صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







ܔܔ]] موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة [[ܔܔخاص بالاكاديمية
شؤون قانونية




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية






***

ܔܔ]] موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة [[ܔܔخاص بالاكاديمية



الإفـــــــــــــــــــلاس و أثــــــــــــــــــاره ./للأكادميــــــــــــــة - ܔܔ]] موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة [[ܔܔخاص بالاكاديمية - ܔܔ]]إجرام المرأة ودور المؤسسات السجنية في إعادة تأهيلها [[ܔܔخاص بالاكا
شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية
****


مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستخيره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ولا مرشدا ثم: إن أصدق الحديث كلام الله، و أن خير الهدي هدي محمد سينا وحبيبنا محمد عليـه أفضل الصلوات ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شري له ونشهد أن محمد النبي المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اهتدى يهديه إلى يوم الدين.
أما بعد،
تعتبر جريمة الرشوة من أشد أنواع أكل الأموال بالباطل، وهي رذيلة محرمة بنص قرآني صريح قال الله تعالى:(ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)وأحاد يث نبوية صحيحة ومنها قوله : "لعن الله الراشي والمرتشي والراشي الذي يمشي بينهما" إضافة إلى كونها جريمة جنحية يعاقب عليها القانون الوضعي على مرتكبيها وبذلك تعتبر آفة من أخطر الآفات التي تصيب الوظيفة العمومية وقد عرفت في الآونة الأخيرة انتشارا مهولا كانت له آثاره السلبية على واقعنا الاجتماعي والأمني و الاقتصادي في العديد من الدول العربي والإسلامية وإن خير دليل على ذلك هي تلك التقارير والإحصائيات الأمنية والرقابية التي ترصد جرائم الرشوة بشكل مفزع والتي تؤكد أن جهود الأجهزة الأمنية والرقابية لا تكفي وحدها لمواجهة وباء الرشوة، ولابد من العودة إلى الوسائل والأساليب التي جاءت في شريعة الإسلام لإقتلاع الفساد والمفسدين وحماية أمن المجتمع اقتصاده من شر هؤلاء ...
ولقد حاولنا قدر المستطاع من خلال هذا البحث المحاولة لمقاربة ظاهرة الرشوة وذلك من خلال إجراء دراسة مقارنة بين الشريعة السمحاء والقوانين الوضعية خصوصا القانون المغربي ولقد ارتأينا من ذلك بيان مدى سمو وشموخ الشريعة على القوانين الوضعية، فبالنسبة لجريمة الرشوة فإننا سنرى أن الشريعة الإسلامية قد عرفتها وعالجتها منذ أكثر من 14 قرنا من الزمان وهذا ما سنراه مؤيدا بالأدلة القاطعة من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الأمين وصحابته الكرام، وإجماع الفقهاء والأئمة وأن النظريات الحديثة التي يتباهى بها المفكرون أساسها من الأصل هو الشريعة الإسلامية وطالما أن الشريعة على هذا الحال فلماذا لا تطوع القوانين الوضعية لتسير على نهجيها وكما يقال لن ينصلح حال المسلمين إلا برجوعهم إلى شريعتهم والتشبث بدينهم الإسلامي ليستمدوا منا نظرياتهم ويطوعوا قوانينهم طبقا لمبادئها وأحكامها.
ولقد أخدنا هذا البحث بالدراسة والتحليل وذلك بالاعتماد على مجموعة من المراجع القيمة والتي تذكر منها على سبيل المثال "المغني لابن قدامة والجصاص في أحكام القرآن الشرعية، ابن قيم الجوزية (الطرق الحكمية) وابن حزم (المحلى) شرح القانون الجنائي للخمليشي ولسان العرب لابن منظور، دون أن ننسى الدكتور الأستاذ المشرف ذ.علي أبو العكيك، وكتبه النيرة.
والذي تحمل مسؤولية تأطير هذا البحث وعبء الإشراف عليه وتتجه بكل عناية وحسن المعاملة و الذي لم يبخل علينا بنصائحه وتوجيهاته النيرة.
خطة الدراسة:
نظرا لطبيعة وأهمية الموضوع لكونه يتطرق لمعالجة آفة اجتماعية خطيرة والمتمثلة في "ظاهرة الرشوة" التي أصبحت بمثابة ثقافة سائدة دا خل أوساط المجتمع المغربي بصفة خاصة مستفحلة في كل المجالات الحيوية المرتبطة بالحاجيات اليومية للمواطنين، وقد ارتأينا تقسيم هذا البحث على الشكل الأتي:

فصل تمهيدي: مفهوم الرشوة وتطورها التاريخي وبعض أنواعها:
الفصل الأول: موقف الإسلام من ظاهرة الرشوة
الفصل الثاني: موقف القانون من ظاهرة الرشوة
الفصل الثالث: الرشوة عواملها انعكاساتها سبل مكافحتها


موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة




 

فصل تمهيدي
مفهوم الرشوة التاريخي وبعض أنواعها










تمهيد وتقسيم:
حتى تستكمل إحاطتنا لهذه الظاهرة فإنه يجدر بنا إقامة دراسة مفهومية للظاهرة، وكذا إعطاء لمحة تاريخية عن تطورها مركزين في ذل ك على الشريعة الإسلامية والقانون المقارن وكذا المحاولة لذكر بعض أنواعها وذلك من خلال ثلاث مباحث رئيسية:



المبحث الأول: مفهوم الرشوة


أولا: الرشوة : لغة
رشا: الرشوة : فعل الرشوة يقال رشوته والمراشاة المحاباة، ابن سيده، الرشوة و الرشوة معروفة: الجعل، والجمع رشى، ورشى قال سيبويه: من العرب من يقول رشوة، ورشى ومنهم من يقول رشوة ورشي، وأكثر العرب يقول رشى ورشاه يرشوه رشوا: أعطاه الرشوة ، وقال أبو العباس: الرشوة مأخوذة من رشا الفرح إذ مد رأسه إلى أمه لترقه، أبو عبيد: الرشا من أولاد الظباء الذي قد تحرك وتمشى، والرشاء : رشى الدلو والرائش: الذي يمشي بين الراشي والمرتشي والراشي قال ابن الأثير الرشوة و الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والراشي الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا، فأما ما يعطي توصلا إلى آخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه.
والرشاء : الحبل والجمع أرشية، قال ابن مسيدة، وإنما حملناه على الدلو لأنه يوصل به إلى الماء كما يوصل بالرشوة إلى ما ي طلب من الأشياء، قال اللحياني: ومن كلام المؤاخذات للرجال أخذته بدباء مملاء من الماء المعلق بيرشاء، قال: الترشاء الحبل لا يستعمل هكذا إلا في هذه الآخذة، وأرشي الدلو: جعل لها رشاء أي حبلا، والرشاء من منازل القمر، وهو على التشبيه بالحبل الجوهري، إرشاء كواكب كثيرة صغار على صورة السمكة يقال لها بطن الحوت، وفي سرتها كوكب نير ينزله القمر .
وأرشيته الحنطل واليقطين: خيوطه وقد ارشت الشجرة وأرشى الحنطل إذا امتدت أغصانه قال الأصمعي: إذا امتدت أغصان الحنطل قيل قد أرشئت أي صارت كالأرشية وهي الحبال. أبو عمرو: أسترشي ما في الضرع واسترشى ما فيه إذا أخرجه، واسترشى في حكمه: طالب الرشوة عليه، واسترشى الفصيل إذا طلب الرضاع وقد ارشيته إرشاءا ابن الأعرابي أرشى الرجل إذ حك فوران الفصيل ليعدو ، ويقال لفصيل الرشي والرشاة: نبت يشرب للمشي وقال كراع: الرشاة عشبة نحو القرنوة، جمعها رشا.
قال ابن سيده: وحملنا الرشي على الواو لوجود رشى وعدم رشي.
ثانيا: الرشوة : شرعا:
جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الكليات الخمس ومعها حفظ الأموال واعتبرت ذلك من المقاصد الكبرى لها، ولذلك نهى الإسلام كل أشكال أكل الأموال ظلما وباطلا ومن ذلك مثلا أكل ال ربا وأخذ الرشوة، ولأجل ذلك ذم القرآن اليهود أخلاقهم الفاسدة فقال تعالى:  يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ( ).
وسميت الرشوة في القرآن الكريم سحتا في قوله تعالى: آكلون للسحت ( ) وألف العلامة عبد الغني النابلسي كتابه المانع "تحقيق القضية في الفارق بين الرشوة والهدية، تحريرا لهذه المسألة، فأخذ المال من أجل إعطاء الناس حقوقهم إنما يأكل في بطنه سحتا، والسحت أيضا من المال الحرام وحتى ولو لم يكن رشوة بالمعنى الدقيق.
روى عن أبي الجعد عن مسروق قال: "سألت عبد الله عن الجور فقال ذلك كفر وسألته عن السحت فقال الرشا".
وقال إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: "السحت الرشا" وروى منصور عن الحكم عن أبي وائل عن مسروق قال: "إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت وإذا أكل الرشوة بلغت به، ولقد لعن الله أكلها وموكلها والوسيط في الرشوة".
كما جاء فيما رواه أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال: لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما".
وفيما روى أبو سلامة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر قال: "لعن الله الراشي والمرتشي في الح كم"
ولا خلاف في تحريم الرشا بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام، قال أبو حنيفة: "إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت قال رسول الله  : "يأتي على الناس زمان يستحل فيه الربا والخمر والنبيذ والبخس بالزكاة والسحت بالهدية والقتل بالموعظة..." المقصود هنا الرشوة في الحكم والشهادات وغيرها باسم الهدية"( ).
ولقد تعددت التعاريف الفقهية حول الرشوة فكادت تتفق جميعها في أكل مال الغيـر ظلما، فهي على التفرقة الظالمة بين النـاس فمن يدفع مقابـل أن تؤدى له لمصلحته الخدمات سواء كانت مستحقة أو غير مستحقة، ومن لا يريد تعففا تهدر مصالحه وحقوقه، و هذا يخرق مبدأ المساواة بين الأفراد.
والملاحظ أن هذه التعاريف تدور معظمها على رشوة الحكام وكيفية تضييق الخناق عليها، فمثلا ما روى إبراهيم الحربي في كتاب "الهدايا" عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله  : هدايا الأمراء غلول".
وبعث رسول الله  عبد الله بن رواحة إلى اليهود ليقدر ما يجب عليهم في نخلهم من خراج فعرضوا عليه شيئا من المال يبذلونه فقال لهم: "فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها( ).
من هذين المثالين الأول موجه إلى ال أمراء والثاني إلى جامع الخراج يتضح إذن أن الرشوة كما في القانون الوضعي ترتبط بالموظف أو صاحب السلطة ومن يتقلد المسؤولية.
ويقول سبحانـه وتعالى:  ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم والعدوان وأنتم تعلمون.
وفي تفسير هذه الآية الكريمة من سورة البقرة قال: علي ابن أبي طلحة وعن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام وكذا روي عن مجاهد وسعيد جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدا ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسليم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم" وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله  قال: "إنما أنا مبشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون الحق بحجته من بعض فأقضى له فمن قضيت له بحق مسلم فإنها هي قطعة من نار فليحملها أو لينيرها".
فدلت هذه الآية الكريمة و هذا الحديث على أن الخصم، حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر فلا يحل في نفس الأمر حلالا حراما هو حرام ولا يحرم حلالا وهو حلال وإنما هو ملزم في الظاهر فإن طابق في نفس الأمر فذ اك وإلا فالحاكم أجره وعلى المحتال وزره ولهذا قال تعالى:  ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس وأنتم تعلمون أي تعلمون بطلان ما تدعونه وترجونه في كلامكم، قال قتادة: "اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لكم حراما ولا يحق لك باطلا وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى ويشهد به الشهود والقاضي بشر يخطئ ويصيب واعلمـوا أن من قضى له بباطل وأن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي له على المبطل بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا ( ).
وفي تفسير آخر للآية 188 من سورة البقرة نجد القرطبي "حيث قال: "... المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها... و هذا القول يترجح بأن الحكام مضنة الرشاء إلا من عصم، وتدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء كأنه يمد بها ليقضي الحاجة قلت ويقوى هذا قوله وتدلوا لها وتدل في موضع جزم عطفا على تأكل... والهاء في قوله بها ترجع إلى الأموال والجمع رشي ورشا وقد أرشاه يرشوه وارتشى أخذ الرشوة واسترشى في حكمه طلب الرشوة عليه، قلت فالحكام اليوم عي الرشا".
الرشوة بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح هي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب أخذه، قال ابن العربي "الرشوة كل ما دفع ليبتاع بجاهل عونا على ما يحل والمرتشي قابضه والراشي والمرتشي... أما الثاني فإن كان لمعصية فلا يحل، وإن كان لطاعة فيستحب، وإن كان لجائز ولكن يستحب له ترك الأخذ وإن كان حاكما فهو حرام.



المبحث الثاني: التطور التاريخي لظاهرة الرشوة


المطلب الأول: الشريعة الإسلامية
بالنسبة لجريمة الرشوة فإننا سنرى أن الشريعة الإسلامية قد عرفتها وعالجتها معالجة ناجحة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان وهذا ما سنراه مؤيدا بالأدلة القاطعة من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه الأمين وصحابته الكرام وإجماع الفقهاء والأئمة.
وما تجدر الإشارة إلى أن الرشوة تعتبر من الجرائم التعزيرية التي قامت الشريعة الإسلامية الغراء بتعريفها ونظمتها ووضعت لها من الأسس والقواعد ما يجعلها تردع المجرم وتزجره وتصلحه في الوقت ذاته ويستطيع القاضي العادل أن يختار العفوية المناسبة من العقوبات التعزيرية ويعاقب بها الإثم.
وأدلة تحريم الرشوة ثابتة بنصوص القرآن والسنة فقد جاء في القرآن قوله تعالى:  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ( ). إن حكم هذه الآية ينطبق على مجتمعنا الحاضر الذي كثرت فيه الشكاوي والدعاوي في المحاكم، فكثير من الناس يستلون على مال الغير ظلما عن طريق المحاكم التي تبني أحكامها على الأدلة الظاهرة وهم يمهدون لذلك عن طريق استغلال بسطاء القلوب ورشوة بعض المتفندين والشهود والخبراء، ونلاحظ أن الآية الكريمة ذكرت رشوة الحكام ولم تذكر سواهم لكثرة حدوث هذا النوع من الرشوة ولأن ضررها خطير ( ).
وجاء في الحديث الشريف: "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما" (رواه أحمد والطبراني).
ومما رواه ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي  قال: "كل لحم أنبتته السحت فالنار أولى به، قيل وما السحت قال: الرشوة في الحكم" ( ).
"إن الرشوة هي ما يعطيه الشخص لحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد" ( ).
وهكذا واستنادا لكل ما سبق، يتضح أن جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية لها أطراف ثلاثة:
 أن يتوفر المرتشي على صفة معينة كصفة القاضي أو والي أو أن يكلف شخص بخدمة لعامة الناس بمعنى متو ليا أمرا من أمور المسلمين.
 أن تكون الرشوة أو الهدية المقدمة إلى المرتشي لأداء خدمة أو قضاء حاجة كأن يقدم المحكوم إلى المحاكم هدية بغية نيل حق أو دفع ضرر عنه أو طلب شيء بغير وجه حق.
 توفير الجاني على نية إجرامية، أي على الراشي أن يقدم الهدية كرشوة وأن يقبلها المرتشي على أنها كذلك، وإن انتفت هذه النية فإنه لا جريمة في الأمر، علما أن الرسول  كان يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا غرابة في تجريم الإسلام لجريمة الرشوة وتشديده على كل من اشترك فيها فإن شيوعها في المجتمع شيوع للفساد والظلم ولروح النفعية وانعدام العدل والتوازن ( ).

المطلب الثاني: القانون المغربي:

لقد استأثرت هذه الجريمة باهتمام المشرع الجنائي المغربي، يشهد بذلك مساحة النصوص التي يفردها لها.
وهكذا فقد تصدى لها بالتجريم منذ صدور أول قانون جنائي سنة 1953 المواد: من 180 ى 188 ثم نص عليها قانون 26 نوفمبر 1962 المواد: 248 وما بعدها، والتي مازالت تطبق إلى اليوم.
لكن ومع تصاعد وثيرة هذه الجريمة في الواقع العملي وتسر بها إلى الجهاز الإداري بشكل يدعو للقلق، تدخل المشرع المغربي لإعادة النظر في ال نصوص المتعلقة بالرشوة هادفا الضرب بشدة على أيدي المستهترين العابثين بمصالح المواطنين، حيث بدت النصوص السابقة قاصرة عن مواجهة الخطر الذي بدأ يدق على أبواب المصالح الإدارية إذا لم يزجر وبصرامة مرتكبو هذه الجريمة، فأصدر بذلك قانون : 20 مارس 1965 أحدث بموجبه محكمة العدل الخاصة عهد إليها بزجر مرتكبي جناية الرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس والغدر، من الموظفين العموميين ومن في حكم.
وبذلك تغير نوع الجريمة التي تبث في المحكمة من جنحة كما كانت في النصوص السابقة إلى جناية، وتشددت العقوبة تبعا لذلك، لكن دون اشتراط نصاب معينة، إلا أن مرسوم : 11-12-1965 أدخل تعديلات على المادة الأولى من القانون السابق، بمقتضاه أصبحت محكمة العدل الخاصة غير مختصة في نظر الجرائم الأربعة السابق، ما لم يكن المبلغ المتحصل عليه منها لا يقل عن 2000 درهم، ثم رفع هذا النصاب مرة أخرى بموجب ظهير 20 مارس 1965، وأعاد تنظيم المحكمة من جديد بحيث أصبحت محكمة العدل الخاصة مختصة فقط إذا كان مجموع المبالغ أو المنافع أو المزايا المحصل عليها من جريمة الرشوة أو الجرائم الأخرى، لا تقل عن 5000 درهم (المادة 1 من ظهير 1972) وتغير هذا النصاب من جديد بموجب ظهير 25 دجنبر 1980 الذي اشتراط أن يكون مجموع المبالغ النقدية المختلسة أو المبددة أو المحجزة بدون حق أو المنافع المحصل عليها بصفة غير قانونية تبلغ قيمة تساوي أو تتجاوز 25000 درهم (م 21 ق 1) وهكذا وترتيبا لما سبق إذا كان الاختصاص لا ينعقد لمحكمة العدل الخاصة بالنظر في جرائم الرشوة. واستغلال النفوذ والاختلاس والغدر، التي يرتكبها الموظفون العموميون إلا لتحقق النصاب المحدد في المادة 31 من قانون 1980، فهذا يعني أن المحاكم العادية تبقى مختصة بالنظر في هذه الجرائم كلما لم يتحقق هذا النصاب وفي الأخير، لابد من الإشارة إلى أن المشرع الجنائي المغربي قد نهج في تجريمه للرشوة نهج التشريعات التي تعتبر أن الرشوة تتكون من جريمتين مستقلتين (مذهب ثنائية الرشوة) هما جريمة المرتشي التي يرتكبها الموظف العمومي أو الرشوة السلبية كما يسميها الفقه الفرنسي وجريمة الراشي أي صاحب الحاجة (الرشوة الإيجابية)، فإذا كان الراشي يمهد لارتكاب الجريمة ويسهل افتراضها، فإن المرتشي يضعها موضوع التنفيذ، ثم إنه وأمام تسلسل الرشوة إلى داخل المشروعات الخاصة وتمكنها من نفوس العمال والمستخدمين والموكلين بأجر، عمد المشرع الجنائي المغربي إلى تجريم الرشوة التي قد ير تكبها هؤلاء (م249 ق ج).
وقد أحسن المشرع الجنائية المغربي باعتناقه مبدأ ثنائية الرشوة لأن ذلك من شأنه تشديد العقاب على كل من المرتشي (م248 إلى 249) من ق ج و م، 35 من ظهير 1972) والراشي (م 251 ق ج ) على حد سواء ثم إنه يسمح باستقلال الجريمتين في المسؤولية والعقاب.





المبحث الثالث: بعض أنواع الرشوة

لاحظ الباحث الإسلامي الأستاذ "الدرقاوي عبد الله ( ) أنمها تتوزع على ثلاث أنواع رئيسية وهي على الشكل التالي:

المطلب الأول: النوع الأول: هو ما يتوصل به إلى أخذ شيء بغير حق:
مثل الرشوة التي يدفعها الجاهل الآثم المستبد الظالم لحاكم أو لمسؤول ومن حكمها من أجل ترويج سلعة فاسدة أو محرمة، أو من اجل أن يخطئ بامتياز في مزاد علني أو مناقصة علنية وطنية كانت أو دولية، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل، و هذا النوع هو أشد الأنواع جرما وأعظمها إثما وأكبر خطرا على المجتمع المسلم أو غير المسلم وهو المعني في قوله تعالى في الآية 188 من سورة المائدة.

المطلب الثاني: النوع ا لثاني: إعطاء الرشوة من أجل حق ضائع أو رفع ظلم واقع

إذا كان الاتفاق حاصلا على أن الرشوة محرمة على معطيها، إذا كان يريد أن يدفع الحاكم أو القاضي أو العامل كي يعطيه ما ليس من حقه، كما هي محرمة على أخذها في هذه الحالة سواء بسواء، فقد اختلفوا فيها إذا كان دافعها يعطيها خوفا على نفسه وماله فذهب بعض الفقهاء إلى أن الرشوة حرام على الآخذ وليس بحرام على الدافع وكذا إذا طمع في ماله فرشاه ببعضه ومنها دفع الرشوة ليستوي أمره عند السلطان حل له أن يدفع ولا يحل للآخذ.
وروي عن جابر بن زيد والشعبي قالا: "لعن رسول الله  : الراشي والمرتشي قال: ليحق باطلا أو يبطل حقا وأما أن يدفع عن مالك فلا بأس( ).
وروي عن سفيان عن عمرو وعن أبي الشعثاء قال: "لم نجد زمنا شيئا أنفع لنا من الرشا" وقد روي أن النبي  لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك العطايا الجزيلة أعطى العباس بن مرداس السلمي شيئا فسخطه فقال فيه شعرا فقال النبي  اقطعوا عنا لسانه فزادوه حتى رضي".

المطلب الثالث: النوع الثالث: الرشوة القبلية من أجل الاستفادة البعدية

لا تكون الرشوة دائما في مقابل خدمة يؤديها المرتشي لل رائش بعد أن يكون قد أخذ العوض فقد تكون الخدمة مؤجلة وقد يكون الراشي ليس له طلب محدد في الوقت الذي يدفع إليه الرشوة ولكنه قد يدفعها كي يسأل مقابلا بعد حين، كما أنه قد يدفعها كي ينال قربة وصادقته إذا كان حاكما أو قاضيا أو صاحب سلطة من أجل أن يستفيد من صدقته في قضاء أغراضه وحكم هذه الوجوه حكم الرشوة رغم أنها تقدم في شكل هدية والواقع أن معطيها لم يكن ليهديها لو لم يكن أخذها صاحب سلطان يرجو الراشي إلا استفادة من نفوذه أو سلطانه في اخذ ما لا يحل له أو منع ما يجب عليه، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشوكاني: "إن الهدايا التي تهدى للقضاة ونحوهم هي نوع من الرشوة ..." ( ).
وحسبنا أن نتأمل في هذا الصدد قصة سليمان مع ملكة سبأ "بلقيس" كيف أنه عليه السلام استشعر البعد المقصدي الذي تلبس الهدية التي أرسلتها إليه هذه الملكة، واشتم رائحة الرشوة التي تفوح منها، فكان جوابه حاسما في رفض هذه الهدية، والرد عليه بالجواب المناسب الذي أورده الله تبارك وتعالى فيما يرويه عن نبيه سليمان قال:  فلما جاء سليمان قال أتهدونني بما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ( ) .

الفصل الأول
موقف الإسلام من ظاهرة الرشوة








تمهيـد:
الشريعة الإسلامية الغراء قد عرفت الرشوة ونظمت أحكامها قبل أن تعرفها القوانين الوضعية أكثر من أربعة عشر قرنا وكما قلنا فيما سبق، وجريمة الرشوة محرمة بالقرآن والسنة النبوية الشريفة، والإجماع وفي ذلك قوله تعالى: ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم والعدوان وأنتم تعلمون وكذلك قوله تعالى: سماعون للكذب آكلون للسحت... ( ).
ولقد رويت كذلك عدة أحاديث نبوية شريفة منها: "لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم" وكذلك : "لعن رسول الله  الراشي والمرتشي" وكذا : "لعن رسول الله  الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما".
والملاحظ أن هذه الأحاديث حددت الراشي والمرتشي والرائش مهما كانت الصيغة التي وردت بها.
وحديث ابن اللثبية المشهور حين بعثه النبي  على الصدقة لما جاء قال هذا لكم وهذا اهدي لي فقال : "ما بال أقوام نستعملهم على مال ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي فهلا جلس في بيت أبيه فنظر أيهدي له أم لا"( ).
ولقد أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على تحريم الرشوة أخذا وبذلا وتوسطا ولم يعرف لا حد خلاف ذلك والخلاف أنها هو في أمور تعرض للرشوة من ناحية الاضطرار إليها( ).

المبحث الأول: الرشوة في صورتها البسيطة


المطلب الأول: أركان الرشوة
يتضح مما سبق أن جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية لها أطراف ثلاثة هي:
أ-مرتش : (وهو الأخذ)
ب-راش: (وهو المعطي)
ج-رائش: وهو الذي يمشي بينهما ويقدر الرشوة )
ويلاحظ أن الأطراف في جريمة الرشوة هم أنفسهم الذين عرفوا في القوانين الوضعية، حيث أن المرتشي هو نفسه المعروف في القانون والراشي هو كذلك هو نفسه المعرف في القانون، والرائش هو الوسيط، والمستفيد قد يكون المرتشي وقد يكون شخصا آخر.
كما يلاحظ أن أركان جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية هي ذاتها المعروفة في القوانين الوضعية فلابد لها من أركان هي:
صفة المرتشي والركن المادي والقصد الجنائي وسنخصص لكل ركن نقطة خ اصة.
الفقرة الأولى: صفة المرتشي:
الشريعة الإسلامية الغراء كما قلنا قد نظمت كل شيء، وبالنسبة لجريمة الرشوة نجد أن صفة المرتشي كانت تطلق على القضاة والولاة في ذلك الوقت.
وهذا ثابت من الأحاديث التي سقناها وكانت تطبق أيضا على الحكام والخلفاء ففي الحديث : "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا (منحناه راتبا) فما أخذه بعد ذلك فهو غلول " (رواه أبو داود).
وأهدي إلى عمر بن عبد العزيز هدية، وهو خليفة فرفضها فقيل له: كان رسول الله  يقبل الهدية ! قال: كان ذلك له هدية وهنا لنا رشوة( ).
ويلاحظ أيضا أن حديث "لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم" قد ورد بعدة صيغ أوردناها سابق مما يفهم منه أن يكون المرتشي موظفا عموميا أو موظفا غير عمومي ( ).
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: السحت رشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في القضية.."
وعن جابر قال: قال رسول الله  (هدايا الأمراء من السحت) ( ).
فالشريعة الإسلامية قد عرفن صفة المرتشي كما عرفته القوانين الوضعية وحددته تحديدا واضحا ومنظما.
الفقرة الثانية: الركن المادي:
المر تشي يقبل أن يتاجر بالوظيفة مقابل حصوله على فائدة معينة و الراشي يدفع الفائدة مقابل حصوله على شيء معين يهدف إليه، أي أن الراشي و المرتشي ينفقان على ما يريدانه حسب مصلحة كل منهما، فالراشي يقوم بنشاط إجرامي مقابل الميزة أو الهدية أو الفائدة المتفق عليها.
والشريعة الإسلامية قد عرفت كل ذلك ويكون مقتضى الركن المادي في جريمة الرشوة هو ذاته المعروف في القوانين الوضعية.
ويكون الغرض من الرشوة هو إما أن يرشي الراشي المرتشي لأنه قد خوفه فيعطيه الرشوة ليدفع الخوف عن نفسه، أو يرشوه ليسوي أمره بين يدي السلطان ويسعى في ذلك أو يرشوه لتقلد القضاء من السلطان أو يرشو القاضي ليقضي له( ).
أغراض الرشوة
يفهم من ذلك أن الرشوة قد تدفع لأغراض أربعة هي:
أ-الرشوة لرفع الخوف
ب-الرشوة لتسوية ألأمر بين يدي السلطان
ج-الرشوة لتلد القضاء
د-الرشوة للقضاء للراشي
حكم دفع الرشوة في تلك الحالات ( ).
* في الحالة الأولى:
الرشوة لدفع الخوف لا يحل لأخذ للأخذ لأن الكف عن التخويف كف عن الظلم وأنه واجب بدين الإسلام فلا يحل أخذ المال لذلك، وحل للمعطى الإعطاء لأنه جعل المال صيانة للنفس وهذا جائز في الشرع، وكذا إذا طمع في ماله فرشاه بعض ماله لا يحل الآخذ وحل الإعطاء لأنه جعل بعض المال وقاية لسائر الأموال.
وقيل أن هذه الحالة تدخل تحت الوعيد وعامة الفقهاء على أنه يحل للمعطى الإعطاء لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه أو يجعل بعض ماله وقاية للباقي( ).
* في الحالة الثانية
الرشوة لتسوية أمر بين يدي السلطان لا يحل للآخذ الأخذ لأن القيام بمعونة المسلمين واجب عليه بدون المال فهو يأخذ المال لإقامة ما وجب عليه إقامته لذويه فلا يحل له الأخذ.
وقيل ينظر إلى فرضين:
أ-أن تكون الحاجة حراما، وهنا لا يحل للمهدي الإعطاء ولا للمهدي له الأخذ.
ب-أن تكون الحاجة مباحة
فإذا اشترط على أنه إنما يهدى إليه ليعنيه عند السلطان، وفي هذا لا يحل لأحد الأخذ أما إذا أعطاه بعد أن سوى أمره ونجاه عن ظلمه فيحل للمعطى الإعطاء ويحل للآخذ الأخذ، لأنه أنعم عليه بالنجاة عن الظلم قال النبي : "من أزلف إليه نعمة فليشكرها من غير فضل" ( )، وروي أبو داود في الأدب بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "من أعطى عطاء فوجد فليجزيه، فمن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره".
واختلف في وضع الآخـذ فقال البعض لا يحل له الأخـذ لأنه أقام الواجب ومنهم من قال يحل وهو الصحيح لأن هذا بر وصلة وقاسوا هذه المسألة بما ذكر محمد رحمه الله عليه في كتابه الصلاة: إن الإمام أو المؤذن إذا جمع له القوم شيئا فأعطوه من غير شرط عليهم فما أحسن هذا فقد سمي ذلك حسنا، وإن كانوا لا يعطونه (ذلك الشيء) إلا بسبب الإمامة والآذان، لكن جعلك بمنزلة البر والصلة فكذا هذا.
وإذا لم يشترط صراحة ذلك اختلفت الفقهاء وعامتهم على أن يكره هذا إذا لم تكن بينهما مهاداة قبل ذلك لسبب من الأسباب أما إذا كانت بينهما مهاداة قبل ذلك لسبب صداقة أو قرابة فأهدي إليه كما كان يهدي قبل ثم إن المهدي إليه قام لإصلاح أمره فهذا أمر حسن لأنه مجازاة الإحسان بالإحسان.
* الحالة الثالثة والرابعة:
الرشوة لتقلد القضاء والرشوة للقضاء للراشي في هاتين الحالتين: لا يحل للآخذ الأخذ ولا للمعطي الإعطاء( ). وقيل في الحالة الرابعة أنه يحرم الأخذ سواء كان ذلك القضاء له بالجور أو بالحق، أما الجور فله وجهين:
أحدهما : أنه رشوة
والثاني: أنه يتسبب للقضاء بالجور، وأما بالحق فلوجه واحد وهو أنه أخذ المال لإقامة ما وجب عليه بدونه.
وأما الإعطاء فإن كان يجوز لا يحل وإن كان بحق كذلك، ولا ي نفذ قضاؤه الذي ارتشي فيه( ).
ونظرا لأننا بصدد الركن المادي للجريمة وقد قلنا أن الرشوة تتم باتفاق بين الراشي و المرتشي نظير فائدة لكل منهما وإكمالا لما قلناه وأوردناه سنورد بعض ما ورد في مؤلفات الفقهاء لكي تعم الفائدة:

جاء في ابن عابدي، ج 4، ص 316 ( ):
الرشوة أربعة أنواع:
 الأول: ما هو حرام على الأخذ والمعطي وهو الرشوة على تقليد القضاء والإمارة.
 الثاني: ارتشاء القاضي ليحكم وهو كذلك حرام ولو القضاء بحق لأنه واجب عليه
 الثالث: أخذ المال ليسوي أمره عند السلطان دفعا للضرر أو جلبا للنفع وهو حرام على الأخذ فقط وحيلة حلها هي أن يستأجره يوما إلى الليل أو يستأجره يومين فتصير منافعه مملوكة ثم يستعمله في الذهاب إلى السلطان للأمر الفلاني.
وفي الأقضية قسم الهدية وجعل هذا من أقسامها فقال حلال من الجانبين كالإهداء للتودد وحرام منهما كالإهداء ليعينه على الظلم وحرام على الآخذ فقط، وهو أن يهدى ليكف عنه الظلم والحيلة أن يستأجره.
قال في الأقضية هذا كان فيه شرط ما إذا كان بلا شرط لكن يعلم يقينا أنه إنما يهدي ليعينه عند السلطان فمشى يظن أنه لا بأس به ولو قضى حاجته بلا شرط ولا ط مع فأهدى إليه بعد ذلك فهو حلال لا بأس به وما نقل عن ابن مسعود من كراهته فروع.
 الرابع: ما يدفعه ليدفع الخوف من الدفوع إليه على نفسه أو ماله حلال للدافع حرام على الأخذ لأن يدفع الضرر عن المسلم واجب ولا يجوز اخذ المال ليفعل الواجب.
وجاء في حاشية الرهوني: (بعض العلماء قال: إذا عجزت عن إقامة الحجة الشرعية فاستعنت على ذلك بوال يحكم بغير الحجة الشرعية أثم دونك إن كان الحق جارية ليستباح فرجها، بل يجب ذلك عليك لأن مفسدة الوالي أخف من مفسدة الزنا والغصب وكذلك الزوجة وكذلك استعانتك بالأجناد فالجنود يأثمون ولا تأثم وكذلك في عصب الدابة وغيرها، وحجة ذلك أن الصادر من المعين عصيان لا مفسدة فيه، والجحد والغضب عصيان ومفسدة، وقد جوز الشارع الاستعانة بالمفسدة، لا من جهة أنها مفسدة على درء مفسدة أعظم منها كفداء الأسير فإن أخذ الكفار لمالنا حرام عليهم وفيه مفسدة إضاعة المال، فما لا مفسدة فيه أولى أن يجوز فإن كان الحق يسيرا نحو كسر وثمرة، حرمت الاستعانة على تحصيله لغير حجة شرعية، لأن الحكم بغير ما أمره الله به أمر عظيم لا يباح إلا باليسير.
ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه فيهدي لك هدية فتقبلها، وروى شعبة ع ن منصور عن سالم بن أبي الحق عن مسروق، قال: سألت النبي عن الجور في الحكم فقال ذلك كفر وسألته عن السحت فقال الرشا وروى عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد عن أبان عن ابن أبي عياش عن مسلم أن مسروقا قال قلت لعمر يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في الحكم من السحت قال لا ولكن كفر، إنما السحت أن يكون لرجل عند سلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه.
وورد أيضا في نفس المكان، قال أبو بكر اتفق جميع المؤولين لهذه الآية على أن قبول الرشا محرم واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه الله تعالى والرشوة تنقسم إلى وجوه منها الرشوة في الحكم وذلك محرم على الراشي والمرتشي جميعا، وهو الذي قال فيه النبي  لعن الله الراشي والمرتشي والرائش وهو الذي يمشي بينهما فلذلك لا يخلو أن يرشوه ليقضي له بحقه أو بما ليس له حق فإن رشاه ليقضي له بحق فقد فسق الحـاكم بقبول الـرشوة على أن يقضي له بما هـو فرض عليه واستحق الراشي الذم حين حاكم بقبول الرشوة على أن يقضي له بما هو فرض عليه واستحق الراشي الذم حين حاكم إليه وليس بحاكم ولا ينفذ حكمه لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذ الرشوة كمن أخذ الأجرة على أداء الفروض من الصلاة وا لزكاة والصوم ولا خلاف في تحريم الرشا على الأحكام وأنها من السحت الذي حرمه الله في كتابه وفي هذا دليل على أن كل ما كان مفعولا على وجه الفرض والقربة إلى الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه، كالحج وتعليم القرآن والإسلام ولو كان أخذ الإبدال على هذه الأمور جائز لجاز أخذ الرشا على إمضاء الأحكام فلما حرم الله أخذ الرشا عن الأحكام واتفقت الأمة عليه دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز أخذ الإبدال على الفروض والقرب وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد فسق الحاكم من وجهين أحدهما أخذ الرشوة والآخر الحكم بغير حق وكذلك الراشي، وقد تأول ابن مسعود ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى السلطان وقال أن أخذ الرشا على الأحكام كفر وقال علي رضي الله عنه وزيد بن ثابت ومن قدمنا قوله الرشا من السحت، وأما الرشوة في غير الحكم فهو ما ذكره ابن مسعود ومسروق في الهدية إلى الرجل ليعينه بجاهه عند السلطان وذلك منهي عنه أيضا لأن عليه معونته في دفع الظلم عنه قال الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى وقال النبي : "لا يزال الله في عون المرء مادام المرء في عون أخيه".
ووجه آخر من الرشوة هو الذي يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محظورة على معطيها وروى عن جابر ابن زيد والشعبي قالا لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم وعن عطاء وإبراهيم مثله وروي هشام عن الحسن ليحق باطلا أو ليبطل حقا فأما اندفع عن مالك فلا بأس وقال يونس عن الحسن لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: اجعل مالك جبنة دون دينك ولا تجعل دينك جبنة دون مالك.
وروى سفيان عن عمر وعن أبي الشعتاء قال لم نجد زمن زياد شيئا أنفع لنا من الرشا فلهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه وقد روى أن النبي  لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك العطايا الجزيلة أعطى العباسي بن مرداس السلمي شيئا فسخطه فقال شعرا فقال النبي : اقطعوا عنا لسانه فزادوه حتى رضي وأما الهدايا للأمراء والقضاة فإن محمد بن الحسن كرهها و إن لم يكن للمهدي خصم ولا حكومة عند الحاكم ذهب في ذلك إلى الحديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن الليثية.
وجاء في المحلى ( ):
ولا تحل الرشوة وهي ما أعطاه المرء ليحكم له بباطل أو ليولى ولاية أو ليظلم له إنسانا فهذا يأثم والمعطى و الأخذ فأما من منع من حقي فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباح للمعطي وأما الأخذ فآثم، وفي كلا الوجهين فالمال المعطى باق على ملك صاحبه الذي أعطاه كما كان كالغصب ولا فرق.
وجاء في الحلال والحرام( ):
(ومن كان حق مضيع لم يجد طريقة للوصول إليه إلا بالرشوة أو وقع عليه ظلم ولم يستطع دفعه عنه إلا بالرشوة فالأفضل أن يصبـر حتى ييسر الله له أفضل السبل لرفع الظلم ونقل الحق، فإن سك سبيل الرشوة من أجل ذلك فالإثم على الأخذ المرتشي وليس عليه إثم الراشي في هذه الحالة مادام قد جرب كل الوسائل الأخرى فلم تأت بجدوى وما دام يرفع عن نفسه ظلما أو يأخذ حقا له دون عدوان على حقوق الآخرين).
وقد استدل بعض العلماء على ذلك بأحاديث المحلفين الذين كانوا يسألون النبي  من الصدقة فيعطيهم وهم لا يستحقون فعن عمر أن النبي  قال: "إن أحدكم ليخرج بصدقته من عندي متأبطها يحملها تحت إبطه، وإنما هي له نار! قال عمر: يا رسول الله كيف تعطيه وقد علمت إنها له نار؟ قال: "فما أصنع؟ يأبون إلا مسألتي ويأبى الله عز وجل لي البخل".
-محل النشاط الإجرامي:
محل النشاط الإجرامي هنا هو المال أو المنفعة أو الفائدة أو الهدية التي تقدم للمرتشي.< BR>ويستدل على أن تكون قيمة الرشوة المال بما روي عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان بالحبشة فرشا بدينارين حتى خلى سبيله وقال أن الإثم على القابض دون الدفع( ).
وقد تكون حليا من الذهب ويستدل على ذلك ما جاء في الموطأ "أن رسول الله  كان يبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا هذا لك وخفف عنا، وتجاوز في القسم فقال عبد الله يا معشر يهود الله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي".
وقد تكون من المأكولات ويستدل على ذلك بما ذكر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه نزل منزلا بالشام فأهدى إليه تفاح فأمر برده فقال له عمر بن قيس: يا أمير المؤمنين: أما علمت أن رسول الله  كان يأكل الهدية؟
فقال: ويحك يا عمر وإن الهدية كانت لرسول الله  هدية وهي لنا رشوة( ). وقد تكون (عبارة) هدية من أي نوع.
وقد تكون الفائدة أو المنفعة متمثلة في الاستعارة فيحرم على الموظف أو الوالي أو القاضي قبولها لأن الاستعارة من الأمور التي يلزم اجتنابها لأن ذلك وسيلة إلى الرشوة.
وعلى الجملة فإننا نقول أن الشريعة الإسلامية قد حرمت جميع صور الفائدة أو المن فعة في جميع صورها ومسمياتها إذا وقعت بقصد الرشوة فلا تقتصر على النقود والحلي وجاء في ابن عابدين ( ) وذكر الهدية ليس احتراز إذ يحرم عليه الاستقراض والاستعارة فمن يحرم عليه قبول هديته قال: ومقتضاه أنه يحرم عليه سائر التبرعات فتحرم المحاباة أيضا، ولذا قالوا له أخذ أجرة كتابة الصك بقدر أجرة المثل.
فإن مفاده أنه لا يحل له أخذ الزيادة لأنها محاباة على هذا مما يفعله بعضهم من شراء الهدية بشيء يسير أو بيع الصك بشيء كثير لا يحل وكذا ما يفعله بغضهم حين أخذ المحصول من أنه يبيع به الدافع دواة أو سكينا أو نحو ذلك لا يحل لأنه إذا حرم الاستقراض أو الاستعارة بهذا أولى"
الفقرة الثالثة: القصد الجنائي:
القصد في القانون الجنائي نوعان: قصد عام وقصد خاص.
والقصد العام هو أن يكون الجاني عالما بأركان الجريمة، وعناصرها وظروفها ونتائجها.
والقصد الخاص هو الذي يتطلب فوق العلم والإرادة نية تتجه إلى غاية كنية خبيثة (نية الإضرار أو الغش أو الإساءة) فالقصد هنا هو درجة من العلم أخص( ). والشريعة الإسلامية تعرف القصد الجنائي لأن النيات يعاقب عليها قال رسول الله : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فالنية هي الق صد الجنائي .
وقال تعالى في سورة الأحزاب: "وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكنت ما تعمدت قلوبكم".
والقصد المطلوب في جريمة الرشوة نعتقد أنه هو القصد الخاص فيجب أن يكون الراشي عالما بأنه يقدم الوعد أو الفائدة للقاضي أو الحاكم أو الوالي (المرتشي) لكي يخل بواجباته.
وعلى ذلك أبيح لمن كان يهدى إليه قبل التحاقه بالوظيفة لأن النية هنا للتحبب ليس إلا، قال رسول الله  : "تهادوا تحابوا" وقد ورد في المذهب "وأما من كانت له عادة أن يهدي إليه قبل الولاية برحم أو مودة فإنه إن كانت له في الحال حكومة لم يجز قبولها منه لأنه لا يأخذ في حال بينهم فيه وإن لم يكن له حكومة، فإن كان أكثر مما كان يهدي إليه أو أرفع منه لم يجز له قبولها لأن الزيادة حرمت بالولاية، وإن لم يكن أكثر ولا أرفع ما كان يهدي إليه جاز قبولها لخروجها من تسبب الولاية والأولى ألا يقبل لجواز أن يكون قد أهدي إليه لحكومة منتظرة" ( ).
وجاء في الفتاوي الهندية:
يجوز للقاضي قبول الهدية ممن لا خصومة له وكان بين المهدي والمهدى إليه مهاداة قبل القضاء بسبب قرابة كهدية رحم محرم إليه حيث لا يجوز الحكم له أو صداقة فهذه يجوز قبولها بشرط ألا يزيد عما كان يهديه قبل القضاء".
الفقرة الرابعة، رشوة المستفيد:
والراشي والمرتشي غالبا ما يتم الإتقان بينهما على الرشوة وإعطاء المقابل للمرتشي نفسه ولكن، يحدث أن يقدم الراشي مقابل الرشوة أو الفائدة أيا كانت إلى غير المرتشي كن يقدمها لابن المرتشي أو زوجته أو أحد أقاربه.
وجاء في شرح أدب القاضي : ص 74 مسألة 209 وإن رشا الطالب ولد القاضي، أو كاتب القاضي أو أحد في ناحية القاضي، على أن يعينه عند القاضي ليقضي له وهو حق له فقضى القاضي وهو لا يعلم ذلك حتى قضى، فالطالب آثم فيما صنع، والقابض معاقب وهو حرام عليه، والقضاء نافذ، لأن القاضي لم يصر مستأجرا على القضاء لأنه لم يأخذ الرشوة فنفذ قضاءه.
وهذا يدل على أن الراشي إذا دفع الرشوة للمستفيد على أن يعاونه بأن يكلم له القاضي أن يقضي له فهنا جريمة الراشي والمستفيد تتم لأنها استوفت ركنيها المادي والمعنوي.
أما بالنسبة للقاضي فيفرق بين حالتين:
الحالة الأولى: إذا قدم الراشي الرشوة للمستفيد بدون علم القاضي وبعد ذلك علم وقضى ولم يعترض فنعتقد هنا أن القاضي يعتبر مرتشيا كما لو كان هو الذي اتفق مع الراشي.
الحالة الثانية: وهي حالة ما إذا قدم الرشوة للمستفيد وحكم القاضي بدون أن يعل م منا تم بين الراشي والمستفيد فالجريمة هنا تكون بالنسبة للراشي والمستفيد، أما القاضي فلا إثم عليه لأنه قضى وهو لا يعلم بما حدث بينهما وعلى ذلك يكون قضاؤه نافذا.

المطلب الثـاني: العقـوبة

جريمة الرشوة من الجرائم التعزيرية ويسميها البعض العقوبة التفويضية وهذه العقوبة مجالها واسع أمام الحاكم يؤدب به من يشاء على من يشاء بما شاء غير مقدر فيها بشيء ما، ولا في نوعها ولا في كمها ولا في كيفيتها مادام رائدة النظر والمصلحة وقصد الردع والتأديب وإقرار الحق والعدل.
لذلك يجدر بنا أن نتكلم عن العقوبات التي نرى أن تطبق في جريمة الرشوة وهي:
1-عقوبة الحبس، 2-عقوبة الغرامة، 3-عقوبة المصادرة، 4-عقوبة العزل من الوظيفة، 5-عقوبة الجلد والضرب، 6-عقوبات الحرمان.
وعلى ذلك فإن ولي الأمر أو القاضي من حقه أن يختار العقوبة أو العقوبات المناسبة ويوقعها على أطراف الجريمة مراعيا في ذلك أحكام شريعتنا الغراء وباستطاعته التشديد أو التخفيف، ونرى أن العقوبات التي بالإمكان تطبيقها على أطراف الرشوة تكون حسب الآتي:
الفقرة الأولى: عقوبة المرتشي
للقاضي توقيع العقوبات التالية عليه:
1-الحبس: الحبس في ا لشريعة الإسلامية ليس سجنا في مكان ضيق فحسب ولكنه تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء أكان ذلك في بيت أو في مسجد أو في غيرها، وكان هذا هو السجن أو الحبس أيام النبي  وأبي بكر الصديق رضي الله عنه أما في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد اشترى دارا لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وجعلها حبسا( ).
والحبس أو السجن ورد في القرآن الكريم بقوله تعالى: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ( )، وقوله تعالى: لئن اتخذت لها غير لأجعلنك من المسجونين ( ).

وقد شرعت عقوبة الحبس بالسنة النبوية الشريفة والإجماع وقد أورد القرطبي في أقضية الرسول الروايات والأحاديث التي تؤيد ذلك وللمصلحة العامة رأينا أن نورد بعضها للاستفادة وهي (اختلفت أهل الأمصار هل سجن رسول الله  وأبو بكر رضي الله عنه جدا أو لا؟ ( ).
فذكر بعضهم أنه لهما سجن ولا سجنا أحدا وذكر بعضهم أن رسول الله  سجن في المدينة في تهمة دم رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفهما من طريق نهرين حكم عن أبيه عن جده.
وذكر أبو داود في مصنفه قال حبس رسول الله  ناسا من قومي في تهمة دم.
وفي غير المصنف عن عبد الرز اق بهذا السن أن النبي  حبس رجلا في تهمة (دم) ساعة من نهار ثم خلى عنه.
ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان: أن رسول الله  سجن رجلا أعتق شـركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه وقـال في الحديث: حتى باغ غنيمة له(..).
ويلاحظ أن عقوبة الحبس يعاقب بها على الجرائم البسيطة والجرائم الخطيرة.
2-الجلد والضرب: عقوبة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
من القرآن قوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبعوا عليهن سبيلا ( ).

-من السنة النبوية الشريفة: قوله : "لا يجلد فوق عشرة إلا في حد" وقوله في رواية أخرى: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى"( )
-ومن الإجماع وقد عزر الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من حكام المسلمين وقال الفقهاء بجواز الجلد أو الضرب في التعزير وعلى ذلك انعقد إجماعهم.
واختلف في مقدار الجلدات التعزيرية من حيث الحد الأعلى والحد الأدنى وذلك باختلاف الآراء الفقهية.
3-المصادرة: الشريعة الإسلامية عرفت هذه العقوبة وقد أوردها ابن تيمية في كتابه الحسبة في الإسلام ومصدر هذه العقوبة السنة النبوية الشريفة وما فعله الصحابة والإجماع ومنها مصادرة آلات وسلع وكذا مصادرة أموال.
4-الغرامة: عقوبة معروفة في الشريعة الإسلامية الغراء وتوقع تعزيرا، وقد تكون الغرامة عقوبة أصلية وقد تكون مع غيرها وليس هناك حد أدنى أو أعلى لها.
5-العزل من الوظيفة والحرمان من تولي الوظائف ومباشرة الحقوق:
العزل من الوظيفة معناه حرمان الشخص من وظيفته وحرمانه تبعا لذلك من رابته الذي يتقاضاه عنها لعزله عن عمله، وهذه العقوبة تطبق في شأن كل موظف أخذ ما لا يحل له أخذه من الرشوة وغيرها، أو ارتكابه جزاء اقتراضه لهذه الجرائم التي أهدر معها الأمانة المعهودة إليه.
وهذه العقوبة توقع على الموظفين العموميين وقد عوقب بها الولاة والقضاء الذين ثبت قيامهم بارتكاب أمر ينكره عليه دينهم.
ومصدر هذه العقوبة أقوال الفقهاء والإجماع نذكر من ذلك قول ابن تيمية في السياسة الشرعية: "فلو عزل الشارب من الأربعين بقطع خبره أو عزله من ولايته كان حسنا" وقد ضرب ابن تيمية أمثلة لمن توقع عليهم تلك العقوبة منها:
1-من يقبل الهدية بسبب العمل
2-من يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو ودويه.
3-ولي الأمر الذي يأخذ الرشوة أو الهدية
4-والأمير إذا فعل ما يستعظم
وعقوبة الحرمان عقوبة تعزيرية مثل حرمان بعض الأشخاص من مباشرة حقوقهم السياسية أو تولي الوظائف العامة مثل عمل القضاة.
الفقرة الثانية: عقوبة الراشي والرائش والمستفيد:
يمكن للقاضي أن يطبق نفس عقوبات المرتشي باستثناء عقوبة العزل من الوظيفة والحرمان من تولي الوظائف ومباشرة الحقوق أي يمكن أن يطبق على هذه الأشخاص : كل من عقوبات الحبس، والجلد أو الضرب وكذا الغرامة والمصادرة.
وما يمكن ملاحظته في كون عقوبة الرشوة تختلف من شخص إلى آخر ومن مكان إلى مكان والأمر في النهاية متروك للسلطة التقديرية للقاضي





المبحث الثاني: أدلة الإثبات


أدلة الإثبات في الشريعة الإسلامية هي ذاتا المعروفة في القوانين الوضعية وعلى ذلك نقول أن أدلة الإثبات بصفة عامة في المواد الجنائية هي: الشهادة، القرائن، اليمين، الكتابة، الإقرار أو الاعتراف على القاضي وأخيرا الخبرة.
ونقول هنا أيضا أن جريمة الرشوة باعتبارها من جرائم التعزير وتدخل في الأموال فإنها تبث بأحد الأدلة التالية: الشهادة، الإقرار أو الاعتراف وأخيرا القرا ئن.
وعلى ذلك سنخصص لكل مطلبا مستقلا:

المطلب الأول: الشهــادة:

الفقرة الأولى: معنى الشهادة
لغة: هي البيان أو الإخبار القاطع وقولهم أشهد بكذا أي أحلف والمشاهدة: المعاينة (وشهده) بالسكر (شهودا) أي حضره فهو (شاهد) وقوم (شهود) أي حضور ( ).
شرعا: هي إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء فتخرج شهادة الزور فليست شهادة وإطلاق الشاهد على الزور مجاز من قبيل إطلاق البيع على بيع الحق( ).
وقيل هي إخبار بحق للغير على آخر سواء كان حق الله تعالى أو حق غيره ناشئا عن يقين لا عن حسبان وتخمين وإليه الإشارة بقوله : "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع"( ).
وأدلة الشهادة تثبت بالكتاب والسنة والإجماع:
أولا: من الكتاب قوله تعالى:
واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا.. ( ).

ثانيا: من السنة النبوية الشريفة
روى وائل ابن حجر قال:
جاء رجل من كندة إلى النبي  فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق فقال النبي  للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه".
وما روى أن النبي  قال: "البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه" وهذه القاعدة تقابلها في القوانين الوضعية البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"

ثالثا: من الإجماع:
أجمع السحابة والخلفاء على الإثبات بالشهادة ويساق لذلك ما ورد في رسالة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إلى أبي موسى الأشعري والتي جاء فيها: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا"
الفقرة الثانية: الشروط الواجب توفرها في الشهادة:
للشهادة شروط عامة هي: البلوغ ، العدالة، انعدام التهمة، العقل، الإسلام، الحفظ، انعدام القرابة، الكلام، انعدام العداوة.
وفيما يخص لفظ الشهادة فيرى بعض الفقهاء بضرورة أن تؤدى الشهادة بلفظ أشهد بينما يرى البعض جواز أداء الشهادة بأي لفظ يفيد معناها( ).
الفقرة الثالثة: نصاب الشهادة:
جريمة الرشوة كما قلنا من الجرائم الموجبة لعقوبة مالية وعلى ذلك نصاب الشهادة كالآتي:
1-شهادة برجلين، 2-أو رجل وامرأتان، 3-أو شهادة رجل واحد ويمين المد عى
ويرى ابن القيم أن الجرائم الموجبة للعقوبات المالية تثبت بشهادة شاهد واحد دون يمين كلما وثق به القاضي( ).
وقال أبو هريرة رضي الله عنه : قضى رسول الله  باليمين مع الشاهد الواحد.
هذا وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز الحكم بشهادة شاهد واحد ويستدلوه على ذلك حديث خزيمة بن ثابت أن النبي  ابتاع فرسا إلى أعرابي فاستتبعه إلى منزله ليقضيه ثمن فرسه فأسرع النبي  وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي يساومونه بالفرس لا يشعرون أن النبي  ابتاعه فنادى الأعرابي رسول الله : "إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي  حين سمع نداء الأعرابي فقال أوليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتكم، فقال النبي  بل قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا، فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي  على خزيمة فقال بم تشهد؟ قال لتصديقك يا رسول الله  فجعل النبي  شهادة خزيمة بشهادة رجلين" (رواه النسائي وأبو داود.

المطلب الثاني: الإقرار:

الفقرة الأولى: مفهوم الإقرار : لغة واصطلاحا
لغة: هو الإثبات من قر الشيء يقر قرارا
شرعا: عرفه البعض بأنه الإخبار عن الحق أو الاعتراف.
وقال البعض: أنه إخبار بحق لآخر لا إثبات له عليه وهو خبر يتردد بين الصدق والكذب فهو خبر محتمل باعتبار ظاهره وبذلك لا يكون حجة، ولكنه جعل حجة إذا اصطحب بدليل معقول يرجع جانب الصدق على جانب الكذب.
والإقرار يقال له الاعتراف في تعبير القانونيين
أدلة الإقرار: ثبت الإقرار بالكتاب والسنة والإجماع.

أولا: أدلة القرآن الكريم
قوله تعالى: وليملل الذي عليه الحق وليتفق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ( ).

وقوله تعالى:  يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم( ).
ثانيا: من السنة النبوية الشريفة
حفلت السنة النبوية الشريفة بروايات كثيرة تؤيد الأخذ بالإقرار نذكر منها حديث ما عزا والفامدية وحديث العسيف.
ثالثا: من الإجماع:
الأمة أجمعت على صحة الإقرار لأنه إخبار بنفي التهمة عن المقر ولهذا كان الإقرار أكد من الشهادة وكان حجة في حق المقر يوجب عليه الحد والقصاص والتقرير كما يوجب عل يه الحقوق المالية.
الفقرة الثانية: الشروط الواجب توافرها في الإقرار:
يشترط في المقر ما يلي:
1-أن يكون بالغا، 2-أن يكون عاقلا، 3-أن يكون مختارا، 4-أن يكون قادرا على النطق أي أن يكون بالخطاب والعبارة لا بالكتابة والإشارة، 5-يجب أن يكون الإقرار مفصلا مبينا لحقيقة الفعل، 6-يكتفي بالإقرار مرة واحدة في التقرير لأنه مما لا يندئ بالشبهات.

المطلب الثـالث: القـرائن:

الفقرة الأولى: تعريفها
القرينة مأخوذة من المقارنة وهي المصاحبة
والشريعة الإسلامية قد عرفت القرائن بل إن معظم أحكامها قد بنيت على أساس القرائن محل القسامة وإثبات الزنا بالحمل وإثبات شرب الخمر بالرائحة وإثبات السرقة على من يوجد في حيازته المال المدعى بسرقته ودفع اللقطة لمن يصفها ويعطى مميزاتها بصفة صادقة ولمن يريد الاستزادة أن يرجع إلى كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم الجوزية.
الفقرة الثانية أدلتها:
وردت أدلة القرائن بالكتاب والسنة والإجماع
أولا أدلة القرآن الكريم
قوله تعالى: واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سواء إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدهن إن كيدكن عظيم ( ) .

ثانيا: من السنة النبوية الشريفة
"عن أبي هريرة عن النبي  قال بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها، إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى فخرجنا على سليمان بن داود عليه السلام فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى لا يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى" ( ) رواه الشيخان والنسائي
يستدل أيضا أن النبي  أمر الزبير أن يتعهد عم يحيى بن أقطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاذه فقال له العهد قريب والمال أكثر من ذلك فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال وقصر المدة التي ينفق كله فيها( ).
أمر رسول الله  الملتفظ أن يندفع اللقطة إلى واضعها وأمره أن يعرف عقاصها ووعاءها وركائنها فجعل وصفه لها قائما مقام البينة.

ثالثا: من الإجماع
يستدل من ذلك ما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة معه برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد وذهب إليه مالك وأحمد في أصح روايته اعتمادا على القرينة الظاهرة.
وقد قال ابن القيم أن الحاكم إذا أهمل الحكم بالقرائن أضاع حقا كثيرا وأقام باطلا كبيرا وأنه إن توسع وجعل معوله عليها دون الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد( ).
والذي يحدث أن التحريات التي يجريها رجال الشرطة عن جرائم الرشوة يعد بناء عليها كمين لضبط الراشي والمرتشي بعد أن توضع علامات أو تؤخذ أرقام المبالغ المالية ويستعان بأجهزة التسجيل ويواجه بها المتهم فلا يجد سبيلا للإنكار وفي الغالب ما يقرر ويعترف، وتبقى السلطة التقديرية للقاضي.



المبحث الثالث: الرشوة بين الإباحة والتحريم

لا يختلف اثنان على أن الإسلام حرم الرشوة وما أكدته جميع المذاهب الفقهية استناد إلى قوله  لعن الله الراشي و المرتشي والرائش ومع ذلك فقد رخص بعض المتأخرين من الفقهاء في ذلك أي بجواز دفع الرشوة لدفع الضرر في هذا الاتجاه فقد أصدر مفتي الديار المصرية فتوى تبيح "تقديم الرشوة" لمن يطلبها إذا عطل مصلحة أحد الأشخاص ولم يجد صاحب هذه المصلحة أو الطلب "نصيرا" ينصره أو يساعده على قضاء مصلحته وضاقت به السبل معتبرا ذلك ضرورة تبيح الرشوة.
وحيث قد مر على الأمة أزمان سادت فيها الأحوال، وفسد فيها الحكام، وفشا فيها الرشا فأصبحت حاجات الناس مرهونة بما يستميلون به الحكام والقضاة والمتفندين من الرشا والهدايا، ولاشك أن هذا كان من المصائب التي مرت به الأمة، وعلى الأخص في الفترات التي كانت فيها بلادها مستباحة حيث عم فيها الطغيان ففسدت الذمم، وعم الفساد وضعف الوازع الديني فصار المعروف منكرا والمنكر معروفا.
وفي ذلك ضاف الناس لحوائجهم فاجتهد جماعة من أئمة التابعين فرأى جواز دفع الرشوة لدفع الظلم على النفس والمال أو العرض وفقد للضرورة ومقتضياتها( ).
وسنقوم بتلخيص ذلك فيما يلي في مطلبين أساسيين:

المطلب الأول: الاتجاه المبيح للرشوة

الفقرة الأولى: بعض المذاهب الفقهية
ففي مذهب "الإمام أبي حنيفة أن ما يدفع لدفع الخوف من المدفوع إليه على النفس أو المال حلال للدافع حرام على الأخذ لأن دفع الضرر على المسلم واجب( ).
-وفي مذهب الإمام مالك ذكر الرهوني: "قام بعض العلماء إذا عجزت عن إقا مة الحجة الشرعية أثم دونك إن كان الحق جارية يستباح فرجها بل يجب ذلك لأن مفسدة الوالي أخف من مفسدة الزنا والغصب وكذلك الزوجة وكذلك الاستعانة بالأجناد يأثمون ولا تأثم وكذلك عصب الدابة وغيرها وحجة ذلك لأن الصادر من المعين عصيان لا مفسدة فيه والجحد والغصب عصيان ومفسدة وقد جوز الشارع الاستعانة بالمفسدة لا من جهة أنها مفسدة على درء مفسدة أعظم منها كفداء الأسير فإن أخذ الكفار لمالنا حرام عليهم وفيه مفسدة إضاعة المال فما لا مفسدة فيه أولى أن يجوز ( ).
-وفي مذهب الإمام الشافعي تحرم الرشوة فلا يجوز للحكام ولا للقاضي ومن في حكمهما قبول هدايا العمال، فإن أهدى لهما من خصومة أو هبة أو ضيفة أو تصدق عليه فرضا أو نقلا أو من غلب على ظنه أن قبل الولاية أو من لا خصومة له ولم يهد إليه شيئا قبل ولايته حرم عليه قبولها ولا يملكها لأنها توجب الميل إليه في الأولى ويحال سببها على الولاية في الثانية وقد ورد في الأخبار الصحيحة أن هدايا العمال سحت وإنما حلت له  لعصمته، فمتى بذل له مال ليحكم بغير الحق أو امتنع عن حكم بحق فهو الرشوة المحرمة بالإجماع ومن علم أخذ ماله بباطل لو لا الرشوة فلا ذم عليه( ).
-وفي مذهب الإمام أحمد الر شوة في الحكم، ورشوة العامل حرام، قال ابن قدامة، قال الله تعالى: آكلون السحت قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره، هو الرشوة قال: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر، وقيل إذا رشى الراشي العالم ليدفع ظلمه وبجزيه على واجبه فقال عطاء وجابر بن زياد والحسن لا بأس أن يصانع عن نفسه وقال جابر ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا ولأنه يستنفذ ماله كمنا يستنفذ الرجل أسيره"( ).
-وفي مذهب الإمام ابن حزم من منع من حقه فأعطى ليدفع عنه نفسه لظلم لذلك مباح للمعطي، وأما الآخذ فآثم( ).
و هذه مجمل آراء بعض المجتهدين من الأئمة المتأخرين وهي بلا شك نتيجة واقع في زمان كان له ظروفه ومشكلاته، ولا تبرر بأي حال بأن تكون قاعدة متبعة في كل زمان أو مكان، فالحاكم والقاضي والوالي ومن في حكمهم يعطون مرتبات من مال للاستفادة من نفوذه أو سلطانه .
الفقرة الثانية: بعض آراء علماء الدين
أولا: بدءا أجاز الدكتور "علي جمعة" مفتي الديار المصرية "تقديم الرشوة" ( ) لمن يطلبها إذا قام بتعطيل المصلحة ولم يجد صاحبها نصيرا ينصره، على اعتبار أن تقديم الرشوة في هذه الحال ارتكاب لأخف الضررين ودفع لأشد المفسدتين ومراعاة للحقوق وا لمصالح.
وأوضح الدكتور "جمعة" في بيان أصدرته دار الإفتاء المصرية في القاهرة أنه مراعاة للحقوق والمصالح والالتزامات أن تتم على وجهها وبصورة عادلة، أجاز فقهاء المذاهب الأربعة لمن تعطلت مصالحه ولم يجد نصيرا لن ينصره على الحق ولا يستجير به من طرف القوة أن يقدم الرشوة للفاسق الذي يطلبها.
وقال أن الفقهاء في هذه الحال على أن المعطي إذا ضاقت به السبل وتعطلت مصالحه عند الفاسق ولم يجد نصيرا ينصره على الحقوق ولا يستجير به من طرف القوة، فإنه ارتكـاب لأخف الضـررين ودفعا لأشـد المفسدتين، ومـراعاة للحقـوق والمصالح والالتزامات أن تتم على وجهها وبصورة عادلة، فقد أجاز الفقهاء الأربعة إذا كانت الحياة كمنا وصفتا أن يعطي صاحب الحق المال لذلك الطالب الفاسق، وأن هذا يستثنى مما ذكرنا للضرورة، قال السيوطي الشافعي" ( ) قاعدة "ما حرم أخذه حرام إعطاؤه" إلا في خمس صور وعد منها: الرشوة يتوصل بها إلى حقه، وهو نص كلام "ابن نجيم الحنفي" ويؤيده "ابن عابدين" في حاشيته على الاشتباه وهو محل اتفاق لقاعدة "ارتكاب لأخف الضررين واجب" ويصبح الإثم في هذه الصورة منحصرا في الأخذ، حيث طلب مالا لا يستحقه وعطل مصالح الخلق بالباطل، وعلى ولي الأمر أن ي غيث كل من طل منه الغوث للقضاء على هذا الفساد العريض، كما يجب على الطالبين أن يتوبوا إلى الله من هذا الإثم حتى يبارك الله في أموالهم وأولادهم.
وأضاف "جمعة" قائلا: يرد السؤال كثيرا من المسلمين المقيمين في بلدان تحكم بالنظم الاستبدادية ويحرمون فيها من حقوق الإنسان فتستعمل هذه الفتوى في شأنهم مراعاة لحـالهم وتيسيـرا لمعيشتهم وأداء فروضهم الدنيوية ولدينية ونحو ذلك مشيرا إلى أن المسلمين أن يدركون القاعدة المقررة شرعا، "إن الضرورة تقدر بقدرها" و"أن أكل الميتة حرام لا يجوز الأكل منه إلا عند الإضطرار فإذا انتهى الإضرار رجع الحكم إلى حالـه الأولـى.
ويؤكد الدكتور "عبد الصبور شاهين" الأستاذ في جامعة القاهرة على عدم إمكانية أن يكون الحرام حلالا لأي سبب من الأسباب ولكن يكون مباحا في حالة الضرورة وبزوال الضرورة تزول تلك الإباحة ولذا فإن الفتوى التي صدرت عن دار الإفتاء المصرية والتي تجيز إعطاء هدية للموظف العام أو لطالبها مهما كانت وظيفته للحصول على حق معطل جائزة شرعا، فهي ذات تأثير خطير في المجتمع لأنها تفتح الباب على مصراعيه ليتعامل الناس بالرشوة على أنها أسلوب حياة، فهذا خطر على أخلاق المجتمعات الإسلامية وعلى مستقب لها الاقتصادي.
ثانيا: تحليل الفتاوى القائلة بجواز الرشوة ونلخص ذلك فيما يلي:
أ-بدأت هذه الفتوى على حرمة الرشوة شرعا وبأنها من الكبائر، وهذا أمر يتفق مع أدلة الشرعية.
ب-بعد ذلك أجازت هذه الفتاوى دفع الرشوة بوساطة الشخص الذي له حق ولا يمكنه التوصل إليه إلا بدفع الرشوة واستدلت على ذلك بنصوص فقهية لـ "ابن عابدين والسيوطي وابن نجيم" وهي نصوص منزوعة من سياقها وواقعها، وبررت الفتاوى ذلك في حالة الضرورة.
وفي هذا نرد عليهم بما يلي:
 القرآن والسنة يحرمان الرشوة على الإطلاق في نصوص قطعية الدلالة ليس فيها استثناء، فلا يجوز الخروج عن هذه الأدلة والاستدلال بأقوال الفقهاء أيا كانت مكانتهم.
 إن حالة الضرورة التي استندت إليها الفتاوى غير متوافرة في الصور المذكورة فالضرورة المبيحة لارتكاب المحرم كما عليه إجماع علماء الأمة هي التي لو لم يرتكب فيها المحرم هلك الشخص أو عضو من أعضائه وليس مجرد الضيق والحرج.
 إن الخوف من ضياع الحق ما لم يدفع الرشوة يعني ضياع مال وربما ألم بالشخص إلى أن يصبح فقيرا، والقرآن الكريم في المقارنة بين خوف الفقر وارتكاب المحرم طالب بتحمل خوف الفقر وعدم ارتكاب ا لمحرم، ووعد الله سبحانه وتعالى من يلتزم بذلك بالغنى من فضله، فيقول سبحانه وتعالى:  يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا تقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا و أن خفتم عليه فسوف يعنيكم الله من فضله إن شاء الله عليم حكيم ( ).
ج-إذا كانت الفتوى قصرت الإثم على المرتشي أخذ الرشوة في هذه الصورة، فلماذا لم يلتمسوا العذر له مثلما التمسوا العذر للراشي، لأنه كما يقول أصحاب الاتجاه المؤيد للرشوة إن الفساد "الرشوة" يساعد على تحسين مستوى موظفي الدولة ذوي الدخول المنخفضة، وخصوصا أنه يعلم أن الراشي سيستفيد من موافقته ويكسب كثيرا فلماذا لا يكون له نصيب من هذا الكسب؟
ما يمكن ملاحظته حول جواز دفع الرشا من أجل الحصول على الحقوق بحجة أن الأخير حال ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، و أن الإثم في هذه الحال يقع على المرتشي أو أخذ الرشوة و هذا أمر خطير واستخدام لدور الدين في غير المطلوب منه وبخاصة في ظل واقع الحال الذي كان يتطلب من علماء الدين العمل على استخدام الدين في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة كما يتضح مما يلي: إذن ماذا عن الاتجاه المعارض للرشوة.

المطلب الثاني: الاتجاه المعارض للرشو ة / تحريمها

هذا الاتجاه يرى بضرورة التصدي للرشوة عن طريق مزيد من الوقاية والضبط المؤسسي وتشديد العقوبات عليها إضافة إلى تأكيد النزاهة والشفافية والعمل على التمسك بالقيم الأخلاقية الفاضلة والعمل على مساندة هذا التمسك بكل السبل، وما تجدر الإشارة إليه أنه لا يختلف اثنان على أن الإسلام حرم الرشوة وما أكدته جميع المذاهب الفقهية استنادا في قوله  : "لعن الله الراشي و المرتشي والرائش".
أولا: الرشوة مخالفة للأخلاق الإسلامية:
المستشار محمد علي عبد ولي رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية المستهلك يؤكد أن الإسلام العظيم حرم الرشوة وأكد على طهارة اليد ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل ( )، وقال رسولنا العظيم  لعن الله الراشي و المرتشي والرائش" والرائش أي الساعي بينهما مسهلا وميسرا هذا الفعل القبيح والمنكر الذي تأباه النفس العفيفة واليد النظيفة و الإنسان الساعي إلى تبرئة ساحته من أي شائبة قد تعلق بها لكي يلقى الله تعالى يوم القيامة بقلب سليم وليتجنب الإفلاس يوم القيامة فقد ورد عن الرسول  أنه قال يوما لأصحابه: "أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفل س من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".
وإذا تأملنا حديث الرسول  سنجد أن اللعنة تلحق الراشي أي القائم بالفعل، والمرتشي وهو المتلقي للرشوة، فلا تفرقة بين الفاعل والمفعول فكلاهما مطرود من رحمة الله، وهو معنى اللعنة التي تلحق أيضا بالشخص الذي يمشي بين الاثنين منسقا ومرتبا للقائهما ومباركا لاتفاقهما على المعصية، وفي الغالب أن هذا الوسيط سيناله جزء من هذه الصفقة المشبوهة التي يتحدى بها هذا الفريق المخالف كل التقاليد والأعراف والأخلاق التي تحظ على الفضيلة وتحث على التمسك بمكارم الأخلاق.
ثانيا: الرشوة جريمة:
يصف الدكتور "عزت عطية" الأستاذ في جامعة الأزهر قضية الرشوة بأنها متعددة الأطراف، منها الراشي ومن حيث الراشي الذي يدفع الرشوة والمرتشي، الذي يأخذها، والمجتمع الذي تتم فيه الرشوة، مشيرا إلى أن كل من يرضى بالرشوة مقتنعا بها يعتبر آثما، لأنه رضي بما يخالف الشرع، ولا فرق في ذلك بين الراشي و المرتشي فكل من يشارك في المعصية عاص لكن الرشوة لا تكو ن من دون جهد مقابل يقوم به المرتشي، بل هي مقابل جهد عادي يتطلبه العمل الذي يعمله المرتشي، فلا يعبر من الرشوة ما يأخذه الموظف مقابل عمل يقوم به منفصلا عن واجبه الأصلي مثل بيع خبرة عينية أو علمية، وإنما تكون الرشوة حينما يتصرف على أساس عمله الأساسي الذي يأخذه عليه الأجر وفي مقابل مبلغ خاص أو هدية.
ولقد اعترض الدكتور منيع عبد الحليم محمود" عميد كلية أصول الدين بشدة على هذه الفتوى قائلا: إن الإسلام حريص كل الحرص لمن يعملون في خدمة المواطنين، وإن يكونوا على نقاء وطهارة، كما يحرص الإسلام على أن يأخذ هؤلاء العاملون كل ما يمكنهم من أداء أعمالهم بصورة سليمة تشرف الدين وتشرف أي مواطن في أي بلد إسلامي، ومن هنا كان لعنة الراشي والمرتشي والرائش في الشريعة الإسلامية بناءا على نص حديث رسول الله  وعلى هذا فإن الرشوة محرمة سواء على من يعطيها أو على من يأخذها.
وبالنسبة لمن يعطيها فهو إفساد في الأرض، لأنه يخرج هؤلاء الموظفين عن النقاء والطهارة المطلوبتان إسلاميا، وفي الوقت نفسه يشجع على تعطيل مصالح المواطنين جميعا سواء كانوا فقراء أم أغنياء، على أن يعطوا الرشوة لأخذ حقوقهم سواء كانت بطريقة قانونية سليمة أو غير سل يمة، فالرشوة إذا بدأت بتسهيل الأعمال فإنها تنتهي بالتزوير والغش والخداع لتسهيل السرقة.
ويضيف منيع قائلا: "إن الرشوة بصفة عامة مرفوضة رفضا كاملا في الإسلام، وهي من المحرمات الكبرى سواء كانت معطاة من الراشي مأخوذة من المرتشي، فلا فرق بين الاثنين، وذلك بنصوص السنة النبوية الشريفة.
ومن العجب أن يقول بذلك بعض الناس ويجعلون الرشوة حلالا تحت بند الاضطرار بالنسبة للراشي، وهناك في بلاد أخرى يعتبرونها مشددة، ويصبح الراشي الذي يعطي الرشوة منبوذا في مجتمعه، ونحن المسلمين مطالبون بان ننشر بين دعاتنا وبين شعوبنا الإسلامية حرمة أن يعطي الإنسان الرشوة أو يقبل هذه الرشوة حتى يصدق قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ( ).
فلا يعنينا صلاح قلوبنا وحسن معاملتنا معرفة ما أحل الله وما حرمه، ولا تستقل بنياتنا مهما تطهر في استطابة أشياء واستخباث أشياء، فالطيب ما جعله اله طيبا، والخبيث ما سماه خبيثا، قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث" ( ).
لذلك فالرشوة محرمة بكتابه تعالى وسنة رسول الله  .
الفصل الثاني
موقف القانون من ظاهرة الرشوة (المغرب كنموذج)
















تمهيـد:
الرشوة هي اتجار الموظف ومن في حكمه بالوظيفة الموكولة إليه، أو بالأحرى استغلال السلطات المخولة له بمقتضى تلك الوظيفة لحسابه الخاص، وذلك حين يطلب لنفسه أو لغيره، أو يقبل أو يأخذ وعدا أو عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته، أو يزعم أنه من أعمال وظيفته، أو للامتناع عن ذلك العمل أو الإخلال بواجبات الوظيفة( ).
ودون الخوض في سرد التعاريف الفقهية والقضائية العائدة لهذه الجريمة الداء( )، فحسبنا القول في هذه التوطئة بأنها داء خبيث إذ هو انتشر في المجتمع قضى أولا على مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، فترى حينئذ حقوق الذي لا يملك أو يملك ولا يدفع، -أو يدفع أقل- تقوت للذي يملك ويدفع أكثر، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى اختفاء فكرة القانون ذاتها في المجتمع الذي نخرته الرشوة وقوضت تماسكه، بعد أن غيبت فيه فكرة العدالة كقيمة من القيم السامية، التي لا يؤكدها ويدعمها غير مبدأ مساواة الجميع أمام القانون، وعصفت ثانيا بالثقة التي ينبغي أن تجمع ال مواطن بدولته وبمرافقها، لذلك نجد الشريعة الغراء تحارب هذه الظاهرة الممقوتة بتحريمها عندما ينهي الكتاب والسنة عن السقوط في براثنها، وهكذا جاء في قوله تعالى:  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ( ).
وإذا كان الأصلين السابقين قد ذكرا رشوة الحكام (القضاة) دون غيرهم من خدام الدولة، فإنما كان ذلك بسبب أنها كانت في الأصل تقدم للقاضي من طرف الراشي لكي ينحاز إليه، إلا أنه أمام تعدد المرافق العامة في الدولة الإسلامية، فقد تجاوزت –أي الرشوة- مرفق القضاء، وإن ظلت غالبة الوقوع فيه، إلى غيره من المرافق ، فأصبحت بذلك تفيد كل ما يقدم للموظف، أو المكلف بخدمة عامة لكي يقوم بعمل (أو الامتناع عنه) يعود بالنفع على الراشي، ومؤيدنا في ذلك ما جاء في الموطأ من أن رسول الله  كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر ليخرص (أي ليقدرما على النخل من الثمر) بينه وبين يهود خيبر، فجمعوا له حليا من نسائهم فقالوا هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلف الله إلي وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم علي من الرشوة فإنها سحت (مال حرام) وإن لا نأكلها فقالوا بهذا قامت السموات والأرض.
وظلت الشريعة الإسلامية تواجه بمنطقها التشريعي المرن كل نازلة، غير عاجزة عن إيجاد الحلول الملائمة لها، وهي لم تستعن في ذلك بتشريع آخر خارج عن ذاتها، وإنما احتوت نصوصها واستوعب كل المشاكل الطارئة، ولم تبق واحدة منها معلقة بدون حل تشريعي ( ).
أما بالنسبة للتشريعات الوضعية المعاصرة فالإجماع منعقد بينها على تجريم الرشوة والعقاب عنها إلا أن الملاحظ فيما هو ظهور هذه الجريمة بتنظيمين مختلفين.
التنظيم الأول: وهو اتجاه يعتبر أن الرشوة تتكون من جريمتين مستقلتين، ولو أن عقوبتهما واحدة- أولا جريمة المرتشي الذي يكون مقترفها لزوما موظفا عموميا، أو في حكمه، وثانيهما جريمة الراشي التي لا يشترط في فاعلها توافر أية صفة كانت من الصفات، فبمقتضى هذا النظام الأول فإذا دفع شخص لموظف عمومي مثـلا مقابلا لأداء خدمة له وقبلها هذا الأخيـر فإنه يعتبر مرتكبها لجريمة ارتشاء (ويطلق عليها الفقه الفرنسي الرشوة السلبية أما الذي قدم المقابل له فيعتبر راشيا ويعاقب بكيفية مستقلة (ويطلق عليها الفقهاء في فرنسا الرشوة الإيجابية والنظام السابق هو السائد في ال تشريع الجنائي التونسي (المواد 83-91) والأردني 170-173) والألماني (المواد 331-335) والفرنسي (المواد 177-183) وعن هذا الأخير اقتبس المشرع الجنائي المغربي الأحكام العائدة للرشوة، ولذلك اعتبر أن الرشوة تتشكل في صورتين مستقلتين هما جريمة الراشي (م 251 ق ج) وجريمة المرتشي (فصلين 248 و 249 ق ج) ( ).
التنظيم الثاني: وهو اتجاه يعتبر بأن الرشوة جريمة واحدة يرتكبها الموظف العمومي الذي يستغل وظيفته وحده كفاعل أصلي، أما الذي يقوم بتقديم الرشوة له مقابل أدائه خدمة له، فيعتبر شريكا للموظف المرتشي في جريمة الرشوة، وتسري عليه أحكام المشاركة، وقد اتبعت هذا الاتجاه الأخير التشريعات الجنائية لكل من مصر (المواد 128 – 134ع) وإيطاليا المواد (321-326ع) والعراق (المواد من 90 إلى 97ع).
وكما هو واضح فإن وجه الاختلاف بين النظامين المنوه عنهما أعلاه يمكن أساسا في بعض الحالات التي لا ترتكب فيها الجريمة بصورة تامة والتي من أهمها حالة رفض الموظف العمومي للرشوة التي عرضت عليه من قبل الغير حيث يكون الراشي بمقتضى النظام الأول مستحقا للعقاب بينما لا يعاقب عملا بالنظام الثاني بسبب استعارة الراشي للتجريم دوما من الفاعل الأصلي الذي هو الموظ ف العام المرتشي ( )، وعلى كل فإن وجه الخلاف بين النظامين على الرغم من وروده نظريا، فقد اضمحل عمليا تماما بسبب أن النظام الذي جعل من الرشوة جريمة واحدة يعاقب الراشي بنص مستقل عندما لا تتم الجريمة.
وعلة تجريم الرشوة إنها اتجار بالوظيفة أو الخدمة العامة، أي انحراف بها عن الطريق السوي، وإنزالها منزلة السلع الرائجة التي تباع وتشترى وتجريدها من سموها وقيمتها الحقيقية باعتبارها خدمات عامة مقررة لمصلحة المواطنين.
فالرشوة تقوم على التفرقة الظالمة بين المواطنين، فمن يدفع مقابلا، مكافأة- تؤدي لمصلحته الخدمات الوظيفية ومن لا يستطيع أولا يريد ذلك تعففا تهدر مصالحه وحقوقه… وهذا بقدر ما يخرق مبدأ المساواة بين الأفراد المتساوين في المركز القانوني، يهدر ثقة المواطنين في نزاهة الجهاز الإداري للدولة ثم أنه يحمل بعض المواطنين عديمي الضمير إلى الاعتقاد بقدرتهم على شراء ذمة الدولة من خلال موظفيها، و هذا من أخطر ما قد يصيب الجهاز الإداري في دولة من الدول.
وعموما فإن الرشوة إن دبت في أجهزة الحكم أو تسربت إلى المصالح العمومية، فإنها تكون ولاشك وبالأعلى النظام السياسي و الاجتماعي ككل، وزعزعة للثقة في أعمال موظفي الدولة، مع م ا يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد، ولعل العديد من الاضطرابات والانقلابات التي عرفتها بعض الدول، كان سببها المباشر أحيانا انتشار آفة الرشوة داخل أجهزة الحكم فيها وفي أوساط مجتمعها عامة.
بعد هذه التوطئة نرى أن نبحث الرشوة في أربع مباحث كالآتي:
المبحث الأول: جريمة المرتشي
المبحث الثاني: جريمة الراشي
المبحث الثالث: الوساطة في الرشوة
المبحث الرابع: إثبات جريمة الرشوة وعقوبتها.



المبحث الأول: جريمة المرتشي


تعرض المشرع الجنائي المغربي لهذه الجريمة في الفصلين 248 و249 ق ج والمادة 35 من ظهير 1972، فنص الفصل 248 على أنه: "يعد مرتكبا لجريمة الرشوة، ويعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 250 إلى 5000 درهم من طلب أو قبل عرضا أو وعدا أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى من أجل:
-القيام بعمل من أعمال وظيفته قاضيا أو موظفا عموميا أو متوليا مركزا نيابيا أو الامتناع عن هذا العمل، سواء كان العمل مشروعا أو غير مشروع، طالما أنه غير مشروط بأجر. وكذلك القيام أو الامتناع عن أي عمل ولو خارج عن اختصاصاته الشخصية، إلا أن وظيفته سهلته أو كان من الممكن أن تسهله.
-إصدار قرار أو إبداء رأي لمصلحة شخص أو ضده، وذلك بصفته حكما أو خبيرا عينته السلطة الإدارية أو القضائية أو اختاره الأطراف.
-الانحياز لصالح أحد الأطراف أو ضده، وذلك بصفته أحد رجال القضاء أو المحلفين أو أحد أعضاء هيئة المحكمة.
-إعطاء شهادة كاذبة بوجود أو عدم وجود مرض أو عاهة أو حالة حمل أو تقديم بيانات كاذبة عن أصل مرض أو عاهة أو سبب وفاة، وذلك بصفته طبيبا أو جراحا أو طبيب أسنان أو مولودة".
كما نص ف: 248 ق ج على أنه: (يعد مرتكبا لجريمة الرشوة، ويعاقب من سنة إلى ثلاثة سنوات وغرامة من 250 إلى 5000 درهم كل عامل أو مستخدم أو موكل بأجر أو بمقابل من أي نوع كان، طلب أو قبل عرضا أو وعدا، أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو عمولة أو خصما أو مكافأة، مباشرة أو عن طريق وسيط، دون موافقة مخدومه ودون علمه، وذلك من أجل القيام بعمل الامتناع عن عمل من أعمال خدمته، أو عمل خارج عن اختصاصه الشخصية ولكن خدمته سهلته أو كان من الممكن أن تسهله).
وواضح من النصين السابقين أن جريمة المرتشي تقوم على ثلاث عناصر:
-صفة خاصة بالمرتشي: بأن يكون الجاني متصفا بصفة مو ظف عمومي أو عامل أو مستخدم أو موكل بأجر أو مقابل في دائرة القطاع الخاص.
-ركن مادي قوامه فعل الطلب أو القبول أو تسليم هبة أو



***


الإفـــــــــــــــــــلاس و أثــــــــــــــــــاره ./للأكادميــــــــــــــة - ܔܔ]] موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة [[ܔܔخاص بالاكاديمية - ܔܔ]]إجرام المرأة ودور المؤسسات السجنية في إعادة تأهيلها [[ܔܔخاص بالاكا
شؤون قانونية|الأرشيف|الرئيسية


-----




****


--





palmoon tool bar
privacy policy