صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







نظرية الإثبات في التشريع الجنائي المغربي
شؤون قانونية




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية






***

نظرية الإثبات في التشريع الجنائي المغربي



بحث حول: المشهد السياسي المغربي على ضوء الانتخابات المحلية ٢٠٠٩ في الم - نظرية الإثبات في التشريع الجنائي المغربي - الإعفاءات القانونية والاتفاقية لمسؤولية الناقل الجوي بالمغرب
شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية
****

طباعة
 

  تعريف الإثبات: لم يعرف المشرع المغربي الإثبات، لا في القانون المدني بقسميه ولا في القانون الجنائي، لذلك يمكن أن نعرف إثبات الجنائي بأنه هو إقامة الدليل على أن المتهم ارتكب الفعل المنسوب إليه.

لئن كانت وسائل الإثبات  أو أدلته تهيأ في المواد المدنية قبل النزاع وقبل إثارة الدعوى، فان العكس في المواد الجنائية هو الواقع لذلك فان الأدلة في الحقل المدني تختلف اختلافا  كبيرا عنها في الحقل الجنائي، فالمتعاملون في الحقل المدني يهيئون الدليل  قبل إقدامهم على أية معاملة قرض، بيع مناقلة،  الخ، أي في جميع التصرفات  القانونية، وأول هذه الأدلة وأقواها هو الكتابة، بينما في الحقل الجنائي فان الأفعال التي يقوم بها المتهم كلها مخالفة للقانون، لذلك يعمل جاهدا على إخفائها عن الأعين، الشيء الذي جعل المشرع يتوسع في إثبات الأفعال المخالفة للقانون وأجاز  إثباتها بجميع وسائل الإثبات كشهادة الشهود والقرائن.

 

طرق الإثبات :

للإثبات في المواد الجنائية  طريقتان :

1-  الطريقة القانونية (1): وهي الطريقة  التي رسمها القانون وحددها والتزم القاضي بإتباعها ويعرض  حكمه للنقض كلما خالفها (2) ويمكن أن نسمي  هذه الطريقة بالطريقة الموضوعية وهي بالحقل  المدني أليق منها بالحقل الجنائي وقد ظهرت هذه الطريقة لتحد من غلواء النظرية  الثانية التي تعتمد بالدرجة الأولى على قناعة  القاضي الوجدانية، وقد أخذت الشريعة الإسلامية بهذه  الطريقة في إثبات  جرائم الحدود، فألزمت القاضي بان يدين المتهم كلما أثبت خصمه بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو  أربعة شهداء في جرائم القذف (3)، وهذه الطريقة تجعل القاضي يصدر أحكاما ولو كان غير مقتنع  بها.

2-  الطريقة الوجدانية أو الشخصية، وهي التي تعتمد بالدرجة الأولى على  قناعة  القاضي  في كون المتهم ارتكب الفعل  المنسوب إليه أم لا.

ويستطيع أن يبعد شهادة الشهود وحتى اعتراف المتهم متى تبين له من خلال الوقائع والأحداث عدم صحتها، وهذه الطريقة هي أولى الطريقتين ظهرت في العالم القانوني ثم اختفت بعض الشيء أمام ظهور الطريقة القانونية. وفي  مطلع العصر الحديث بدأت في الظهور، وقد أخذت بها معظم الشرائع الحديثة، ومن جملتها التشريع المغربي الذي نص في الفصل 288 من قانون المسطرة  الجنائية على انه " يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل  الإثبات ما عدا في الأحوال التي  يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اعتقاده الصميم".

فإذا رأى أن الإثبات غير قائم قرر عدم إدانة الشخص المتهم وحكم ببراءته، إلا انه لا ينبغي أن يفهم  من هذا النص أو من طريقة الإثبات الوجداني أن القاضي  الجنائ ي في تكوين  قناعته  كيفما شاء بطريقة اعتباطية  وإلا لأصبح  يدين من يشاء، وإنما يجب  عليه أن يكون قناعته من الأدلة والحجج والمناقشات التي راجت أمامه ويعلل تكوين هذه القناعة  والطريقة التي سلكها في تكوينها.

وقد نص الفصل 289 من قانون المسطرة الجنائية على انه ( لا يمكن  للقاضي  أن يبني مقرره إلا على حجج عرضت أثناء الإجراءات ونوقشت شفاهيا وحضوريا أمامه) والفصل 290  من نفس القانون ينص على  انه إذا كان إثبات الجريمة متوقفا على حجة جارية عليها أحكام  القانون المدني فيراعى القاضي في ذلك  قواعد القانون المذكور.

فلإثبات جريمة خيانة الأمانة مثلا يجب إثبات الوديعة التي وضعت عند المتهم والوديعة تثبت إذا كانت قيمتها تفوق250 درهم.

أو غير محددة القيمة  بعقد كتابي،  كما نص على ذلك  الفصل 443 من قانون العقود والالتزامات ولا يمكن أن تثبت خيانة الأمانة متى تعدى المبلغ  المذكور، ولو أحضر المدعى الشخصي  الشهود الذين عاينوه وهو يدفع الأمانة للمتهم  أو المتهم وهو يبدد الأمانة لان القانون حدد إثبات  هذه الجريمة، لذلك نرى أن بعض الرواسب من الطريقة  القانونية لا زالت  موجودة  في التشريع  الجنائي الحديث.

عبء الإثبات:

من المبادئ العامة في القانون أن البينة  على المدعى لأنه هو الذي يدعي خلاف الأصل  في الحقل المدني بمفهومه الواسع  فعبء الإثبات إذا في الحقل الجنائي يقع على عاتق النيابة العامة باعتبارها تمثل المجتمع وتملك سلطة الاتهام، ولذلك يقال بان السلطة القضائية في الحقل الجنائي تتكون من شقين: سلطة الاتهام وسلطة الحكم. فالنيابة إذن باعتبارها سلطة الاتهام هي الملزمة بتقديم الدليل على أن المتهم الذي قدمته للمحاكمة هو الذي قام بالفعل، ويساعد النيابة العامة في هذه التهمة في بعض الأحيان الضحية الذي ينتصب مطالبا بالحق المدني  فللمتهم الماثل أمام المحكمة  أن ينكر الفعل ال منسوب إليه، وليس ملزما بتقديم دليل لتأييد إنكاره أو سبب لوقوع الفعل، والنيابة العامة  هي الملزمة بتقديم هذا الإثبات، إلا أن هناك بعض الحالات يجب فيها على المتهم أن يثبت ما يدعيه وذلك عندما لا ينكر الفعل المنسوب إليه، ولكنه يدعي سببا من أسباب التبرير(4) أو أسباب الإباحة، سوء كانت هذه الأسباب معفية من العقوبة تماما، أو منخفضة منها، فالمتهم الذي يدعي انه ارتكب جريمة قتل مثلا ولكن الدفاع عن نفسه يجب عليه أن يثبت حالة الدفاع الشرعي  المنصوص عليها   في الفصلين 124 و125 من القانون الجنائي، فالفصل 124 ينص على انه " لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة في الأحوال الآتية: 1 و2 و3 إذا كانت الجريمة قد استلزمتها ضرورة حالة للدفاع الشرعي عن نفس الفاعل أو غيره أو عن ماله أو مال غيره، بشرط أن يكون الدفاع  متناسبا مع خطورة الاعتداء".

1-  القتل والجرح والضرب الذي يرتكب ليلا لدفع تسلق أو كسر حاجز أو حائط مدخل دار أو منزل مسكوت أو ملحقاتهما.

2-  الجريمة التي ترتكب دفاعا عن ن فس الفاعل  أو  عن نفس غيره ضد مرتكب السرقة أو النهب بالقوة.

والمتهم الذي ضبط في يده المسروق ويدعي انه اشتراه أو تسلمه وديعة فعليه إثبات الشراء أو الإدلاء برسم  الوديعة أو شهود على ذلك، وكذلك من ضبط في حالة تلبس  بجريمة  الفساد  ويدعي أن شريكته هي زوجة له فعليه إثبات الزواج إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة، وكذلك من يدعي أن قام بجريمة الضرب المفضي إلى الموت مثلا لأنه كان في حالة استفزاز فعليه أن يثبت ذلك.

والقاضي الجنائي عند دراسته لأية قضية جنائية ينطلق من مبدأين اثنين:

1-  الأصل هو البراءة: بما أن كل إنسان يعتبر بريئا  إلى أن يدان  بمقتضى حكم  نهائي  وقد أصبح هذا المبدأ  دستوريا فانه يتعين على القاضي الجنائي :

أن ينظر إلى المتهم  الماثل أمام ه كشخص  برئ و لا يصدر حكمه  ولو نفسيا إلا بعد دراسة الملف والأدلة دراسة وافية ولا ينطلق من كون المتهم  من ذوي السوابق  أو أن صفته أو طريقته في الأجوبة أو إنكاره المطبق قرائن  على انه مجرم.

2-  الشك لمصلحة  المتهم : القاضي مدنيا كان أو جنائيا لا يصدر أحكامه إلا بعد أن تتكون عنده قناعة تامة ويقين ينتفي معه أي شك مهما كان ضئيلا، والقاضي  الجنائي مطالب بتكوين قناعته من صميم ضميره الحر  والوثائق والوقائع المكونة للقضية، لذلك يتعين عليه أن يصدر حكما  بالبراءة كلما خامره شك ينقص من يقينه واعتقاده  التأمين، ولقد صدق الرسول  عليه السلام الذي قال ( لئن  يخطئ  الأمام في العفو  أفضل من أن يخطئ في العقوبة) وقديما قيل ( تبرئة مائة متهم أفضل من إدانة برئ واحد)  لأنه ليس من مصلحة العدالة والمجتمع أن يدان  برئ  من اجل جريمة ارتكبها غيره وأي ظلم يشعر به برئ أدين غلطا.

وسائل الإثبات:

وسائل الإثبات هي الأدلة والطرق التي رسمها القانون أو التي سلكها القاضي في تكوين قناعته في جريمة معروضة أمامه ونسبها أو نفاها عن المتهم وهذه الوسائل (1) الاعتراف (2) المعاينة (3) الخبرة (4) شهادة الشهود (5) القرائن (6) الكتابة.

الاعتراف:

لم أبدأ وسائل الإثبات بالاعتراف باعتباره أهمها أو سيد الأدلة كما يقال، وحتى الترتيب المنطقي يفرض الابتداء بوسائل أخرى كالمعاينة والتفتيش لكن بدأت بالاعتراف  باعتباره معف للإثبات (6) إذ من المعلوم أن النيابة العامة أو المطالب بالحق المدني أو هما معا ملزمان بتقديم أدلة الإثبات إلى هيئة الحكم، أما إذا اعترف المتهم بان ما تدعيه النيابة العامة أو المطالب بالحق المدني صحيح وانه قام به فعلا فانه يعفي الجانب المدعى من الإثبا ت، هذا الاعتراف إذن هو إقرار المتهم على نفسه بأنه ارتكب الفعل الذي توبع من اجله والاعتراف باعتباره شهادة المرء على نفسه يكون أقوى دليل ضد المتهم ويجعل القاضي يصدر حكمه وضميره مرتاح مهما كان الحكم قاسيا.

لكن، للاعتراف في الميدان الجنائي غير ماله في الميدان المدني، وقد جرت العادة على تسمية الاعتراف في الميدان المدني والجنائي بالإقرار وان كان معناهما المعنوي واحد، في الميدان المدني، لا يمكن للقاضي أن يناقش هذا الاعتراف، ولا يجزئه، وهو يعتبر حجة قاطعة على ما صدر منه، والفصل 410 من قانون الالتزامات والعقود بينما الاعتراف في الميدان الجنائي كغيره من وسائل الإثبات، يمكن للقاضي أن يناقشه وان يجزئه وألا  يأخذ به إذا تبين له انه أخذ قهرا،  أو صدر عن متهم لا يتمتع  بكامل قواه العقلية أو إذا تبين كذلك من الوسائل الأخرى، وعلى كل فالقاضي الجنائي حر في الأخذ بالاعتراف أو عدم الأخذ به متى  تبين له انه غير حقيقي.

كيفية الحصول على الاعتراف :

 بمجرد وقوع الجريمة واتصال الخبر بالشرطة القضائية تقوم هذه الأخيرة بإجراء أبحاثها، وذلك إما بالانتقال إلى عين المكان، أو باستدعاء الأفراد  الذين وجدوا اقرب مكانا للجريمة، فتستمع إلى كل منهم على حدة وأثناء هذا البحث تضع يدها على المشبوه فيه أو فيهم، وتستنطقه على هذا الأساس وقد كان في الماضي يضرب  المشكوك فيه ضربا  مبرحا، ويكوى بالنار في المناطق الجسمانية من  جسمه ويغطس في الماء ويمثل به إلى أن ينزع منه الاعتراف وكثيرا ما يعترف المعذب كاذبا على نفسه إنقاذا لجسده من التعذيب والتنكيل. وقد كانت السلطة المكلفة بالبحث الإعدادي تنتزع الاعتراف من المتهم  بأية  وسيلة وغايتها أن يقال بأنها فعلا استطاعت إلقاء القبض على الفاعل وأنها أراحت منه المجتمع وأنها قائمة بواجبها أحسن قيام، فالتعذيب إذن  كان هو الوسيلة المثلى للحصول على الاعتراف ولو كان غير حقيقي ولقد صدق من قال عن التعذيب "انه بدعة ممتازة وأكيدة لإضاعة البريء الضعيف الجسم وإفقاد المجرم القوى الحسية" (7) ولقد تفنن البوليس الفرنسي في تعذيب الموا طنين المغاربة إبان المقاومة بين سنتي 1952 و1956 واستعمل وسائل جهنمية لا إنسانية لانتزاع الاعتراف من المقاومين فبالإضافة إلى الكي بالتيار الكهربائي القوي في المناطق الحساسة من الجسد وكان البوليس يأخذ المتهم ويعلقه على عمود أفقي من رجليه ورأسه إلى الأرض معصوب العينين لمدة تتراوح ما بين يوم وعشرة أيام ويقضي حاجته وهو  على هذه الحال وتقلع أظافره بالكماشة وينتف شعر رأسه ولحيته ويربط على رأس خشبة مستطيلة  يتراوح طولها ما بين 3 و4 أمتار في شكل أرجوحة ويغطس في الماء المتسخ القذر. وذلك برفع الخشبة من أسفلها ويستمر في التعذيب إلى أن يعترف وكثيرا ما توفى المعذبون أثناء التعذيب.

أما اليوم وبعد انتشار الوعي تدخل المشرع وحرم استعمال القوة  والعنف بل وحتى الوعد بالتحقيق من العقوبة (8) أو بالوعيد بالانتقام من أسرة المتهم، وحرم كل وسائل التعذيب والضغط وجعلها جريمة يعاقب عليها القانون، فالمشرع المغربي نص في الفصل 225  من القانون الجنائي على أن " كل قاضي  أو موظف عمومي أو احد رجال موظفي السلطة أو القوة العمومية يأمر أ و يباشر بنفسه عملا تحكميا ماسا بالحرية الشخصية أو الحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر يعاقب بالتجريد  من الحقوق الوطنية، ونص الفصل231  من نفس القانون على أن " كل قاض أو موظف عمومي  أو احد رجال أو موظفي السلطة أو القوة العمومية يستعمل أثناء قيامه بوظيفته أو بسبب قيامه بها العنف ضد الأشخاص، أو يأمر باستعماله بدون مبرر شرعي يعاقب على هذا العنف".

فليس للحصول على الاعتراف  في التشريع الحديث إلا استجواب المتهم من طرف الضابطة القضائية والنيابة العامة أو قاضي التحقيق أو المحكمة وان كانت بعض  التشريعات كالتشريعات الانجلوسكسونية تمنع استجواب المتهم من طرف المحكمة إلا  إذا قبل المتهم ذلك، ويقتصر القاضي على سؤال  المتهم، هل ارتكب  الجريمة المتابع من اجلها أو لا،  فإذا كان الجواب إيجابيا، امتنع على القاضي - وجيه سؤال آخر إلى المتهم أو الاستماع إلى الشهود، وإذا كان الجواب بالنفي شرع القاضي في الاستماع إلى الشهود دون أن يستجوب المتهم (9).

< P dir=rtl> أما في التشريع المغربي،  فان المشرع أعطى الحق للمحكمة أن تستوجب كما أعطاه لكل ضباط الشرطة القضائية بما فيهم النيابة العامة والتحقيق، وذلك لما في استنطاق المتهم  من طرف المحكمة من إلقاء الأضواء على القضية  وظروفها وملابساتها وحالة المتهم النفسية وبيان صدق إجابته من كذبها، بالإضافة إلى أن الإنكار يعد أهم وسيلة لدفاع المتهم عن نفسه وشرحه ظروف القضية للهيأة التي تحاكمه وتقرر مصيره كما يمكن المحكمة من تدارك النقص  الذي يكون قد تسرب للقضية، في مرحلتي التحقيق الإعدادي والتمهيدي، أي لدى الضابطة القضائية والتحقيق ولا شك  في أن الأسلوب الانجلوسكسوني وهو الأسلوب الذي تأثر به ولو قليلا  في التشريعين الجنائيين المصري والسوري، فان الحكم على المتهم الذي لم يبين وجه نظره، ولم تترك له الفرصة ليوضح ظروف القضية وملابساتها يعتبر وكأنه صدر غيابيا، إذ يكفي القاضي سؤال المتهم هل هو مذنب أم لا، فإذا أجاب بالإيجاب اكتفى  القاضي  بذلك عن  سماع الشهود ودفاع المتهم، وإذا أجاب بالإنكار  استمع الشهود من غير أن يسمح للمتهم  بمناقشة الشهود،  وهو أسلوب معيب، لان فيه إهدار الحق والدفاع الذي يعد من أقدس المقدسات في نظام التقاضي  وان الإخلال به يعرض الحكم للنقض. لقد سبق أن قلنا أن المشرع المغربي أعطى الحق للمحكمة في أن تستوجب المتهم من جديد من ظروف القضية، وان يلقى عليه من الأسئلة ما يراه موصلا إلى الحقيقة، وان تدعه يبدي رأيه ويبرر العمل الذي قام به وحسنا فعل، فالفصل 305 من قانون المسطرة الجنائية نص على انه " تحتوي  دراسة القضية على استنطاق المتهم، إن كان حاضرا والفصل 306 من نفس القانون نص على انه " تجرى المناقشات بعد انتهاء هذه الدراسة" ونص الفصل 474 من نفس القانون على انه "بعد انسحاب الشهود يتولى الرئيس استنطاق المتهمين حسب الترتيب الذي يراه ملائما من غير أن يبد نظريته الخاصة" من النصوص المتقدمة نرى أن المشرع المغربي أعطى الحق للقاضي  في أن يستنطق المتهم ويسأله عن ظروف القضية وذلك مراعاة منه للوصول إلى الحقيقة، وليمكن المتهم من الدفاع عن نفسه وبإبداء رأيه، بل ان المشرع المغربي ذهب إلى ابعد من ذلك، فقد أعطى للمتهم  مناقشة  الشهود بعد أداء شهادتهم وتجريحهم قبل أداء الشهادة أعطاه الحق في مناقشة جميع الوثائق التي تقدم للمحكمة فقد نص الفصل 48 0 من قانون المسطرة  الجنائية على انه " خلال أداء الشهادات أو عقبها يعرض الرئيس على المتهم جميع حجج الإثبات ويسأله حول اعترافه بها" والفصل 470 من نفس القانون نص في فقرته الثانية على انه " لا يمكن أن تحتوي هذه القائمة " قائمة الشهود" إلا على الشهود الذين بلغت أسماؤهم ومهمتهم ومحلات إقامتهم قبل الجلسة بأربع وعشرين ساعة على الأقل  للمتهم إذا تم استدعاؤهم بطلب من النيابة العامة أو المطالب بالحق المدني، كما أعطاه الحق في أن يعرض عن الاستماع إلى الشاهد الذي لم يعين  أو يذكر بوضوح في صك التبليغ".

هذا فيما يخص المحكمة لكن ما هي الضمانات التي يكفلها المشرع المغربي للمتهم عند استنطاقه أي عند  الضابطة القضائية والتحقيق  والنيابة العامة من الرجوع إلى الفصل 69 من قانون المسطرة الجنائية نجد أن المشرع يوجب على ضابط الشرطة القضائية لما يقوم باستنطاق المتهم أن يضمن هذا الاستنطاق.

في محضر وان يحدد فيه ساعة ويوم وضع المتهم تحت الحراسة المنظورة، ويوم وساعة إطلاق سراحه أو تقديمه إلى النيابة العامة كما أوجب  على الضابط أن يطلب من المتهم المستجوب الإمضاء على المحضر بعد تلاوته عليه من  طرفه وان امتنع يشير إلى هذا الامتناع كما أوجب على أي ضابط الشرطة القضائية بتسجيل  تضمين مماثل في كناش خاص مرقم الصفحات وممضى عليه من طرف السلطة القضائية. وأوجب الفصل على كل مركز للشرطة أو الدرك أن يتوفر على هذا الدفتر كما منع على ضباط الشرطة القضائية دركا كانوا أو شرطة  أو خليفة أو قائدا أو باشا، أن لا يحتجزوا شخصا أكثر من الوقت القانوني المحدد في الفصل 87 من قانون المسطرة الجنائية إلا بإذن كتابي لوكيل الملك ولمدة لا تزيد عن 48 ساعة وإلا كان تحت طائلة الفصل225 من القانون الجنائي، وإذا كان العمل التحكمي أو الماس بالحرية قد ارتكبه  أو أمر به لغرض ذاتي أو بقصد إرضاء  شخصيته، وقع الفاعل تحت طائلة  الفصول 436 إلى 440  من نفس القانون، والفصول المشار إليها تصل العقوبة المقررة فيها إلى الإعدام، إذا وقع تعذيب  بدني على المحبوس أو المحجوز ( الفصل 439 من القانون الجنائي).

أما عند قاض التحقيق، فان القانون لم يحدد عدد المرات التي يستنطق  فيها المتهم من طرفه، وان جرت العادة على استنطاقه مرتين، الأولى عندما يقدم إلى التحقيق ويسمى الاستنطاق الابتدائي وقد نص عليه الفصل127 من قانون  المسطرة الجنائية إذ جاء  فيه " يتعين على قاضي التحقيق ان يثبت من هوية  المتهم عندما يحضر لأول مرة وذلك لبيان اسمه العائلي والشخصي ونسبه وسنه وقبيلته الأصلية وحالته ومهنته وإقامته الحالية وسوابقه القضائية ويأمر قاضي التحقيق عند الاقتضاء بالقيام بكل الإجراءات الصالحة للتحقق من هذه الهوية.

ويحيط قاضي التحقيق بوجه صريح المتهم  بالأفعال المنسوبة إليه ويشعره بأنه حر  في عدم الإدلاء بأي تصريح ينص على هذا الإشعار في المحضر وإذا رغب المتهم في الإدلاء بتصريحاته  يتعين على قاضي التحقيق أن يتلقاها منه بدون تأخير".

فالمشرع اذن قصد من الاستنطاق الابتدائي إشعار المتهم بأنه لم يبق تحت سل طة الشرطة  القضائية وإنما  أصبح تحت نظر المحكمة.

وهناك الاستنطاق التفصيلي أو الاستنطاق الذي يباشره قاض التحقيق مع المتهم بعد الاستنطاق الابتدائي، بمدة لم يحددها القانون، وإنما تركها لقاضي التحقيق حسب أهمية القضية وكثرة القضايا. وفي الاستنطاق التفصيلي يبسط المتهم ظروف القضية وملابستها ويسأله القاضي بتفصيل فقد يقابله مع الشهود أو الضحايا  أو متهمين آخرين مساهمين أو مشاركين في نفس الجريمة إلا أن المشرع المغربي اوجب على قاضي التحقيق  إلا يستنطق المتهم تفصيليا إلا بحضور محاميه أو إذا تنازل عن هذا الحق، فالفصل 132 من قانون المسطرة الجنائية نص على انه ( لا يجوز استنطاق المتهم والاستماع إلى المطالب بالحق المدني أو مقابلتهما إلا بمحضر محاميهما  أو استدعائهما بوجه قانوني اللهم إلا إذا تنازلا بوجه صريح  عن حضور المحامين) وإذا لم يقم المتهم محاميا اخبر قاضي التحقيق بذلك وعين له محاميا آخر. من النصوص السابقة يتبين أن المشرع المغربي  أعطى للمتهم ضمانات كافية لوقايته وحمايته من أي ضغط أو تعسف.

قيمة الاعتراف الإثباتية :

إن الاعتراف باعتباره وسيلة من وسائل الإثبات في الميدان الجنائي يخضع لما تخضع له هذه الوسائل من مناقشة وتقدير ومقارنة وهو نوعان اعتراف قضائي وغير قضائي.

فالاعتراف القضائي هو الذي يصدر عن المتهم في مجلس القضاء  حتى ولو كان أمام قاضي غير مختص بالنظر في القضية ( الفصل 405 من قانون العقود والالتزامات) والاعتراف غير القضائي هو الذي  يصدر من المتهم خارج ساحة القضاء كأمام الشهود أو أمام الشرطة.

ولكن ما هي قيمة الاعتراف الصادر أمام ممثل النيابة العامة هل يعد  اعترافا  قضائيا أم غير قضائي، الواقع أن النيابة العامة هي المقيمة  للدعوى العمومية بالتالي فإنها تعد طرفا  في النزاع بالإضافة إلى أن ممثل النيابة العامة عند استنطاقه للمتهم يتسم بصفة ضابط سام للشرطة القضائية وب ذلك فان الاعتراف الصادر أمامه يكون اعترافا غير قضائي، أما الاعتراف أمام قاضي التحقيق فانه يعد اعترافا قضائيا، سواء في الاستنطاق الابتدائي أو التفصيلي.

والاعتراف القضائي ملزم المحكمة إذ توافرت فيه الشروط الآتية :

1-  أن يكون صادرا عن المتهم نفسه لا عن محاميه، أو احد المتهمين الآخرين معه في نفس الجريمة لان تصريح هؤلاء  لا يعد اعترافا وإنما يعد شهادة لذلك فان التعبير الذي درجت عليه بعض المحاكم،" اعتراف متهم على متهم آخر" هو تعبير  خاطئ، لان الاعتراف  لا يصدر إلا عن المتهم نفسه،  أما ما عداه فان التصريحات التي تصدر عنهم تعد مجرد شهادة فقط وللمحكمة تقدير هذه الشهادة.

2-  أن يكون المتهم متمعنا بكامل قواه العقلية، وان يكون مدركا لما يترتب عن هذا الاعتراف، وإلا يكون مكرها، ماديا أو معنويا، وعلى المتهم إذا ادعى الإكراه أن يثبته.

3-  إن الاعتراف صريح، ومنصب على نفس التهمة المتابعة من اجلها فإذا ما توبع المتهم بجريمة قتل ضد فلان، وسئل فأجاب بأنه سرق، فان هذا لا يعد اعترفا مطابقا ولا منصبا على الجريمة المتابع من اجلها.

4-  أن يكون مطابقا للواقع ومنصبا على وقائع ليست مستحيلة، والمتهم الذي يعترف بأنه قتل الضحية ثم تبين قبل انتهاء المحاكمة أن الضحية لا زال حيا يرزق، والمتهم الذي اعترف بأنه اغتصب الضحية  وافتض بكارتها ثم  تبين  من الكشف  الطبي الذي أجرى عليها أنها لا زالت بكرا، باعتبار أن الافتضاض يكون ظرف تشديد فقط ( الفصل 488 من القانون الجنائي ).

فإذا توفرت الشروط في الاعتراف القضائي كانت  المحكمة ملزمة بالأخذ به.

شهادة متهم على متهم آخر :

سبق أن قلنا بان الاعتراف يجب أن يصدر عن المتهم نفسه، أما إذا  صدر عن متهم آخر ولو في نفس التهمة، فانه يعد مجرد شهادة فقط، فإذا اتهم شخص مثلا أو  أكثر في جريمة واحدة، وأنكر احدهم أن يكون قد قام بالفعل المنسوب إليه، بينما اعترف  احدهم بأنه قام هو والمتهم الآخر بارتكاب الفعل، فان هذا الاعتراف يعد اعترافا بالنسبة للمعترف فقط، إما بالنسبة  للآخر فانه يعد مجرد شهادة، وللمحكمة  أن تأخذ بها أو لا تأخذ بها، ولكن في الواقع فان هذا التصريح لا يرقى  إلى درجة الشهادة، لان الشاهد يجب أن يؤدي اليمين القانونية وان تتأكد المحكمة من سلوكه وعدم سوابقه وعداوته للمتهم، ولكن ليس هناك ما يمنع المحكمة من تكوين قناعتها من هذه الشهادة أو هذا التصريح، ما دامت هناك قرائن أخرى تعضد هذه الشهادة.

الاعتراف ورقابة المجلس الأعلى :

الاعتراف في المواد الجنائية غيره في المواد  المدنية كما سبق القول  ; إذ هو في المواد الجنائية من  مسائل الموضوع، التي يقدرها قاض الموضوع الذي له أن يأخذ به متى اطمأن إليه، أو له إلا يأخذ به إذا لم يطمئن ولا رقابة للمجلس الأعلى عليه في ذلك إلا أن تكوين القناعة من الاعتراف أو طرحه أو تجزئته يجب أن يعلل تعليلا كافيا وإذا كان تكوين القناعة  من المسائل الموضوعية فان كيفية وطرق هذا التكوين من مسائل القانون التي تخضع لرقابة المجلس الأعلى  فالفصل 347 من قانون المسطرة الجنائية ينص في فقرته السابعة على أن يجب أن يحتوي كل حكم  على "الأسباب الواقعية والقانونية التي بنى عليها الحكم ولو في حالة البراءة" والفصل 352 من نفس القانون ينص في فقرته الثانية على أن الأحكام أو القرارات تكون باطلة " إذا لم تكن معللة بأسباب أو كانت تحتوي على أسباب متناقضة"، وذلك ليتمكن المجلس الأعلى من ممارسة  مراقبته على الأحكام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1)   أصول المحاكمات الجزائية ص 331، للدكتور عبد الوهاب حومد،

2)   نفس المرجع السابق ص 331  – 332  والموجز في المسطرة الجنائية المغربية ص 163 لنفس المؤلف،

3)   كما سيأتي في إثبات جريمتي الفساد والزنى،

4)   من فلسفة التشريع الإسلامي للأستاذ فتحي رضوان، ص 238.

5)   الموسوعة الجنائية ج 1 ص 104 من تأليف عبد المالك الجندي،

6)   الموسوعة الجنائية ج 1 ص 104 لعبد المالك الجندي،

7)   " الوسيط" ج 2 ص 470 للأستاذ السنهوري،

8)   أصول المحاكمات الجنائية للدكتور عبد الوهاب حومد ص 346،

9)   الموسوعة الجنائية لعبد المالك الجندي ج 1 ص 113  – موسوعة القضاء الفقه للدول العربية، ج 1 ص 190 – 191 و367 وما بعدها من إصدار الدول العربية للموسوعات،

10) الموسوعة الجنائية ج 3 ص 120 – قرار في القضية عدد 735 س 12 بتاريخ 7/3/69 ق ضاء المجلس الأعلى عدد 13 س 2 بتاريخ 1970.

*الأستاذ توفيق عبد العزيز  مجلة المحاكم المغربية، عدد 11، ص 5 .




***


بحث حول: المشهد السياسي المغربي على ضوء الانتخابات المحلية ٢٠٠٩ في الم - نظرية الإثبات في التشريع الجنائي المغربي - الإعفاءات القانونية والاتفاقية لمسؤولية الناقل الجوي بالمغرب
شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية


-----




****


--





palmoon tool bar
privacy policy