، و بعبارة أخرى هي ندب أحد ضباط الشرطة القضائية للقيام بالتفتيش.

و لقد جاء في المواد 44 إلى 47 ق.إ.ج.ج الشروط الواجب توفرها لصحة التفتيش أو الإذن، و إلا كان باطلا، و هذه الشروط منها ما يتعلق بمصدر الإذن و منها ما يتعلق بمن يصدر له الإذن، و منا ما يتعلق بالإذن نفسه من حيث الشكل و الموضوع.

1 ـ من حيث مصدر الإذن:

يصدر الإذن بالتفتيش من وكيل ال جمهورية أو قاضي التحقيق المختصين إقليميا، ونفهم ذلك من نص المادة 44 ق.إ.ج.ج:(...إلا بإذن مكتوب صادر عن وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق...)

2 ـ لمن يصدر له الإذن:

يصدر الإذن بالتفتيش إلى ضباط الشرطة القضائية، و عليه فلا يجوز ندب أعوانهم، و هذا ما يفهم من نص نفس المادة، و يعني ذلك وجوب توفر صفة الضبطية القضائية في القائم بالتفتيش.

3 ـ شروط صحة الإذن بالتفتيش:

ـ أن يكون الإذن مكتوبا و مؤرخا و موقعا عليه ممن أصدره و يذكر فيه اسم من أصدره و وظيفته.

ـ أن يكون صريحا في الدلالة على التفويض في مباشرته، ويتضمن صفته و وظيفته(المأذون له بالتفتيش)؟

ـ أن يحدد في الإذن التفتيش نوع الجريمة و الأشياء التي يجرى من أجلها التفتيش (موضوع التفتيش).

ـ أن يحدد محل التفتيش: تحديد المسكن و الشخص المراد تفتيشه تحديدا دقيقا.

أ ثار الإذن بالتفتيش :

يترتب على صدور الإذن بالتفتيش السلطة التي يملكها النادب في ممارسة هذا الإجراء و منها يجب عليه أن يلتزم بذات القواعد التي يتقيد بها النادب و التي لا يجوز تجاوزها و متى قام ضباط الشرطة القضائية بتنفيذ الإذن يكون هذا الإذن قد انتهى مفعوله فلا يجوز القيام بتفتيش أخر بمقتضاه و لو في نفس الجريمة التي صدر الإذن من أجلها، و الإشكال الذي يتصور هنا هو: هل لسلطة التحقيق الحق في إعادة الأعمال التي قام بها ضابط الشرطة القضائية المنتدب للتفتيش متى رأت عدم صحتها أو عدم اكتمالها؟ في الحقيقة في حالة الندب القضائي يعد هذا الإجراء كما لو كان القاضي قد أجراه بنفسه، فلا يملك قاضي التحقيق إبطال عمل أتاه هو بل تختص غرفة الاتهام وحدها لتقرير البطلان.

المطلب الثاني : محل التفتيش

يقصد بمحل التفتيش المستودع الذي يحتفظ فيه المرء الأشياء المادية التي تتضمن سره، و هذا يفرق عن السر الذي يحتفظ به الشخص في ذات نفسه، و ليس موضوعا للتفتيش و يمكن الكشف عنه عن طريق الاستجواب أو الوسائل العلم ية المختصة. إن التفتيش قد يقع على مسكن و قد يقع على شخص أو على الرسائل، و هذه الحال لها حرمة في نظر القانون، و في جميع الأحوال يشترط أن تتوفر بعض الشروط في محل التفتيش التي نتطرق إليها فيما يلي:

1 ـ أن يكون محل التفتيش معينا: أن يكون محل التفتيش خاصا و ليس عام، و يجب تحديد الشخص بصفته و تعيين محل إقامته.

2 ـ أن يكون المحل مما يجوز تفتيشه: القاعدة العامة أنه متى توفرت شروط التفتيش التي سبق شرحها أمكن إجراؤه في أي محل يفيد التوصل إلى الحقيقة للجريمة، إلا أن القانون أضفى لبعض المحال حصانة معينة، بذلك لا يصح تفتيشها رغم وجود قرائن و أدلة تفيد الوصول إلى الكشف عن الحقيقة في الجريمة، و هذه الحصانة القانونية أضفاها القانون لاعتبارات معينة و لمصالح فردية و جماعية، و أهم هذه الحصانات: الحصانة الدبلوماسية، و الحصانة البرلمانية، و حق الدفاع.

أ ـ الحصانة الدبلوماسية:

إن المقرر في العرف الدولي لاعتراف بحصانات معينة للمبعوثين الدبلوماسيين في أشخاصهم و أماكن إقامتهم و مقرات عمل هم، و أهما عدم الخضوع للإجراءات الجنائية في إقليم الدولة المبعوثين إليها.

و هذه الحصانة تحيط بهؤلاء الأشخاص خلال الفترة التي يتمتعون فيها بالصفة الدبلوماسية، و إذا زالت تلك الصفة زالت تلك الامتيازات، و تمتد هذه الحصانة إلى:

مقر البعثة :

و هو المكان الذي تتخذه البعثة الدبلوماسية مركزا لمباشرة مهامها، و يتمتع هذا المقر بالحصانة المطلقة، فلا يجوز للسلطات الوطنية إجراء أي تفتيش أو دخولها إلا في حالة الضرورة كشب حريق مثلا أو فيضانات لمد يد المساعدة للأشخاص الذين هم في حالة خطر، و تمتد الحصانة لمقر البعثة إلى كافة توابعها.

الحصانة الشخصية :

يتمتع المبعوثون الدبلوماسيون بحصانة شخصية لا يجوز القيام بأي إجراء من شأنه المساس بالحرية الفردية مثل القبض أو التفتيش، كما لا يجوز لهؤلاء المبعوثين التنازل عن هذه الحصانة كونها مقررة لمقتضيات الوظيفة و مصلحة الدولة التي أوفدتهم إلا بتصريح من رئيس البعثة إذا تعلق الأمر بأحد المبعوثين أو من دولت ه إذا تعلق الأمر برئيس البعثة و تشمل الحصانة أفراد أسرة المبعوثين.

حصانة المراسلات :

تتمتع مراسلات الدبلوماسيين بالحصانة، فلا يجوز ضبطها أو مصادرتها أو الإطلاع عليها، كما لا يجوز مراقبة المكالمات التلفونية أو البرقيات حتى لو كان ذلك يفيد الكشف عن الحقيقة في الجريمة.

ب ـ الحصانة البرلمانية:

يتمتع أعضاء البرلمان بحصانة خاصة تمنع من اتخاذ إجراءات جنائية ضدهم دون إذن من المجلس التابعين له، و يبقى الأعضاء تحت حماية البرلمان خشية أن تتخذ السلطة التنفيذية إجراءات ضدهم بسبب ما يبدونه من آراء داخل المجلس إزاء السلطة الموجودة في الحكم، و هذا الإجراء نتيجة ضرورة من مبدأ الفصل بين السلطات و هي من النظام العام، و يتمتع النائب بالحصانة البرلمانية خلال مدة نيابته، ولقد نص المشرع الجزائري عن هذه الحصانة في دستور 1996 في المواد: 109 إلى 111.

ج ـ حق الدفاع:

نجد أن المشرع يحرص على كفالة حقوق الدفاع ، و يجب صيانتها من الاعتداء عليها بأي طريق، فيخضع الاتصالات بين المتهم و محاميه أيا كانت وسيلة الاتصال لحصانة مطلقة.

كما أن القانون لا يجيز ضبط الأوراق و المستندات التي سلمها المتهم للمدافع عنه أو المراسلات المتبادلة بينهما.

1 ـ المسكن:

المقصود بالمسكن المكان الذي يأوي إليه الإنسان و يتخذه مقرا له، أو المكان المسكن أو المعد للسكن، و لقد عرفت المادة 355 من قانون العقوبات الجزائري المسكن بأنه:(يعد منزلا مسكونا كل مبنى أو دار أو غرفة أو خيمة أو كشك و لو متنقل متى كان معدا للسكن و إن لم يكن مسكونا وقتذاك و كافة توابعه مثل الأحواش و حظائر الدواجن و مخازن الغلال و الإسطبلات و المباني التي توجد بداخل السياج أو السور العمومي).

و لما كان المسكن بالمعنى السالف الذكر يعد مستودعا للسر فإن أحكام التفتيش تحمي حرمة المسكن و لا يباح الدخول إليها إلا بإذن صاحب المسكن المادة 64 من ق.إ.ج.ج أو الإذن بالتفتيش الصادر عن السلطة القضائية المواد 44 من ق.إ.ج.ج في حالات العكس و إلا يعد تعسفا و انتهاكا لحرمة المسكن المعاقب عليها في المادة 295 من قانون العقوبات الجزائري.

2 ـ السيارات:

لقد ثار الخلاف عما إذا كانت السيارة من قبيل المساكن أم لا؟ فالبعض يرى أن السيارة تتمتع بحرمة المسكن سواء كانت في داخل المسكن أو خارجه، و يرى البعض الآخر أن السيارة امتداد للشخص (سائقها) فهي تخضع لقواعد التفتيش الخاص بالأشخاص.

و اعتقادنا نحن انه ما دام المشرع الجزائري لم يخصص نصوص صريحة بخصوص التفتيش في السيارات، و بالرجوع إلى المادة 355 من قانون العقوبات الجزائري فإن السيارة إذا كانت داخل المسكن بمفهوم المادة السالفة الذكر فإنها تعتبر تابعة أو من توابع المسكن بحكم أنها من امتداد للمسكن سواء كانت داخل مستودع أو في الساحة المحاطة بالسياج أو السور أما إذا كانت خارجة فلا تعد مسكنا، و كذلك إذا كانت سيارة مجهزة و معدة للسكن كالعربات المتنقلة فيمكن اعتبارها مسكنا، أما بخصوص السيارات العامة و الحافلات و المركبات العامة...الخ الأخرى المعدة للعامة فلا نضفي عليها صفة المسكن، و بذلك لا يطبق عليها أحكام التفتيش القانو ني

3 ـ الأشخاص:

إن المشرع الجزائري لم يضع قواعد خاصة في شأن تفتيش الأشخاص و إنما اقتصر على المساكن فقط، لكن تفتيش الأشخاص كتفتيش المساكن فهو إجراء من إجراءات التحقيق، فلا يصح أن تأمر به سلطة التحقيق إلا إذا وقعت الجريمة و قامت قرائن على شخص معين أي وجود دلائل ما يكفي للتعرض لحرية المتهم الشخصية.

و من هذا المنطلق فان تفتيش الشخص جائز في الحالات التي يجوز فيها تفتيش المسكن، إلا أن تفتيش الشخص لا يقاس على تفتيش المسكن فهو يقاس على القبض، لأن حرية الشخص منفصلة عن حرية مسكنه.

تفتيش الأنثى :

بخصوص تفتيش الأنثى لم ينص عليه المشرع الجزائري لكن باعتباره من الآداب العامة، فلا يجب انتهاكها و إلا اعتبر انتهاك عرض المعاقب عليه في قانون العقوبات، وإنما يجب تفتيشها بمعرفة أنثى ينتدبها قاضي التحقيق أو ضابط الشرطة القضائية.

المبحث الثاني : الشروط الشكلية:

إن الإجراءات ال شكلية للتفتيش هي تلك الإجراءات التي تحيط المتهم بضمانات حماية الحريات الفردية، ضد التعسف، غايتها تحقيق الموازنة بين المصلحة العامة للجماعة و المصلحة الخاصة للمتهم، و قد تختلف هذه الشروط حسب اختلاف نظام التحقيق الجنائي السائد و نميز نظامين:

1 ـ النظام الإتهامي: الذي يتميز بالعلانية في اتخاذ الإجراءات بحضور المتهم أو من ينيب عنه في تفتيش مسكنه.

2 ـ النظام التحري: الذي يتميز بالسرية في إجراءات التحقيق و سوف نتناول في الشروط الشكلية للتفتيش قواعد الحضور و شروط التوقيت و الإذن بالتفتيش.

المطلب الأول : قواعد الحضور:

و يقصد بقواعد الحضور الأشخاص الذين يستوجب حضورهم أثناء مباشرة عملية تفتيش المساكن، و عليه فمن هو الشخص الذي له الحق في الحضور أثناء إجراء عملية التفتيش؟ نصت المادة 45 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري ما يلي:

تتم عمليات التفتيش التي تجري طبقا للمادة 44 على الوجه الآتي:

1 ـ إذا وقع التفتيش في مسكن شخص يشتبه في أنه ساهم في ارتكاب الجناية فإنه يجب أن يحصل التفتيش بحضوره، فإذا تعذر عليه الحضور وقت إجراء التفتيش فإن ضابط الشرطة القضائية ملزم بأن يكلفه بتعيين ممثل له، وإذا امتنع عن ذلك أو كان هاربا استدعي ضابط الشرطة القضائية لحضور تلك العملية شاهدين من غير الموظفين الخاضعين لسلطته.

2 ـ وإذا جرى التفتيش في مسكن شخص يشتبه بأنه يحوز أوراقا أو أشياء لها علاقة بالأفعال الإجرامية فإنه يتعين حضوره وقت إجراء التفتيش، وإن تعذر ذلك اتبع الإجراء المنصوص عليه في الفترة السابقة.

و لضابط الشرطة القضائية وحده مع الأشخاص السابق ذكرهم في الفقرة الأولى أعلاه الحق في الإطلاع على الأوراق والمستندات قبل حجزها.

و نفهم من نص هذه المادة أن المتهم هو الشخص الذي له الحق في الحضور عند إجراء التفتيش لأن الإجراء يمس بحرمته، غير أنه أجاز القانون أن يندب غيره، و إذا تعذر ذلك وجب على القائم بالتفتيش أن يستدعي شاهدين، و نفهم من كلمة ينيب عنه أي شخص يعنيه و قد يكون محاميه.

حضور النيابة العامة :

لقد أوجب المشرع الجزائري على وكيل الجمهورية أيضا الحضور أثناء التفتيش الذي يجريه قاضي التحقيق طبقا للمادة 82 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري (...أن يباشر التفتيش بنفسه و أن يكون ذلك بحضور وكيل الجمهورية، مع مراعاة أحكام المادتين 45 و 47).

و نفهم من ذلك إجازة حضور وكيل الجمهورية إلى جانب المتهم أو من ينيبه أو صاحب المسكن كما تميله أيضا المادة 83 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.

حضور المحامي :

ليس هناك أي مانع لحضور محامي المتهم عند إجراء التفتيش، كون التفتيش يعتبر إجراء من إجراءات التحقيق و إن المشرع أجاز للمحامي حضور جميع مجريات التحقيق لأن المحامي و المتهم يعتبران شخص واحد.

آثار مخالفة قواعد الحضور :

يترتب على مخالفة قواعد الحضور المنصوص عليها في المواد 45 إلى 48 من ف.إ.ج البطلان، و قد نصت المادة 48: (يجب مراعاة الإجراءات التي استوجبتها المادتان: 45، 47 و يترتب على مخالفتها البطلان).

المطلب الثاني : أوقات إجراء التفتيش:

لقد نصت المادة 47 ق.إ.ج.ج على أنه: ( لا يجوز البدء في تفتيش المساكن أو معاينتها قبل الساعة الخامسة صباحا، ولا بعد الساعة الثامنة (8) مساء، إلا إذا طلب صاحب المنزل أو وجهت نداءات من الداخل أو في الأحوال الاستثنائية المقررة قانونا).

و يفهم من نص المادة 47 أن كل إجراء تفتيش يخرج عن الأوقات المحددة يعتبر إجراء باطل و قد يعاقب مخالفه على أساس انتهاك حرمة المسكن المنصوص عليه في قانون العقوبات في المادة 295، غير أنه يجوز الدخول إلى مساكن الغير في غير الساعات القانونية، في حالات استثنائية.

الحالات الاستثنائية (المادة 47 ق.إ.ج.ج):

لقد أجاز القانون دخول ضباط الشرطة القضائية المساكن دون الحصول على الإذن بالتفتيش سواء في الليل أو في النهار، و دون احترام الساع ات القانونية لضرورة ملحة و عاجلة و ربحا للوقت و هذه الحالات هي:

1 ـ في حالة تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر.

2 ـ في حالة نشوب حريق أو وقوع فيضانات أو الاستغاثة و طلب النجدة من الداخل.

3 ـ عندما يستدعي ضابط الشرطة القضائية من قبل صاحب المسكن الذي يطلب منه الانتقال إلى منزله لمعاينة جناية أو جنحة.

4 ـ في حالة الحجز التعسفي حيث ينبغي التدخل بسرعة لتحرير الرهينة و إنقاذ الضحية.

5 ـ الأماكن التي تستقبل عامة الناس بدون استثناء مثل المقاهي، الحانات، المحلات التجارية، و غيرها...الخ.

6 ـ الأماكن التي تمارس فيها الدعارة و فساد الأخلاق و في الأماكن التي تفتح لتجمع المدمنين على المخدرات.

7 ـ إذا تعلق الأمر بجرائم المخدرات أو الجرائم المنصوص عليها في المواد من 342 إلى 348 من ق.ع.ج المتعلقة بتحريض القصر على الفسق و الدع ارة.

8 ـ في الجرائم الموصوفة بأنها أعمال إرهابية أو تخريبية.

المطلب الثالث : الإذن بالتفتيش:

ندرس في هذا الجانب تعريف الإذن بالتفتيش، طبيعته و شروط صحته و أخيرا الآثار المترتبة عنه.

1 ـ التعريف:

الإذن بالتفتيش هو تفويض يصدر عن سلطة قضائية (قاضي التحقيق أو وكيل الجمهورية) إلى أحد ضباط الشرطة القضائية مخولا إياه إجراء التفتيش الذي تختص به تلك السلطة، و تسري على الإذن بالتفتيش أحكام الندب القضائي المنصوص عليها في المواد من 138 إلى 142 ق.إ.ج.ج.

2 ـ طبيعته:

يعتبر التفتيش إجراء من إجراءات التحقيق، و يترتب على ذلك قطع مدة التقادم في الدعوى الجنائية.

3 ـ شروط صحة التفتيش:

نصت عليها المادة 44 ق.إ.ج.ج و يفهم   من محتواها أن الإذن بالتفتيش يجب أن يتوفر على شرو ط عدة هي:

ـ أن يكون الإذن بالتفتيش مكتوبا و مؤرخا و موقعا عليه ممن أصدره.

ـ أن يكون صادرا عن الجهة القضائية المختصة إقليميا.

ـ أن يكون صريحا في الدلالة على التفويض في مباشرة التفتيش و يتضمن الصفة و الوظيفة للمأذون له بالتفتيش.

ـ أن يتضمن بيانات تحديد نوع الجريمة و المواد المعاقب عليها في القانون.

أن يتضمن الأشياء التي يجري من أجلها التفتيش.

ـ أن يتضمن محل التفتيش، أي تحديد المسكن و صاحبه و عنوانه تحديدا دقيقا و واضحا.

4 ـ آثار الإذن بالتفتيش:

يترتب على المأذون له بالتفتيش (ضابط الشرطة القضائية) تمتعه بالسلطة التي يملكها قاضي التحقيق في ممارسة هذا الإجراء و من ثم فإنه يتقيد بنفس القواد التي يتقيد بها قاضي التحقيق و لا يستطيع تجاوزها، و تصبح إذن عملية التفتيش التي قام بها ضابط الشرطة القضائية تكتسي نفس القوة الت ي تكتسيها إجراءات التحقيق التي تقوم بها سلطة التحقيق.

و السؤال الذي يطرح هو: هل يمكن لسلطة التحقيق إعادة الأعمال التي قام بها ضابط الشرطة المنتدب للتفتيش متى رأت عدم صحتها أو عدم اكتمالها؟

لقد استقر الفقه و القضاء على أن العمل الذي يباشره ضباط الشرطة القضائية بموجب الندب يعد كما لو كان القاضي هو الذي أجراه بنفسه و بالتالي لا يملك قاضي التحقيق الحق في إطار عمل أتاه هو، في حين تختص غرفة الاتهام وحدها بالتقرير بالبطلان كما جاء في المواد المتعلقة ببطلان إجراءات التحقيق في المواد من 157 إلى 161 ق.ا.ج.ج.

المبحث الثالث : آثار التفتيش:

المطلب الأول : ضبط الأشياء:

الأثر المباشر لتفتيش هو ضبط الأدلة التي تفيد الكشف عن الحقيقة، و ما دام الضبط أثر مباشر للتفتيش، فتنطبق بشأنه نفس القواعد التي تنطبق على التفتيش و يؤدي بطلانه إلى بطلان الضبط.

لقد نص المشرع الجزائري على ضبط الأشياء المادية من جراء التفتيش في المواد 45 إلى 48 ق.إ.ج.ج، في حالة الندب بالتفتيش لضباط الشرطة القضائية، والمواد 81، 83، و 84 في حالة قيام قاضي التحقيق بنفسه إجراء التحقيق إلا أن نفس الأحكام و الشروط المنصوص عليها بمقتضى شروط التفتيش يجب على سلطة التحقيق أو ضباط الشرطة القضائية مراعاتها أثناء مباشرة التفتيش و ضبط الأشياء.

1 ـ ما يقع عليه الضبط:

نفهم مما جاء في المادة 84 ق.إ.ج.ج ما يلي: يقع الضبط على الأشياء المادية بوجه عام و تتمثل في: الأشياء، الأوراق، الوثائق، الطرود البريدية، الجرائد، المطبوعات، الأدوات و كل الأشياء المادية الأخرى المفيدة لإظهار الحقيقة، و يطلع على الأشياء المضبوطة النيابة العامة أو قاضي التحقيق بحضور المتهم أو الحائز لها أو المرسل إليه (الرسائل)، و يستثنى من ضبط الأوراق و المستندات التي يسلمها المتهكم لمحاميه احتراما لحق المتهم في الدفاع عن نفسه و يمكن لقاضي التحقيق الإطلاع عليها بحضور المتهم لسرية التحقيق.

2 ـ وضع الأشياء المضبوطة في أحراز مختومة< /U>:

لا يجوز فض الأختام على الأحراز إلا بحضور المتهم أو وكيله أو من ضبطت لديه الأشياء طبقا لنص المادة 84/1 من ق.إ.ج.ج.

و توضع الأشياء المضبوطة في أحراز مختومة و يشار عليه تاريخ الضبط و الموضوع الذي حصل الضبط من أجله و لا تفتح هذه الأحراز إلا بحضور المتهم مصحوب بمحاميه أو حضور كل من ضبطت لديه هذه الأشياء لدى قاضي التحقيق (م: 84/3 من ق.إ.ج.ج).

و من خلال ما سبق تفسيره في ضبط الأشياء و المستندات نصل إلى نتيجتين هما:

1 ـ النتيجة الأولى: أن الضبط لا يقع على شيء إلا بوصفه دليل من أدلة الجريمة التي يجري التفتيش بشأنها.

2 ـ النتيجة الثانية: لما كان التفتيش يجري للكشف عن الحقيقة المجردة سواء تعلقت تلك الحقيقة في إدانة المتهم أو براءته فإنه ينبغي ألا يقتصر الضبط على الأشياء التي قد تؤدي إلى إدانة المتهم فقط بل لا بد أن ينص أيضا على الأشياء التي تفيد في الكشف عن الحقيقة جميعا و إن أدت إلى تبرئة المتهم و يجب أن يدخل في ذهن المحقق انه ليس ممثلا لل اتهام بقدر ما هو ممثل للعدالة.

المصادرة :

و لقد يلفت انتباه الضباط القائمين بالتفتيش أثناء مباشرة عملية التفتيش إلى أشياء يكون مصدرها مرتبطا بارتكاب جنحة أو جريمة غير تلك التي تكون محل التفتيش الجاري.

في هذه الحالة تختلف مصادرتها حسب الحالات:

1 ـ إذا كانت هذه الأشياء تعد في حد ذاتها جريمة في نظر القانون كالعثور على مخدرات مثلا أو أسلحة بدون رخصة، ففي هذه الحالة استقر الفقه القانوني على إمكانية مصادرتها، مستقلة عن الأشياء المضبوطة في الجريمة الأصلية لأننا نكون أمام حالة تلبس بجريمة الناتجة من جراء إجراء مشروع و قانوني و يحرر محضر المصادرة مستقلا عن محضر الضبط للجريمة محل التفتيش الأصلي.

2 ـ أما إذا كانت هذه الأشياء تلفت الشكوك و احتمال وجود صلة بارتكاب جريمة أخرى و في هذه يلجأ ضابط الشرطة القضائية إلى سلطة التحقيق المختصة لتصدر أمرا مستقلا يخوله ضبطها، و هذا حسب رأينا الخاص كون المشرع الجزائري لم يدرج نصوصا تتعلق بمثل هذه ال حالات الخاصة.

المطلب الثاني : تحرير محاضر التفتيش:

القاعدة العامة أن كل أعمال التحقيق ينبغي إثباتها بالكتابة و يطلق عليها اسم محضر

1 ـ تعريف المحضر:

المحضر هو الشهادة المكتوبة التي يعلن بمقتضاها المحققون و رجال السلطة القضائية ما شاهدوه من وقائع و ما اتخذوه في شأنها من إجراءات و ما توصلوا إليه من نتائج.

و عليه فالسؤال الذي يطرح: ماذا يثبت في المحضر من جراء التفتيش؟

2 ـ بيانات محضر التفتيش:

أ ـ الكتابة : يشترط أن يكون المحضر مكتوبا.

ب ـ التاريخ : أن يحمل تاريخ تحريره و توقيع محرره كما يجب أن يحتوي على كافة الإجراءات المتخذة بشأن الوقائع التي يثبتها، و التاريخ يفيد تحديد اليوم الذي اتخذ فيه الإجراء و يفيد ذلك لحساب مدة التقادم بالنسبة للدعوى العمومية.

ج ـ التوقيع : التوقيع على المحضر من طرف الشخص الذي حرره و يصبح بذلك القيمة القانونية على المحضر و إلا لا يكون مشروعا، كما يفيد التوقيع معرفة من قام بهذا الإجراء و يهم هذا في تحديد الاختصاص و السلطات المخولة للقائم بالتفتيش و يتبع التوقيع بيان اسم و صفة القائم بتحرير المحضر.

3 ـ بيانات الإجراءات المتخذة :

ينبغي أن يحتوى المحضر على كافة الإجراءات التي اتخذها القائم بالتفتيش، و من ثم فكل إجراء لا يذكر في المحضر يفترض انه لم يتم، و عليه يجب على القائم بالتفتيش وصف المكان وصفا دقيقا و كذا الأشياء التي عثر عليها في المكان.

4 ـ بيانات القائم بالتفتيش :

الأصل أن يكون المحضر محررا بمعرفة موظف مختص نوعيا ومحليا كون أن القانون جعل لبعض المحاضر قوة الإثبات، و إذا رجعنا إلى قانون الإجراءات الجزائية الجزائري فانه خول صلاحيات القيام بالتفتيش للسلطة الأصلية و هي سلطة التحقيق و ضباط الشرطة القضائية على سبيل الانتداب، فقد نص المشرع على أعمال التفتيش و تحرير المحاضر بالنسبة لسلطة التحقيق في المواد من 79 إلى 87 أما بالنسبة لضباط الشرطة القضائية عن طريق الندب القضائي الخاص بالجنايات و الجنح المتلبس بها لاسيما المواد: 44، 45، و 47 و كذلك في المادة 64 ق.إ.ج.ج في حالة التحقيق الابتدائي المتعلق برضا صريح و مكتوب من صاحب المسكن، و لقد نصت المادة 45 ق.إ.ج.ج أنه على ضابط الشرطة القضائية القائم بالتفتيش أن ويحرر جرد الأشياء والمستندات المضبوطة.

أما بخصوص قاضي التحقيق فلقد نصت المادة 84 ق.إ.ج.ج في فقرتها الثانية و الثالثة على أنه يجب على قاضي التحقيق إحصاء الأشياء و الوثائق المضبوطة و وضعها في أحراز مختومة، وبخصوص تحرير المحضر فقد خول القانون الحق لقاضي التحقيق الاستعانة بكاتب التحقيق طبقا لنص المادة 79 ق.إ.ج.ج.

المطلب الثالث : البطلان:

بما أن التفتيش عبارة عن الاعتداء على حرمة الشخص أو المسكن و انتهاك حق السر موازنة مع المصلحة العامة و عليه فعلى الأجهزة المختصة أن تعمل وفقا لقواعد قانونية معينة تحمي حقوق المواطنين و تصونها من التعسف و إساءة استعمال السلطة، و عليه تخضع هذه الأعمال إلى شروط شكلية و موضوعية تم التطرق إليها من قبل، و إذا اختلف احد هذه الشروط يترتب عليه بطلان هذا الإجراء.

1 ـ البطلان الموضوعي:

يكون البطلان موضوعيا متى كان راجعا إلى تخلف أحد الشروط الموضوعية، و هي: السبب و المحل، و يعتبر فقهاء القانون أن حالة البطلان عند الإخلال بأحد الشروط الموضوعية من النظام العام لأنه متى انعدم أو تغيب أحد مقومات وجود الحق في الإجراءات كانت مباشرته متعارضة مع الصالح العام و الحريات الشخصية.

2 ـ البطلان الشكلي:

يكون البطلان الشكلي متى كان مباشر الإجراء قد خالف أحد الشروط الخارجية التي يتطلب القانون إفراغ الإجراء فيها و إحاطته بها عند تنفيذه و يعني ذلك انه يحدد لإجراء التفتيش إشكالا يجب الالتزام بها عند ممارسة الإجراء، و الهدف من ذلك هو ضمان غاية معينة تتعلق بمصلحة الخصوم.

أما المشرع الجزائري لم ينص على أنواع البطلان و لم يحدد البطلان الشكلي أو الموضوعي بل اكتفى بالقول في المادة 48 من ق.ا.ج.ج على ما يلي: (يجب مراعاة الإجراءات التي استوجبتها المادتين 45 و 47 و يترتب على مخالفتها البطلان).

و يعني ذلك مراعاة الشروط الشكلية و الموضوعية لصحة إجراء التفتيش المنصوص عليه في المواد 45 و 47 التي تم التطرق إليها بالتفصيل عند دراستنا للشروط القانونية للتفتيش.

الخاتمة :

خلاصة لهذا البحث المتواضع الذي عالجنا من خلاله موضوعا صعبا للغاية و متشعبا و حساسا جدا، كونه يتعلق بإجراء خطير يباشره ضابط الشرطة القضائية في تأدية مهامه تحت إشراف السلطات القضائية، كون هذا الموضوع يتعلق أساسا بالمساس بالحريات الفردية و المجتمع و حق السر للفرد مما يصعب التوازن بين مصلحة المجتمع و المصلحة الشخصية للفرد.

و نتمنى من كل أعماقنا أن نكون قد وفقنا الله من رفع بعض الالتباسات و توضيح بعض التساؤلات و جوانب غامضة و نقاط حساسة و مهمة من اجل إنارة طريق محقق الشرطة في ظل هذا النظام التعددي و الديمقراطي و تفادي الوقوع في أخطاء قد تؤدي إلى تلقي الصعوبات في عمله.

كما أن تطلعاتنا الأساسية تهدف بالدرجة الأولى إلى إعداد رجل أمن في مستوى تحديات القرن الذي بدون شك سيتحمل تحولات متنوعة و عميقة في المجالات السياسية و الاجتماعية و الثقافية تؤثر إفرازها السلبية في سلوك الأفراد و تؤدي إلى تطور و ارتفاع الجريمة.







حقوق المؤلف - أحكام التفتيش في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري - moussaada
شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية


-----






--





palmoon tool bar
privacy policy