صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







*-//* موضوع / فرويد والتحليل النفسي*//-*
الطلبات والبحوث الدراسية




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games الطلبات والبحوث الدراسية|الأرشيف|الرئيسية






***

*-//* موضوع / فرويد والتحليل النفسي*//-*



*-//* موضوع / المدرسة القصدية*//-* - *-//* موضوع / فرويد والتحليل النفسي*//-* - pliiiiiiiz qui peut m' écrire this writing en anglais avant le lundi
الطلبات والبحوث الدراسية|الأرشيف|الرئيسية
****


لا نكاد نجد نظرية أو مدرسة سيكولوجية حظيت حتى الآن بمثل تلك المتابعة والشهرة   اللتين حظي بهما التحليل النفسي. ولم تجد الأفكار والمفاهيم التي جاء بها علماء النفس من الانتشار والتداول مثلما وجدت المفاهيم   والأفكار المرتبطة بهذه المدرسة. ولم يقتصر الاهتمام بالتحليل النفسي وانتشار مفاهيمه وأفكاره على الدوائر المختصة في علم النفس، بل تعدياها إلى   الدوائر العلمية الأخرى ودوائر الفن والأدب. ووصل تأثير تعاليم التحليل النفسي في عقود خلت عبر تلك الدوائر إلى الأغلبية الساحقة من المثقفين والكثير من المتعلمين في أنحاء عديدة من العالم.

وأصبح علم النفس ـ لحسن طالعه أو لسوئه ـ   يعرف من خلال   مفاهيم التحليل النفسي وأفكاره.فلو حاولنا   تقصي تصور الآخرين(المتعلمين منهم بطبيعة الحال) حول علم النفس وموضوعاته وميادين نشاطه، فإننا على الأرجح سوف نصل إلى ما يثبت صحة قولنا. وواقع الحال هو أن المهمة الأساسية لعلم النفس في تصور العامة من الناس تتمثل في معرفة ما يخفيه الإنسان في أعماقه من مشاعر وأفكار. والاسم الذي نتوقع أن يكون هؤلاء قد قرؤوا له أو سمعوا عنه أكثر من سواه في علم النفس هو اسم مؤسس التحليل النفسي.

فما هو التحليل النفسي؟ وكيف نشأ؟ ماهي قواعده وأصوله.؟ وماهي مادة اهتمامه وطرائقه وأدواته؟ وما موقعه في تاريخ علم النفس؟...

إن الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي العودة إلى الجذور العلمية والفلسفية لتعاليم فرويد، مؤسس هذه المدرسة،   واستعراض ظروفه الحياتية بغية التعرف على مكوناته الفكرية.

ولد سيغموند فرويد SIGMUND FREUD في 6 أيار(مايو)1856 في مدينة فرايبورغ   في مقاطعة موارافيا من أبوين يهوديين. وكان والده يعقوب يشتغل في تجارة الصوف وبعد وفاة الزوجة الأولى تزوج الوالد من فتاة تصغره بعشرين عاماً تدعى أماليا ناتاتسون. فأنجبت له ثمانية أطفال، وهم على التوالي: سيغموند ويوليوس(الذي مات قبل بلوغه السنة الأولى) وحنّه وروزا وأدولفي ن ويولا والكسندر. وكان الابن الأكبر "سيغ"   الذي بقي بالنسبة للأم، الأفضل والأقرب، يكن لها مشاعر الود والاحترام والمحبة. وينظر إلى والده المتسامح العطوف على أنه الرجل الأقوى والأغنى والأعقل.

ويحكي فرويد في مذكراته التي بدأ بها نشاطه التحليلي في التسعينيات أنه كان منذ طفولته الأولى يشعر بانتمائه إلى الأقلية اليهودية. ومما كان يعزز هذا الشعور الممتزج بالخوف هو الصوت المنبعث من جرس الكنيسة والذي كان يدوّي في أرجاء المدينة. فلم يكن أمامه لمقاومة هذه الحالة، كما يقول، إلا أن يلوذ بالنوم ويقضي على مخاوفه بالأحلام.

وفي عام 1859 غادرت أسرة فرويد فرايبورغ لتستقر نهائياً في فيينا. وفي الطريق إلى العاصمة النمساوية توقفت الأسرة لعدة أشهر في لايبزيغ. وينقل فرويد مشاهداته خلال هذه الرّحلة، فيتحدث عن القطار الذي رآه للمرة الأولى في حياته عندما كانت الأسرة متوجهة في عربة يجرها حصانان نحو لايبزيغ. وقد تحول القطار في السنوات الممتدة مابين 1887 و1898 إلى موضوع   خوفه الذي تخلص منه بفضل التحليل النفسي وربطه إياه بالخشية من فقدان البيت    المقترن بفقدان ثدي الأم. كما يتحدث عن قناديل الغاز التي رآها لأول مرة في مدينة برسلو عبر نوافذ القطار الذي أقلّ الأسرة من لايبزيغ إلى فيينا. وقد أعاده هذا المشهد إلى حكايات مربيته عن الأرواح والعالم الآخر. ومن الوقائع التي توقف عندها فرويد وأبرزها فيما بعد رؤيته لأمه وهي عارية خلال تلك الرحلة، ولما يتجاوز بعد الرابعة من عمره.

وعقب وصول الأسرة إلى فيينا وخلال الأعوام الدراسية التي قضا ها "سيغ" في المدينة يسجل إرنست جونز كاتب سيرة فرويد خمس حوادث كان لها وقعها في وعي الصبي.   فقد روت والدة فرويد ـ وتلك الحادثة الأولى ـ   أن طفلها تقدم منها معتذراً بعد أن لوث كرسياً بيديه المتسختين ووعدها بتعويضه عندما يكبر ويصبح رجلاً مهماً. والحادثة الثانية نقلها فرويد نفسه. فقد كان "سيغ" في الخامسة من عمره حينما اشترى له والده كتاب "رحلة إلى بلاد فارس". ويربط تعلقه بالمطالعة وجمع الكتب بهذه الحادثة. ويعرض فرويد في الحادثة الثالثة اعتقاد والدته بأن الإنسان مخلوق من التراب. فمنه يأتي وإليه ينتهي. وأنها كانت تعرض أمامه الفتائل السود الصغيرة التي تنتج عن فرك يديها لكي تقنع صبيها بأنها ذرات من التراب الذي جبل الإنسان منه.

وتتضمن الحادثة الرابعة إصرار "سيغ" ذي السنوات السبع على أن يبول في غرفة والديه. وعندما فعل ذلك غضب والده وتحداه أن يكون له أي شأن في المستقبل . وقد أصبحت هذه الحادثة بعد ذلك موضوع حلم بقي يتردد على فرويد في نومه لسنوات طويلة مصحوباً بعناوين مؤلفاته، وكأنه يرد على تحدي أبيه. أما الحادثة الخامسة فتتمثل في أرق الصبي الصغير. وعندما رجع فرويد إلى هذه الحالة ليفسرها وجد أنها تحمل إشارات إلى   رغبة آثمة.

ولعل ماكان يسمعه فرويد من أبويه حول نظرة المسيحيين   المتعالية تجاه اليهود ومعاملتهم السيئة لهم يعد مصدراً لمشاعر الحقد والتحدي التي تكونت لديه وأضحت محركاً من محركات شخصيته. وتندرج قصة المسيحي الذي نزع القبعة من على رأس والد فرويد ثم ألقاها على الأرض ضمن هذا السياق. ويعلق فرويد على هذه القصة فيما بعد ويصف أثرها العميق في نفسه، وذهب إلى حد تشبيه موقف أبيه بموقف هاملقار الذي تحدى ابنه هانيبعل الرومان بسببه وقطع على نفسه عهداً بأن ينتقم له. وقد اعترف بأن شخصية القائد هانيبعل أخذت تحتل مكانة هامة في هواماته. < o:p>

وبعد أن أتم فرويد دراسته الثانوية التحق بكلية الطب التابعة لجامعة فيينا عام 1873 تلبية لرغبة والده. أما هو فلم يكن لديه ميل نحو هذا الميدان. وكان يطمح في أن يكون عالماً، مدفوعاً برغبة لا تقاوم في التفوق والشهرة. وربما كانت شروط تكون هذا الدافع لديه مزيجاً من تقدير عال للذات وشعور جمعي بالاضطهاد الذي عانى منه أفراد الطائفة اليهوديةفي المجتمعات   الأوربية آنذاك. فعقب دخول الجامعة تعزز شعوره بتمايزه من الآخرين وانتمائه الديني. وقد عبر عن حاله هذا بقوله: إنه(أي هذا الواقع) أهلّني لأن أكون في المعارضة.

إن هذه الإلماعات السريعة عن ظروف الدائرة الأولى التي نشأ فيها فرويد ليست كافية بالتأكيد لتقديم المنابع والمصادر التي نهل منها وأخذ عنها ما ساعده في صياغة نظريته. وهي، وحدها، تبدو قاصرة عن تحديد معالم هذه الحالة، بل وجميع الحالات الأخرى المشابهة، ولهذا فمن مستلزمات الكفاية البحثية أن نشير ـ زيادة على ما سبق ـ   إلى الدوائر الأوسع وتفاعلها بعضها مع بعض، وعلاقتها بالظروف الخاصة لفرويد. ونعني بذلك الأجواء العلمية والفكرية التي كانت سائدة في تلك الفترة التي تمتد من أواسط القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين.

لقد نشأ فرويد في مرحلة قطعت الفلسفة والعلوم الطبيعية والاجتماعية إبانها أشواطاً بعيدة إلى الأمام. ولا أدل على ذلك من بروز أسماء كثيرة في دنيا الفلسفة مثل كانت وهيغل   وشوبنهاور وهربارت وغيرهم. ومن ثم ظهور الأفكار التطورية، إذ صدر "أصل الأنواع" بعد ولادة فرويد بثلاثة أعوام. وفيه بسط داروين نظريته حول نشوء الأ حياء وارتقائها، معتبراً الإنسان   درجة عليا في سلم هذه العملية الكبرى ويخضع لقوانينها العامة, وبهذا تجاوز داروين التصورات السابقة التي تضع الإنسان في مملكة خاصة ومتميزة تماماً من عالم الحيوان.

وبعد عام من صدور كتاب داروين نشر فخنر "عناصر السيكوفيزياء" الذي كشف عن قدرة العقل البشري على دراسة ذاته دراسة علمية وقياسه قياساً كمياً، مخالفاً، بذلك، ماكان رائجاً حينذاك من أن موضوعاً كهذا لا يمكن أن يكون مادة للقياس.

ومن جهة أخرى، عرف النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهور نظريات في الكيمياء، وولادة فروع جديدة للفيزياء وعلوم الأحياء. ففي مطلعه انتهى هيلمهولت ز إلى وضع قانون "حفظ الطاقة وتحولها" الذي أصبح أساساً للترموديناميك.

وبعد سنوات بدأ غريغور مانديل(1822-1884م) بإجراء تجاربه على بعض الفصائل النباتية(البازلاء) لتحديد صفاتها الموروثة، ومعرفة قوانين انتقال تلك الصفات من جيل إلى جيل. وكان لها الفضل في إرساء دعائم علم الوراثة.

وإذا كان لهذه الأعمال أثر غير مباشر في منظومة فرويد الفكرية، فإن ثمة أعمالاً أخرى تركت آثاراً مباشرةً وملموسةً عبر مسيرته الدراسية والعلمية. فالهيئة التدريسية في كلية الطب التي درس فيها فرويد كانت تضم عدداً من الأساتذة الأكفاء. ومن بينهم إرنست بروك، صاحب مدرسة في فيزيوكيمياء العمليات الفيزي ولوجية عند الإنسان والحيوان.

وقد نشر   بروك كتاباً بعنوان "محاضرات في الفيزيولوجيا"   عام 1874، أي بعد عام واحد من دخول فرويد إلى الكلية، ضمنه   فكرته عن الكائن الحي باعتباره نظاماً من الديناميات، تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها الظواهر الكيميائية والبيولوجية.

لقد أعجب فرويد بأستاذه، ولفتت نظريته الجديدة انتباهه، وحفزته على التفكير في إمكانية تطبيقها على النفس الإنسانية. وربما كان هذا أحد العوامل التي قادته لتأسيس علم النفس الدينامي الذي يدرس تحولات الطاقة وانتقالها من حال إلى آخر داخل الشخصية.

وبعد أن تخرج فرويد من كلية الطب عام 1881 لم يمارس مهنة الطب، وآثر مواصلة البحث في مخبر بروك حتى عام 1882. وهو العام الذي تعرف في الشهر السادس منه على مارتا برنايز. وقد حملته علاقته بها على التفكير الجدي بتأمين مورد مالي. فاضطر إلى التراجع عن موقفه، وبدأ بممارسة الطب عملاً بتوجيهات بروك وتشجيعاته، فاشتغل كطبيب متمرن في قسم الجراحة في مستشفى فيينا لمدة شهرين فقط. ثم انتقل إلى قسم الصحة العامة الذي كان يترأسه الأستاذ غ. نوتناغل. وبقي فيه ستة أشهر تحول بعدها إلى قسم الأمراض العقلية الذي كان يشرف عليه الأستاذ ت.مينيرت(1833-
1892م) الاختصاصي في تشريح وفيزيولوجية الدماغ، وصاحب نظرية أولوية "الأنا" باعتباره وعياً جسمياً متميزاً عن الوعي الذي طابقه الفلاسفة وعلماء النفس مع تصورات الذات   عن العالم الخارجي. وربما كان بعض المؤرخين على حق حين قابلوا مفهوم اللا وعي الفرويدي ومفهوم أولوية الأنا عند مينيرت. &nbs p; وأخيراً انتقل فرويد إلى قسم الأمراض الجلدية ليوجه اهتمامه أثناء عمله فيه إلى الأمراض الزهرية.

لقد كانت دراسات فرويد التي نشرها حتى عام 1885 تتركز حول: "مشكلات التشريح المقارن وتحديد وظائف الدماغ"، و"الحبسة   APHASIE " و"الاضطرابات البصرية". وتميزت جميعها، حسب آراء المختصين وقتذاك، بأصالتها ودقة تقنياتها، الشيء الذي عكس سعة اطلاع صاحبها ومرونة تفكيره، علاوة على إصراره الشديد وطموحه القوي.

وفي تلك الأثناء أدخل فرويد الشاب مصطلح "العمه AGH OSIE " ليعبر به عن حالة من حالات الاضطراب الحسي البصري. وهي الحالة التي يبدي المصاب فيها عجزاً عن تمييز أشكال الموضوعات الخارجية. واهتم فرويد أثناء عمله في المستشفى أيضاً بخصائص الكوكائين، وبإمكانية الإفادة منه في العمليات الجراحية. ولكنه لم يواصل بحثه هذا حتى النهاية. وحينما سمع بنبأ توصل أحد الباحثين إلى الكشف عما كان يسعى إليه بعث إلى خطيبته مارتا برسالة في 21/4/1884   أنحى فيها باللائمة عليها وحمل بعدها عنه مسؤولية إخفاقه العلمي.

وفي خريف عام 1885 سافر فرويد إلى باريز في بعثة علمية. وهناك قضى عاماً كاملاً اطلع خلاله على أفكار شاركو مباشرة. ويصف لنا جونز حالة الضياع التي كان فرويد يكابدها في الأيام الأولى من وجوده في مستشفى سالبتريير بسبب العدد الكبير والنوعية الممتازة للطلبة الذين قدموا من عدد من بلدان العالم للاستماع إلى الطبيب الفرنسي و التعرف على طريقته في العلاج.

وللتغلب على هذه الحالة البائسة حاول فرويد التقرب من شاركو، فعرض عليه القطع المجهرية المرصعة بالفضة والتي ابتكرها في فيينا وأحضرها معه إلى باريز. ولكن شاركو لم يعر تلك المعروضات الاهتمام الذي كان ينشده فرويد. فما كان من فرويد إلا أن اقترح عليه ترجمة محاضراته إلى اللغة الألمانية. فقبل شاركو هذا العرض. وكان لفرويد ما أراد.

إن رغبة فرويد في التقرب من شاركو تجسد إعجابه الشديد بشخصيته وتأثره القوي بأفكاره. وهذا ما أبرزه في إحدى رسائله المؤرخة في 24/11/1885، حيث قال: "إن شاركو من أعظم الأطباء. وهو يقضي وبكل بساطة على كل أهدافي وآرائي. إنن ي أخرج من محاضراته أحياناً كما   لو كنت خارجاً من كنيسة نوتردام مع فكرة جديدة تماماً عن الكمال... هل ستعطي   البذرة ثمرة؟ لست أدري... وكل ما أعرفه هو أنه مامن إنسان أثر علي بهذه الطريقة".

وللتذكير فإن شاركو كان يهتم بالأمراض الهستيرية وبمعالجتها. وكان قادراً على إحداث أعراض الهستيريا بواسطة التنويم المغناطيسي. مثلما كان قادراً على إحداثها والقضاء عليها عن طريق الكلام بعيداً عن ممارسة أي ضرب من ضروب السحر أو الشعوذة. وربما تكون محاضراته وعروضه قد أوحت لفرويد بوجود منطقة أو ساحة نفسية معزولة تماماً عن الوعي.

عاد فرويد إلى فيينا عام 1886 وهو مزود بالكثير من الانطباعات والأفكار المبعثرة وغير الواضحة، زيادة على طريقة التنويم المغناطيسي التي تستخدم في علاج الأمراض الهستيرية. وفي أيلول(سبتمبر) من العام نفسه تزوج من مارتا. واستمر في عمله كطبيب للأمراض العصبية، معتمداً، هذه المرة، على التنويم المغناطيسي والطريقة الكهربائية. إلا أنه سرعان ما تبين له ضعف فعالية التنويم المغناطيسي، وصعوبة تطبيقه على جميع المرضى. فقد وجد أن هناك من بين المرضى من لا يخضع لسيطرة المعالج وإيحاءاته. يضاف إلى هذا أن المعالجة بهذه الطريقة لم تثبت نجاعتها حتى في بعض الحالات التي تتوفر فيها إمكانية تنويم المريض. ولحل هذه المشكلة قرر فرويد الاستعانة بأصحاب الخبرة والعودة ثانية إلى فرنسا. وفي عام 1889 سافر إلى نانسي للقاء برنهايم ولييبو والتعرف على نتائج نشاط مدرستهما في التنويم المغناطيسي. وهناك علم أن هذه الطريقة تحقق نجاحاً لدى استعمالها مع المرضى الذين ينتمون إلى الطبقة الفقيرة. بينما لا تحقق هذا القدر من النجاح مع المرضى الأغنياء بسبب صعوبة تنويمهم.

وهكذا خاب أمل فرويد، ورجع إلى فيينا   وهو يفكر في كيفية مواجهة   مستقبله العلمي والعملي. على أن حيرته لم تدم طويلاً، إذ تعرف على جوزيف بروير J.BREUER (1841 ـ 1925م)، أحد أطباء فيينا وصديق الفيلسوف النمساوي ماخ. وبدأ نشاطاً مشتركاً معه.

وكان بروير قد استهل عمله في ميدان الفيزيولوجيا، ثم تحول إلى الطب. وتسنى له الإشراف على معالجة مرضى الهستيريا بطريقة قريبة من التنويم المغناطيسي. وفي الوقت الذي اتفق فيه مع فرويد على العمل معاً،   كان بروير يحاول إدخال بعض التعديلات التقنية على طريقته لمعالجة فتاة في الحادية والعشرين ربيعاً تعاني من أعراض هستيرية تدعى برثا بابنهايم. وكانت هذه الفتاة(ال تي عرفت في أدبيات التحليل النفسي باسم آنا) تعاني من تصلبات جسدية وخدر في طرفيها الأيمنين واضطرابات بصرية وصعوبة في حفظ الرأس بصورة مستقيمة وحالات غيبوبة. وقد ظهرت هذه الأعراض لديها بصورة تدريجية بعد مرض أبيها الذي كانت تكن له كل المحبة، وتحيطه بعناية ورعاية فائقتين. وحينما شرع بروير بمعالجتها   طلبت منه أن يفسح لها المجال كي تبث له همومها وتفضي عما في داخلها أثناء نومها الاصطناعي. فقبل بروير اقتراحها. وحتى نهاية الجلسة العلاجية كانت آنا قد استطاعت أن تستعيد الوقائع والأحداث المتصلة بماضيها العاطفي، والتي كانت تظن أنها أصبحت في طي النسيان. فأعربت عن ارتياحها وامتنانها.

وبعد فترة قصيرة لاحظ بروير أن صحة المريضة قد تحسنت بدرجة مقبولة، مما جعله يعتقد أن نجاعة الطريقة الجديدة تكمن في كونها تساعد المريض في استحضار الأحداث التي كانت سبباً في ظهور الأعراض المرضية، وتمكنه من أن يع يشها بانفعالاته. ومذ ذاك   صار التحدث أثناء التنويم الطريقة المفضلة عند بروير وفرويد. ولقد حقق الرجلان بعض النجاح بفضل هذه الطريقة التي أطلق عليها بروير الطريقة التطهيرية(التطهير CATHARSIS كلمة يونانية استخدمها أرسطو ليعني بها "تطهير أو تنقية" الروح من الانفعالات العنيفة التي تنشأ عن إدراك التراجيديا)، ونشرا كتاباً مشتركاً بعنوان "دراسات حول الهستيريا" عام 1895. ويعد هذا العمل الثاني من نوعه بالنسبة لفرويد. حيث أنه كان قد كتب مجموعة من المقالات حول ايثولوجيا الهستيريا. ونشرها في المجلة الطبية ا لفييناوية خلال عام 1891.

ولم يمضِ عامان على تعاون بروير وفرويد حتى قرر الأخير التخلي عن التنويم المغناطيسي بسبب استحالة تنويم جميع المرضى، وصعوبة الوصول بالمريض المنوّم إلى المستوى الذي يجعله يستعيد مشاعره العميقة.

وبعد ذلك بقليل، وبالضبط في عام 1894 نشب خلاف بين الشريكين، وتبين، فيما بعد، أن سببه راجع إلى الاضطراب الذي تشهده علاقة الطبيب بالمريض في مرحلة من مراحل العلاج وموقف كل منهما إزاء هذه الواقعة. ففرويد يرى أن حب المريضة للطبيب وتعلقها به يعود إلى الأسباب الجنسية التي أدت إلى ظهور الأعراض المرضية. ويعتقد أن المريضة في موقفها هذا إنما تتخذ من الطبيب موضوعاً بديلاً عن موضوع حبها الأول. فهي تنقل حبّها من شخص(غالباً ما يكون أحد المحارم) إلى الطبيب. وقد دعا فرويد هذه العملية بالنقل أو التحويل TRANSFERT واعتبرها لحظة هامة ومفيدة في العلاج النفسي. بينما عارض بروير هذا التفسير بشدة، واعتبر موقف مريضته هذا خطراً لا يجوز الاستخفاف بعواقبه السيئة على صعيد النشاط العلاجي وأخلاق المهنة.

ولما لم يتمكن   أي من الطرفين من إقناع الطرف الآخر بصواب موقفه، حدث الانشقاق وطويت صفحة التعاون بين الصديقين. واستمر فرويد في عمله مستخدماً طريقة نانسي الإيحائية المتمثلة في استلقاء المريض على السرير واسترخائه، ثم قيام الطبيب بوضع يده على جبين المريض وحثه على التذكر... وبقي الحال هكذا إلى أن أبدت إحدى مريضاته(وهي أيمس فون.ن. التي عرض حالتها في "دراسات حول الهستيريا) رغبتها في أن لا يقاطعها بأسئلته ويدعها تسترسل   في استرجاع ذكرياتها الدفينة بالشكل الذي تريده دون تدخل من جانبه. وحالما تحقق لها ما طلبته لاحظ فرويد أنها تسرد أحداثاً وتعبر عن انفعالاتها ومشاعرها أثناء وقوع تلك الحوادث بصورة لم تكن متيسرة له أثناء استخدامه لتقنيات الإيحاء. وهذا ما شجعه على الاقتناع شيئاً فشيئاً بجدوى الأسلوب الجديد وبقيمته في تخليص المريض من انفعالاته السلبية، وأخيراً بضرورة الاعتماد عليه. وبذا يكون فرويد قد خطا خطوة هامة نحو ط ريقة التداعي الحرّ FREE ASSOCIATION .

ووفقاً لهذه الطريقة أصبح فرويد يطالب مرضاه بسرد كل ما يجول في نفوسهم ويخطر ببالهم دون تردد مهما بدا لهم سخيفاً أو غير ذي بال. وآية ذلك   أنه كان يعتقد بأن إجراء كهذا من شأنه أن يخفف من الرقابة على الصور أو الأفكار التي ترد إلى وعي المريض.

ومما استدعى انتباه فرويد أثناء تطبيقه لطريقة التداعي الحر هو أن معظم مريضاته كن يرجعن إلى مراحل حياتهن الأولى ويسردن   وقائع تعرضن فيها إلى إغراء الكبار أو مهاجمتهم لهن. ولئن وقع فرويد تحت تأثير شار كو وبروير في نشاطه المبكر وأرجع الأمراض الهستيرية إلى صدمات عاطفية يتلقاها المرء في طفولته، فإن المعطيات الجديدة جعلته يقتنع بأن الإغراء الجنسي أو الهجوم الذي تتعرّض له البنت من قبل أبيها أو أخيها الكبير أو أحد أقاربها هو الحدث الذي يولد الهستيريا. واعتقد أن في هذا الربط يكمن الحل السليم والنهائي للمرض. وراح يتأهب للإعلان عن اكتشافه في   صورة نظرية حول الهستيريا. غير أن التحليل الذاتي الذي مارسه فرويد مع نفسه أظهر أن الوقائع التي يرويها المرضى أثناء جلسات العلاج هي أقرب إلى الخيالات والهوامات منها إلى الحقائق. ولا أساس لها في الواقع، إلا أساس رغبة المريض ذاتها بذلك. وبالاستناد إلى هذه الاستنتاجات يمكن القول بأن إيجاد "قنوات" لتسرب الأفكار السلبية   المكبوتة واستدعائها بغية تطهير نفس المريض وتنقيتها هو تدبير يقوم على تصور أن الأفكار والمشاعر التي ترافق عدم إشباع رغبة ما أو تنجم عنه لا تزول، وإنما تزاح أو تُكبت في اللاوعي ويستمر تأثيرها على المرء مما ينجم عنه ظهور اضطرابات في سلوكه لا يعرف عن سببها أو مصدرها أي شيء.

لقد أصبح هذا التصور جزءاً هاماً من نظرية التحليل النفسي. وعلى أساسه طرح فرويد   مفهوم اللاوعي الذي يعد حجر الزاوية في بناء هذه النظرية. وهو ما يمكن اعتباره تحولاً نوعياً ومنعطفاً حاسماً في المسار العلمي لفرويد. ذلك أن المفاهيم والمصطلحات التي كان يستخدمها في الأعوام الأولى لوصف الأمراض العصابية لم تخرج عن الإطار العلمي المألوف. وقد يكون مؤلفه "مشروع سيكولوجيا علمية" (*) الذي خصصه لعرض آرائه في النشاط العصبي المركزي وآلياته بوصفها أساساً لتشكل الوظائف النفسية، آخر محاولة   تنحاز إلى الجانب الطبيعي في تفسير مظاهر السلوك الإنساني. أما الجانب أو الخيار الثاني الذي كان مطروحاً على علم النفس فيتمثل في فصل الوعي عن كل ماهو مادي وطبيعي. ومعنى ذلك أن دراسة الوعي يجب أن تتم بمعزل عن عضوية الإنسان، حامل هذا الوعي.

وما حدث بالفعل هو أن فرويد تخلى عن خياره الأول ليأخذ بالخيار الثاني، ويصبح أحد أبرز ممثليه في علم النفس. ومن المنطقي أن يطرح سؤال عن الأسباب التي دفعت فرويد إلى القيام بهذه الخطوة. وعند الإجابة على هذا السؤال يلتفت البعض إلى العوامل الذاتية ليجد   أن تلك الأسباب تكمن في معاناة فرويد الشديدة، وخاصة بعد انفصاله عن بروير وموت أبيه وإصابته   بالاكتئاب DEPRESSION والحالات العصبية المتوترة التي دفعته إلى القيام بتحليل ذاتي يومي لأحلامه وذكرياته طمعاً في استعادة التوازن والاستقرار. وليس من المستبعد أن يملك هذا التفسير نصيباً من الحقيقة. فالظروف الحياتية للإنسان تؤثر ع لى نحو ما في علاقاته واتجاهاته وميوله. ولكنها أياً كانت الحالة، ليست إلا جزءاً من عوامل كثيرة ومتنوعة ومتداخلة. وأن أثرها لا يكون واضحاً إلا عبر تفاعلها مع تلك العوامل. ولهذا فإن الاكتفاء بها في تفسير مجمل نشاطات الفرد وتقييمها يبعد المرء عن الموضوعية والتاريخية.

لقد أشرنا إلى التقدم الذي حققته الميادين العلمية والفكرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما أشرنا إلى اتصالات فرويد وعلاقاته المباشرة وغير المباشرة بغيره من الأطباء ورجال   الفكر. وكان لكل ذلك أثره الكبير في بلورة خطه الفكري وتصميمه على نشره والدفاع عنه.

وتبدو ظروفه الذاتية التي يتح دث عنها مؤرخوه جزءاً بسيطاً من النسيج المعقد لشخصيته الذي ألّفت قراءته الفلسفية ومطالعاته الأدبية والفنية ومواكبته للتطورات العلمية جزأه الأكبر والأهم بما اتخذه من أشكال وما اصطبغ به من ألوان. ولعلنا نجد في أعمال فرويد ما يعكس اهتماماته المتنوعة. فقد كتب في التشريح والفيزيولوجيا، كما كتب في الأدب علاوة على ما كتبه في التحليل النفسي. وعلى الرغم من اشتغاله بالطب والتشريح والأعصاب حوالي خمسة عشر عاماً، فإنه كان ينزع إلى المعرفة الفلسفية بفعل اهتماماته المتشعبة. وقد عبر عن هذه النزعة في رسالة بعث بها إلى أحد أصدقائه عام 1896. ومما جاء فيها قوله: "لم أكن كشاب أتمنى شيئاً أكثر من المعرفة الفلسفية. وأنا الآن في طريقي إلى تحقيق هذه الأمنية بالانتقال من الطب إلى علم النفس" (هال، 1970 ،20).

أراد فرويد منذ صباه أن يدرس الطبيعة والحياة عملاً بالدعوة التي وجهها الشاعر والمفكر الألماني. إ.غوته باسم الطبيعة الأم إلى جميع أبنائها لكي يكشفوا عن أسرارها ويفهموا ألغازها.   واقتحم ميدان الطب والعلم الطبيعي أملاً في أن يصبح عالم طبيعة.   ولكن طموحه في التعرف على كَنْه الحياة اصطدم بمحدودية فعالية الأجهزة والأدوات التي كان أقصى ما تمده به هو البنية الدقيقة للعضوية. ولم يكن بمقدورها أن تضع أمامه حقائق ذات صلة بتلك العضوية، ونعني إدراك أبعاد الوقائع النفسية. ومع إصراره على تحقيق طموحه كان عليه أن يتخلى عن تلك الأجهزة والأدوات، ويلجأ إلى استخدام أجهزة وأدوات أخرى يفترض(إن لم نقل يسلم بـ)   كفاءتها وتناسبها مع خصوصية الميدان الجديد وتميز موضوعاته.

ولم يخف فرويد إخفاقه في المرحلة الأولى من عمله العلمي. فهاهو يعود إليها عام 1927 ويذكر معاناته وصراعه الداخلي وما آلت إليه أوضاعه وقتذاك: "لقدبدا لي أن أكثر الوسائل امتلاءً بالأمل في إنجاز هذه الغاية أن أدفع بن فسي إلى كلية الطب. بيد أنني في ذلك الحين زاولت ـ بالفشل ـ علم الحيوان والكيمياء، إلى أن استقر بي المطاف أخيراً ـ بفضل "بروك" الذي حمل أكثر من أي   إنسان آخر في حياتي كلها أكبر العبء ـ عند الفيزيولوجيا. إلا أنها كانت في تلك الأيام محصورة أكبر انحصار في تشريح الأنسجة"(هال، 1970، 20). ويكتشف فرويد عام 1890 أن مكانه   الأنسب ليس في الفيزيولوجيا، وإنما في علم النفس. كتب إلى أحد أصدقائه يقول: "لقد كان علم النفس هو الهدف الذي يلوح لي من بعيد"(هال، 1970، 21).        وما إن مضت سنوات قليلة جداًحتى بدأ، بالفعل، مسيرته السيكولوجية التي استمرت أكثر من أربعين عاماً.

دأب فرويد على التسلل إلى الطبقات العميقة من النفس الإنسانية مقتفياً المسالك والشعاب التي تنضح عبرها ذكريات مرضاه حينما كان يطلق العنان لتداعياتهم في جلساته الطويلة والمتكررة معهم. وأيقن بفضل معطيات العمل التحليلي أن ثمة قوى نفسية باطنية وخفية تعمل بشكل دينامي ودائم مسببة متاعب للشخص، تتجسد في اضطرابات عضوية وسلوكية. ولقد دفعته ملاحظاته العيادية ومطالعاته ومناقشاته مع ذوي الخبرة والاختصاص إلى الاعتقاد بأن هذه القوى غالباً ما تكون لا واعية.

وجاءت أعماله اللاحقة لتعزز اعتقاده بأهمية القوى اللاواعية وإبراز دور اللاوعي في حياة الفرد. ومنذ السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر أصبح اللاوعي ومكنوناته الموضوع المركزي للتحليل النفسي. وإليه نقل فرويد كل اهتماماته مجسداً التأملات الفلسفية عنه في واقع ذي أبعاد وحدود ومقومات، متجاوزاً وجهات النظر الرامية إلى البحث عن أسباب الأمراض النفسية في المحيط الذي يحيا فيه المريض ليدعم الرأي القائل بضرورة الكشف عن تلك الأسباب داخل الذات، وبالتحديد في اللاوعي. وقد عبر عن هذا الموقف بوضوح حين قال: "إن جميع العمليات النفسية في جوهره ا لاواعية... وإن العمليات الواعية تقتصر على بعض مظاهر نشاطنا النفسي فقط"(فرويد،
1923، 28). وأكده في مكان آخر بقوله: "إن التحليل النفسي لا يمكنه أن يقبل   الرأي الذي يذهب إلى أن الشعور هو أساس الحياة النفسية، وإنما هو مضطر إلى اعتبار الشعور كخاصية واحدة للحياة النفسية. وقد توجد هذه الخاصية مع الخصائص الأخرى للحياة النفسية   أو قد لا توجد"(فرويد، 1985، 25).

إن وجهة نظر فرويد هذه تخالف كل ماعرفه علم   النفس حتى تاريخ الإفصاح عنها، بل وبعده(باستثناء أتباع فرويد طبعاً!).. فالنفس بموجبها ـ تتألف من ساحتين: الوعي واللاوعي.

وفي ح ين يغطي الوعي مساحة صغيرة من النفس، يحتل اللاوعي المساحة الأكبر والأهم. وقد شبه   فرويد النفس الإنسانية بجبل جليدي، مايخفى منه أضخم وأعظم مماهو ظاهر بكثير. واللاوعي، فوق ذلك كله، هو، برأي فرويد، جوهر النفس والأصل الذي يتكون منه الوعي تدريجياً مع    تقدم الطفل في السن..

وتكمن أهمية اللاوعي، بالنسبة لفرويد، في أنه مستودع الطاقة والانفعالات والأفكار التي يكبتها الإنسان منذ طفولته دون أن يعرف عن مكبوتاته أي شيء ليس بسبب وهن ذاكرته أو ضعف قدرته على التركيز والاستعادة، وإنما بسبب وجود قوى معينة تقاومها وتمنعها من الظهور في الوعي. فاللاوعي مغلق تماماً على الوعي رغم ما يتسم به من دينامية، يعتبرها فرويد مسؤولة عن ظهور تلك الانفعالات والأفكار من حين لآخر على شكل اضطرابات في حركات المريض وإدراكاته وتذكره. وهنا يطرح فرويد مفهومين أساسيين وضروريين لفهم آلية نشوء الأعرا ض المرضية والتخلص منها، وهما "الكبت" و"المقاومة". فالكبت يدل على حالة الانفعالات والأفكار في اللاوعي. والمقاومة هي القوة التي تحول دون انتقال تلك الانفعالات والأفكار إلى الوعي. ويتبوأ الكبت مكانة هامة في نظرية فرويد. وفي هذا يقول:"إننا نستمد مفهومنا عن اللاوعي من نظرية الكبت، ونعتبر المكبوت نموذجاً للاوعي"(فرويد، 1985، 28).

ويتضمن اللاوعي الفرويدي معنيين: الأول وصفي، والثاني   دينامي. فالمكبوت، بالمعنى الأول، يستطيع أن يصبح شعورياً. ولكنه، بالمعنى الدينامي، يعجز عن ذلك لوحده. وقد أطلق فرويد على المستوى الأول مفهوم "ماقبل الوعي" وأبقى على مفهوم "اللاوعي" ليعبر به عن المستوى الثاني.

ولقد كان على فرويد أن يصمد أمام النقد العنيف الذي ووجهت به نظريته عن اللاوعي والدور الكبير الذي أسنده إليه. وتضمن هذا النقد إحدى الإشكاليات التي وقف أمامها الفلاسفة الذين تطرقوا إلى الجانب اللاوعي من الحياة النفسية دون أن يجدوا حلاً منطقياً، مقنعاً لها. وتتعلق هذه الإشكالية بما إذا كان بوسع المرء أن يتحدث عن أمر ما ليس بمتناول إدراكه. فما دام اللاوعي مستعصياً على الوعي، فهل يمكن تحديد أبعاده ومعرفة محتواه؟ أو حتى التكهن أصلاً بوجود تصورات لا واعية؟

وإذا وجد معظم الفلاسفة قبل فرويد أن الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب تشكل تناقضاً صارخاً وفضل هؤلاء أن يسلكوا مسلكاً آمناً بالإجابة   عليه بالنفي مع الاكتفاء بالإشارة إلى   وجود بعض الوقائع النفسية التي لا يعيها الإنسان   بصورة جيدة، فإن فرويد حزم أمره وأعلن عن وجود اللاو عي وإمكانية التعرف عليه بعد نقل محتواه أو بعضه إلى الوعي بطرائق وتقنيات جديدة ومختلفة عن تلك التي ألفها الباحث في علم النفس. وقد اهتدى إليها عبر الممارسة العيادية وعمل على تهذيبها وتعديلها لتتناسب مع مهماتها الخاصة. ويعزو سبب نفي الآخرين لوجود منطقة اللاوعي إلى جهلهم بتلك الطرائق والتقنيات. وبهذا المعنى يقول: "يرى معظم الناس الذين تعلموا    شيئاً من الفلسفة أن فكرة وجود أي شيء نفسي دون أن يكون شعورياً أيضاً إنما هي فكرة لا يمكن تصورها على الإطلاق،   بل إنها تبدو لهم أمراً محالاً وغير مقبول أصلاً من الناحية المنطقية، وإني أعتقد أن ذلك يرجع فقط إلى أنهم لم يدرسوا مطلقاً الظواهر المناسبة   الخاصة بالتنويم المغناطيسي والأحلام، وهي ظواهر تستوجب هذه النتيجة بصرف النظر عن دلالتها المرضية. وهكذا نرى أن علم النفس الذي يقتصر على دراسة الشعور لا يستطيع حل مشكلتي الأحلام والتنويم المغناطيسي"(فرويد، 1985، 25، 26).

ونستخلص مما تقدم أن مؤسس التحليل النفسي ركز جهوده على نقل المكبوتات من اللاوعي إلى الوعي، فمن شأن هذه العملية تخليص الفرد من معاناته المرضية أو التخفيف منها إلى الحد الذي يصبح معه قادراً على استئناف حياته ونشاطه بصورة عادية. ويتطلب القيام بذلك وجود طرف آخر هو الطبيب. لأن ماهو مكبوت لا يستطيع بذاته ومن غير الكثير من العناء والتعب أن ينتقل إلى الوعي. وبالإمكان تصور مدى صعوبة المهمة التي يضطلع بها الطبيب. فعليه   أن يمكن المريض عبر العديدمن الجلسات من استعادة الوقائع والأحداث الدفينة في اللاوعي بجزئياتها وتفصيلاتها. وهو، حين يقوم بذلك، إنما يعمل على إضعاف المقاومة وإزالة حواجز الرقابة المفروضة على المكبوتات ليسهل تسربها إلى سطح الوعي. يقول فرويد: "تنطوي الحياة   على قسط وفير من الرمزية...ويوم أخذت على عاتقي أن أخرج إلى النور ما يخبئه الناس دون أن ألجأ إلى وسيلة التنويم المغناطيسي القاهرة، ومستعيناً فقط بما يقولونه وما يبدر عنهم، كنت   أتصور هذه المهمة أعسر مما هي عليه في الواقع. فمن له عينان ليرى وأذنان ليسمع يتبين أ ن بني الإنسان لا يستطيعون    أن يكتموا سراً. فمن تصمت شفتاه يثرثر بأطراف أنامله. فهو يشي ما بنفسه بكل مسام جسمه. لهذا السبب نرى أن مهمة إخراج أخفى خفايا النفس إلى نور الشعور مهمة قابلة   تماماً للتحقيق"(فرويد، 1981، 91).

ولما كانت المقاومة خاصية اللاوعي، فإنها لا تكف عن أداء دورها في حالتي اليقظة والنوم دون أن يدركها الفرد أو يعترف بوجودها حتى ولو أُعلم بذلك. ومع هذا فإن الأفكار والمشاعر المكبوتة تتخذ صوراً ومظاهر مقنّعة وتناور الرقابة الصارمة وتفلت منها وتتسلل إلى الوعي كما هو   الحال في زلات القلم واللسان والنسيان والنكتة والأحلام. وينظر فرويد إلى الحالة الأخيرة، أي الأحلام، باعتبارها درباً"... من الدروب التي يمكن أن تسلكها إلى الوعي تلك المادة النفسية التي جرى كبتها لما يثيره مضمونها من نفور، والتي حجز عليها خارج الوعي"(فرويد، 1981، 19 ، 20) .

ومن هذا المنظور اهتم فرويد بالحلم وتحليل مضمونه ليصل إلى تلك الأفكار   والمشاعر التي يرتبط بها ويعبر عنها. فالصور التي يراها الإنسان في الحلم ليست سوى إشارات أو رموز لوقائع وأحداث مكبوتة، أفلحت في مراوغة الرقابة وتمكنت من الإفلات منها. وعلى من يمارس التحليل أن يتقن ترجمة هذه الإشارات وفك تلك الرموز ليقف على فكرة الحلم المكبوتة. وقد أشار فرويد إلى ذلك بقولـه: "إن أفكار الحلم والمحتوى الظاهر للحلم تبدو لنا كتصورين مختلفين لمحتوى واحد. فمحتوى الحلم يبدو لنا كتدوين لأفكار الحلم بنوع آخر من التعبير. وعلينا أن نتعلم إشارات وقوانين العمل بمقارنة الأصل مع الترجمة لفهم أفكار الحلم بصورة مباشرة عندما تظهر لنا. إن محتوى الحلم يعرض لنا على شكل هيروغليفي. فإشاراته يجب أن تترجم واحدة واحدة إلى لغة أفكار الحلم،   إننا نخطئ بالتأكيد إذا أردنا قراءة هذه الإشارات كصور وليس حس ب معناها    الرمزي"(سمير نوف، 1982، 17).

وهكذا أقبل فرويد   على نشاطه التحليلي وهو مسلح بطريقتي التداعي الحر وتفسير الأحلام المتكاملتين ليخرج ماخفي في لا وعي مرضاه وفي لا وعيه شخصياً إلى نور الوعي، ويربط بين دقائق وجزئيات تقاريرهم عن ماضيهم البعيد وأحلامهم، كما يربط بين دقائق وجزئيات ذكرياته وأحلامه للوقوف على الأسباب الفعلية      للحالات المرضية. فماهي طبيعة المكبوتات؟ وماهي مادتها ـ كما وصفها فرويد ـ ؟

إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي الانتقال إلى الجانب الآخر من نظرية فرويد. ونعني الجانب الدافعي للسلوك البشري. فقد وجد فرويد أن أفعال الإنسان وتصرفاته منذ الولادة تنشأ   وتتطور في سياق البحث عن أساليب وموضوعات إشباع دوافعه الغريزية. فالكائن البشري يولد بعدد من الغرائز. وعلى إشباعها وكيفية هذا الإشباع يتوقف بقاؤه واستمراره. وأول مايجب أن نعرفه هو أن هذا الإشباع يتم عبر تبادل العضوية الأشياء والعناصر الحيوية مع العالم الخارجي. فبفضل الآليات المعقدة لعمل العضوية تتحول الأشياء والعناصر التي تستمدها من المحيط الخارجي إلى أشكال مختلفة من الطاقة. ومع أن فرويد يشير إلى غريزة الجوع وغريزة العطش   وغيرهما، إلا أنه لم يعرها أي اهتمام. ووجد أن غريزة حب البقاء التي أطلق عليها اسم "ايروس EROS " (*)   والمتمثلة أساساً في الغريزة الجنسية هي الجوهر الطاقي للعضوية. و للتعبيرعن حجم ونوعية هذه الطاقة استخدم فرويد مصطلح الليبيدو   LIBIDO .

إننا لو أردنا تحديد الغريزة(أو الغرائز) الجنسية في النظرية الفرويدية لقلنا بأنها طاقة نفسية فطرية تحرك النشاط النفسي للشخص وتوجهه نحو الإشباع الجنسي. وتبين الخبرة الميدانية أن   أفعال الناس الموجهة نحو إشباع رغباتهم الجنسية تصطدم دوماً بعوائق خارجية مصدرها المجتمع. ويرجع فرويد سبب ذلك إلى مخالفة الأشكال والأساليب المتبعة في هذا النشاط للقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع. وهذا ما يقود إلى كبت الانفعالات والأفكار التي رافقت أو نجمت عن حرمان الغريزة من الإشباع. فالكبت يحدث، إذن، في كل مرة يصطدم فيها إشباع الغريزة الجنسية بـ"الممنوع الاجتماعي". ومادام الكبت يعني انتقال تلك الانفعالات والأفكار إلى   ساحة اللاوعي وبقاءها في حالة نشاط وتأثير على الإنسان، فإن مزيداً من عمليات الكبت سوف يؤدي إلى نشوء الحالة المرضية العصابية، كالهستيريا، وتشكل العقد النفسية، كعقدة أوديب.

ولما كانت الطاقة الجنسية المختزنة في اللاوعي(الليبيدو) هي التي توجه أفعال الإنسان وتصرفاته ـ كما ذكرنا منذ قليل ـ فقد قرر فرويد أن تكون بداية الحياة الجنسية مع "صيحة الاحتجاج" الأولى التي يطلقها الوليد فور خروجه من رحم أمه. ولهذا نراه يتتبع تجليات الغريزة الجنسية وتحولاتها على امتداد سنوات الطفولة، ويتصور أن تلك التجليات تتجاوز تنبيه العضو التناسلي لتشمل مختلف مناطق البدن. فالوظائف الحياتية تكون مشحونة بشحنة ليبيدوية منذ الولادة. ويطلق فرويد عليها اسم "المناطق الشبقية ـ الذاتية"، لأن تفريغ شحنتها لا يستدعي وجود موضوع خارجي، وإنما يتم بفعل ذاتي يقوم به الطفل كالمص والحك والتغوط... الخ، وهنا يتحدث عن ثلاثة مناطق شبقية رئيسية هي: الفم والشر ج والعضو التناسلي. وبكل واحدة منها يناط إشباع حاجة حيوية معينة. فالفم يتولى إشباع الحاجة إلى الطعام. والشرج يقوم بتخليص العضوية من الفضلات. وعضو التناسل يؤدي وظيفة التكاثر، وهكذا فإن مفهوم الحياة الجنسية عند الطفل في الاستعمال الفرويدي لا يقتصر على الوظيفة التناسلية فقط، بل يشمل "كل ما يتلعق بنشاطات الطفولة الأولى الهادفة إلى المتعة المحلية التي يمكن لهذا العضو أو ذاك أن يحصل عليها"، ويلفت فرويد انتباهنا إلى وجود أفعال يقوم بها الطفل عن طريق المناطق الشبقية لا تقود إلى إشباع الحاجة الحيوية المنوطة بها، بقدر ما تحقق خفض التوتر. فقرض الأظافر لا يسد جوع الطفل، والاستمناء لا يؤدي إلى الإنجاب،   وإنما يساعدان على التخفيف من التوتر الذي يعاني منه الفرد.

وهكذا فالمناطق الشبقية تلعب دوراً ريادياً في نمو الشخصية وتبلور سماتها، لأنها تعتبر، في رأي فرويد، نوافذ لاتصال الطفل بعالمه ال خارجي، وبالتالي ، مصدر تجاربه وخبراته. فما يرافق إشباع الطفل لحاجاته(أو عدم إشباعه لها)، من مشاعر سوف يصبح مركباً لسلوكه الجنسي اللاحق وسبباً في هواماته الواعية واللاواعية.

ومن هذا المنطلق   يقرر فرويد أن الأعوام الخمسة أو الستة الأولى من حياة الإنسان هي التي   تحدد معالم شخصيته ونمطها. وتبعاً للمناطق الشبقية وتعاقب تمركز الطاقة الجنسية فيها يقسم مراحل النمو ويصنّف الشخصيات. فالطفل يمر بثلاث مراحل أساسية: المرحلة الفمية، والمرحلة الشرجية، والمرحلة القضيبية، وعلى أساس السلوك الجنسي في كل مرحلة منها تتكون ثلاثة أنماط من الشخصية: النمط الفمي، والنمط الشرجي، والنمط القضيبي.

1 ـ المرحلة الفمية: ORAL PHASE يعتبر فرويد الفم أولى المناطق الشبقية الطفلية التي تشرع بأداء وظائفها بعد انفصال الطفل عن الأم مباشرة. فالطفل يحقق اللذة في مطلع حياته بمص الأشياء( ثدي الأم، الرضاعة..)، التي تقترب من شفتيه، أو توضع في فمه. كما يحققها بعد ظهور الأسنان عن طريق العض. وإذا كانت العملية الأولى تزود الطفل بلذة جنسية، فإن العملية الثانية(العض) تزوده باللذة العدوانية. وفي حال تناول الطفل للأشياء المؤلمة(الصلبة أو الحامضة أو المرة) فإنه سرعان ما يعمل على إبعادها عن طريق بصقها. بينما نراه يسلك سلوكاً معاكساً إن هو تعرض إلى محاولة انتزاع شيء لذيذ من فمه، حيث نجده يقاوم ذلك بواسطة غلق فمه. ويذهب فرويد إلى هذه الأفعال(المص، العض، البصق، الإغلاق)، تشكل الخبرات السلوكية الأولى للطفل، وأن تكرارها أو تكرار بعضها في هذه المرحلة يمهد السبيل لتكون بعض سمات الشخصية التي توجه علاقة الفرد بالعالم الخارجي. ويعني ذلك أن كل سمة تقوم على فعل من هذه الأفعال.

فالاتجاه نحو المعرفة والاكتساب وحب الاطلاع تتكون على أساس خبرة المص وتناول الأشياء عن طريق الفم. والعدوان والتخريب والمشاكسة هي نتاج خبرة العض. والاستخفاف والاحتقار والاستعلاء هي تعميمات لخبرة البصق. والسلبية والانسحاب والمعارضة تستمد أصولها من خبرة الإغلاق. وبكلمات أخرى فإن ظهور هذه السمات أوغيابها يتوقف على مدى ما يتيحه المحيط للطفل من مثيرات تحرضه على ممارسة هذه الأفعال أو تكفه عن القيام بها.

2 ـ المرحلة الشرجية ANAL PHASE يقرن فرويد ظهور هذه المرحلة بنمو عضلات المصرات في نهاية القناة الهضمية، أي في الشرج، حيث يصبح الطفل قادراً على ضبط إخراج الفضلات والتحكم بعملية الت برز التي تقضي على توتره أو تخفف منه وتجلب له الإحساس باللذة. ويعتقد فرويد أن خبرة الطفل في مجال تفريغ الشحنات الجنسية في هذه المنطقة الشبقية هي مصدر تكون الحالات الانفعالية والمزاجية. وقد حدد بداية هذه المرحلة في العام الثاني من حياة الطفل، حيث تبادر الأم إلى إخضاع عمليتي التبول والتبرز للمتابعة والمراقبة الدائمتين بهدف إكسابه القدرة على ضبطهما والتحكم بهما. ولهذا فإن على علاقة الأم بطفلها خلال هذه المرحلة   والأساليب التي تتبعها في تنظيم هاتين العمليتين وتعلمه كيفية ضبطهما يتوقف نشوء الكثير من جوانب شخصيته. فأسلوب القسوة قد يدفع بالطفل إلى الإصرار والعناد كتعبير عن رفضه لتدخل أمه. وأسلوب اللين واللطف يحمله على إبداء قدر كبير من المرونة والطاعة. ويرجح فرويد أن يصبح الطفل في الحالة الأولى مشاكساً ومتمرداً، وفي الحالة الثانية كريماً ومحباً.

وعلى صعيد آخر يرى فرويد أن الاحتفا ظ بالبراز وحجزه الإرادي يجلب للطفل شعوراً باللذة، مثلما تجلبه عملية التبرز نتيجة إثارة الغشاء المخاطي الشرجي. وبالمقابل فإن إخراجه يجعل   الطفل قلقاً وحزيناً ويترك لديه شعوراً بالفراغ. ولقد تحدث عن سمات   الشخصية التي تتكون في ضوء الخبرات التي يمر بها الإنسان خلال المرحلة الشرجية، فوجد أن البخل والحرص على الأشياء   والممتلكات والتمسك بها هي امتداد لخبرات الحجز الإرادي للبراز. والنظافة والانضباط والترتيب هي تعميمات لتجاوب الطفل مع توجيهات الأهل وإرشاداتهم.

3 ـ المرحلة القضيبية PHALLIC PHASE وتبدأ هذه المرحلة عادة في السنة الثالثة من عمر الإنسان. وفيها يتحول التركيز الليبيدوي من الشرج إلى عضو التناسل. فيبدأ الطفل بتوجيه اهتمامه نحو هذه المنطقة الشبقية والشعور بلذة "حسية"   لدى لم سه لعضوه التناسلي وتدليكه له. وتتسم هذه المرحلة بتزايد الرغبة الجنسية عند الطفل نحو الوالدين. فإذا كان الصبي في السابق يحب أمه ويتقمص أباه، فإن حبه لأمه الآن يتخذ طابعاً جنسياً، ويتحول موقفه إزاء أبيه إلى شعور بالغيرة والكراهية، ويدعو فرويد هذه الحالة بـ"عقدة أوديب" وقد اقتبس هذه التسمية عن الأسطورة اليونانية   التي تحكي قصة الأمير أوديب الذي قتل أباه(لايوس ملك طيبة) دون أن يعرفه، ثم تزوج أمه(جوكاست) فأنجبت له أربعة أولاد. وعندما عرف الحقيقة    فقأ عينيه ورحل عن المدينة بصحبة إحدى بناته. وتسبب عقدة أ وديب في نشوء مخاطر طفلية تتمثل في خوف الطفل من رد فعل أبيه على موقفه من أمه. وقد يصل هذا الخوف إلى حد القلق من أن يلحق به أبوه أذىً جسدياً، فيقطع قضيبه لكونه مصدر الخطر. وهذا ما عرفه فرويد بـ"قلق الخصاء".

ومما يثير لدى الصبي مثل هذه المخاوف هو اكتشافه لنقص الت كوين الجنسي للبنت وافتقارها إلى العضو التناسلي الذي يمتلكه وبالنتيجة يكبت الطفل رغبته بالانفراد بأمه جنسياً وكراهيته لأبيه، وبذا تختفي عقدة أوديب عنده. وهنا يقول فرويد بتقمص   الطفل لأمه إذا كانت الغلبة لعناصر الأنوثة في تكوينه العضوي، وتقمصه لأبيه إذا كانت الغلبة لعناصر الذكورة عنده. وفي الحالة الأولى يشبع الطفل رغبته الجنسية نحو أمه بصورة جزئية، بينما تفسح الحالة الثانية المجال أمامه ليشارك أباه في شحناته الانفعالية تجاه الأم.

ومما تجدر الإشارة إليه، هنا، هو وجود سمات مشتركة، علاوة على السمات المختلفة، لاندفاعات الطاقة الجنسية عند كل من الذكر والأنثى في المرحلة القضيبية. فالبنت ـ كالصبي ـ تتوجه بحبها نحو أمها، ولكنها تختلف عنه في أنها لا تتخذ من الأب موضوعاً للتقمص. وحينما تكتشف النقص في تكوينها العضوي بالمقارنة مع الصبي فإنها تشعر بالخصاء، ويتغير شعورها تجاه أمها، فتحل الغيرة والكراهية محل الحب، بينما يظهر لديها رغبة جنسية تجاه أبيها لأنه يمتلك   العضو الذي حرمت منه. وهذا ما أطلق عليه فرويد "حسد القضيب"، وهو يقابل "قلق الخصاء" عن الذكر، ويعتبر "حسد القضيب"   و"قلق الخصاء" وجهين لعقدة الخصاء.

وإذا كان "حسد القضيب" يؤدي إلى ظهور عقدة أوديب عند البنت، فإن "قلق الخصاء" ينذر باختفاء هذه العقدة عند الذكر. ولكن ذلك   لا يعني أن عقدة أوديب تظل العلامة المميزة   للطاقة الجنسية عند البنت، بل إنها تضعف تدريجياً مع نمو العضوية واستحالة تحقيق إشباع جنسي عن طريق الأب. وتلك مؤشرات دخول الغريزة الجنسية في فترة الكمون LATENCY PERIOD التي تستمر ـ كما هو الحال عند الولد ـ حتى سن البلوغ. وتعرف هذه المرحلة حلول التقمصات محل الشحنات الموجهة إلى الخارج. ويت حدد موضوع التقمصات على أساس العناصر الجنسية المزدوجة   التي تتكون منها الطاقة الجنسية عند البنت. فإذا كانت العناصر الأنثوية عندها هي الأقوى تقمصت أمها. وإذا كانت العناصر الذكرية هي الأقوى تقمصت أباها..

وبهذه الفرضيات التي لم تجد في العلم حتى الآن ما يثبت صحتها، والتي كانت وما زالت أقرب إلى إسقاط تخيلات ذاتية على الواقع، وإقحامها ضمن الحقائق الموضوعية، حاول مؤسس التحليل النفسي تفسير السلوك السوي والمرضي على حد سواء. وبذل جهوداً ضخمة في البحث عن مرتسمات لأفكاره ومفاهيمه في الحالات المرضية التي   أشرف على علاجها، ومن ثم ترتيب كل ذلك ووضعه في قوالب محددة وتقديمها على شكل نظرية تدعي بأنها كشفت عن أسرار اللغز الإنساني، وحسمت الحوار الطويل الذي يمتد إلى تاريخ قديم حول مسألة الدوافع المحركة لنشاط الفرد برمته. فقد وجد أن عقدة أوديب هي مصدر الأعراض المرضية، مثلما هي مرج ع لتأويل روائع الإسهامات الإبداعية للفنانين والكتاب وغيرهم. وهذا ما عبر عنه بوضوح في إحدى رسائله حين قال: "... لم يراود خاطري سوى فكرة واحدة لها قيمة عامة. لقد وجدت في، كما لدى أي فرد آخر، مشاعر حب نحو أمي ومشاعر غيرة نحو أبي. وهي مشاعر نجدها، على ما أعتقد، لدى كل الأطفال الصغار حتى عندما لا يكون ظهورها مبكراً للغاية، كما هو الحال لدى الأطفال الذين سيصبحون لاحقاً من الهستيريين. وعليه فإننا، رغم كل الاعتراضات المنطقية التي تجعلنا نستبعد فرضية القدر المحتوم، نفهم الأثر الأخاذ لمسرحية أوديب الملك. فالأسطورة اليونانية قد استحوذت على نزعة قهرية يمكن لأي كان أن يتعرف عليها، إذ وجد الجميع أثراً لها فيهم. فكل مشاهد كان في يوم من الأيام أوديباً بالقوة وبالخيال، ويمتلكه الهول أمام تحقيق حلمه الذي يمثل كحقيقة على الخشبة. ويقيس هولـه درجة الكبت الذي يفصل حالته الطفلية عن حالته الحاضرة. ويتبادر إلى ذهني أننا قد نجد الشيء ذاته في جذور مأساة هاملت. فكيف يمكننا أن نفهم تردد هاملت في الثأر لأبيه بقتل عمه في حين لا يتردد لحظة واحدة في قتل لاييرت؟.. كيف يمكننا أن نشرح   ذلك بأفضل من العذاب الذي تحدثه فيه الذكرى الغ امضة بأنه فكر في الجرم   نفسه(الذي ارتكبه عمه) تجاه أبيه بسبب حبه لأمه؟"..(رزق الله، بلا تاريخ، 70، 71).

كان فرويد حريصاً على نشر كل ما يستجد لديه من كشوف واستنتاجات، وإطلاع الوسط العلمي على آرائه وتصوراته أولاً بأول،   وقد استهل    المرحلة الجديدة   من حياته العلمية بنشر مؤلفاته "تفسير الأحلام" الذي كتبه خلال عامين. وفرغ من وضعه في أيلول(سبتمبر) عام 1899. وصدر في تشرين الثاني(نوفمبر) من نفس العام. وفضل الناشر أن يكون عام 1900 هو عام إصداره.

يتحدث فرويد في هذا العمل المشهور عن دينامية النفس البشرية ومفهوم ال لاوعي ووظائفه وقوانينه ودوره الكبير في حياة الفرد. كما يعرض لمفهوم الحلم   ورمزيته وتقنيات ترجمة صور الأحلام وردها إلى أفكارها الأصلية. وعلى عكس ما كان يتوقعه فرويد أو يرغب فيه من إثارة الآخرين بأفكاره الجديدة واهتمامهم بها، فقد قوبل كتابه هذا بكثير من البرود واللامبالاة، بل   بالنقد والسخرية في بعض التعليقات عليه. بيد أن ذلك لم يثن من عزيمة صاحبه وطموحه في أن يصبح "رجلاً ذا شأن عظيم"   فواصل عمله بصبر وعناد لتقديم مزيد من التوضيحات والأدلة على صحة أفكاره وتصوراته، وبعد بضع سنوات نشر كتاباً بعنوان: "علم النفس المرضي في الحياة اليومية"(1904) تعرض من خلاله إلى الدوافع اللاواعية التي تكمن وراء زلات اللسان والقلم وأخطاء الإدراك والذاكرة وفقدانهما كلياً أو جزئياً وأحلام اليقظة وما إليها من الظواهر النفسية. وفي العام نفسه أصدر كتاباً آخر بعنوان "حالة من حالات الهستيريا". وذكر فيه الأسباب النفسية للأمراض العقلية. وفي عام 1905 نشر كتابه "ثلاث مقالات في النظرية الجنسية"، الذي أصبح أحد أهم المراجع في التحليل النفسي. وتتبع فيه مراحل نمو الغريزة الجنسية ومظاهرها في كل مرحلة منها على ن حو ما ذكرنا سابقاً. ولعل من المناسب أن نشير هنا إلى أن فرويد لم يعن بمفهوم المرحلة التحسن التدريجي   للأفعال والوظائف النفسية عند الطفل، بقدر ماكان يصف به انتقال الطاقة الليبيدوية من منطقة شبقية إلى منطقة شبقية أخرى، وتحولات أشكال العلاقات أثناء هذه المراحل وصولاً إلى المرحلة الجنسية التناسلية. وقد لاحظ فرويد ـ زيادة على هذا ـ أن مسار الغريزة الجنسية ليس محدداً تحديداً صارماً. فتأثير بعض مكونات المرحلة الأدنى يبقى ملحوظاً في المراحل الأعلى. "وهكذا فإن عناصر فمية أو شرجية تلعب دوراً مهماً فيما يتعدى المرحلة الفمية والشرجية. إن الدوافع ماقبل التناسلية تستمر في حياة الراشد"(سميرنوف، 1982، 98).

ويلاحظ فرويد أن سمة الغريزة الجنسية في فترة ماقبل الجنسية التناسلية هي النرجسية NARCISSISME . ويقصد بالنرجسية   تلك الإحساسات الإيجابية(اللذة) التي تنشأ بفعل التنبيهات الذاتية مثل مص الأصابع والتبرز أو حبس الفضلات والاستمناء.

وفي نفس العام، أي عام 1905، درس فرويد في كتابه "النكتة وعلاقتها باللاوعي" أهمية النكتة بالنسبة للإنسان باعتبارها نافذة أو قناة لتفريغ الشحنات الانفعالية حينما لا تتيسر إمكانية تفريغها بصورة عادية. ويذكر المؤرخون أن فرويد كتب مؤلفّيه "ثلاث مقالات..." و"النكتة...". في فترة واحدة وخلال بضعة أشهر. وقبل نهاية عام 1905 حسم أمره بعد تردد دام أربعة أعوام، وقرر نشر حالة دورا بعنوان "نبذة من تحليل حالة هستيريا"(دورا).

وبفضل المثابرة والإصرار تمكن فرو يد شيئاً فشيئاً من استقطاب   عدد من الأطباء   الذين كانت أغلبيتهم العظمى من اليهود، أمثال: و.شتيكل(1868-1940م) صاحب طريقة في العلاج تعرف بـ"التحليل الفعال" ومؤلف عدد من الكتب في النظرية الجنسية، وأوتورانك(1884-1939م) الذي طبق التحليل النفسي في الفن والأدب، وصاحب كتاب "صدمة الميلاد"، الذي عرض فيه فكرته حول انفصال الطفل عن أمه ودوره في العصاب، وأن الرغبة الجنسية للذكر تخفي رغبته في العودة إلى رحمها، وكارل أبراهام(1877-1925م) الذي حاول تفسير طبع الإنسان بتثبيت تغيراته عند مرحلة من مراحل النمو الجنسي، وساندور فرنتزي(1873-1933م)، صاحب تقنية حرمان المريض من الطعام والنوم وإشباع حاجاته المتبقية في حالة ما إذا أبدى مقاومة التداعيات الحرة، وذلك بغية زيادة الطاقة الليبيدوية ويمكن أن نضيف أيضاً إ.جونز
(1879-1958م) رائد حركة التحليل النفسي في إنكلترا ومترجم حياة فرويد، وم.ايتينهاين (1881-1943م) وهـ.ساكس(1881-1947م)، ول.بينسفانغر
(1881-1966م) الذي انشق، فيما بعد، عن التحليل النفسي ووضع نظرية "التحليل الوجودي" الذي ترى أن مهمة الطبيب النفسي تبدأ من التصور الذي يحمله العميل عن العالم. ويبقى أن نشير إلى أن أ.أدلر، أحد الوجوه البارزة في حركة التحليل النفسي، كان في طليعة الذين تجمعوا حول مؤسسها.

لقد ألّف هؤلاء الأطباء مجموعة انضوت تحت لواء التحليل النفسي. وكانت تجتمع بقيادة فرويد وفي منزله مساء كل أربعاء. ولهذا سميت بـ"جماعة الأربعاء النفسية".

وفي تلك الأثناء لفتت آراء فرويد انتباه بلولر، طبيب الأمراض العقلية في مدينة زيوريخ ومساعده يونغ. وأبدى الرجلان استعداداً لتطبيق التحليل النفسي في نشاطهما العلاجي. وقد سرّ فرويد كثيراً حينما عرف بذلك، واعتبر أن هذا الموقف يمهد الطريق أمام انتشار أفكاره في أوساط المسيحيين، بل ويضع حداً لكراهيتهم ومعاداتهم لليهود ف ي فيينا. ولهذا سعى للقاء بلولر ويونغ. وفي آخر يوم أحد من شهر شباط(فبراير) عام 1907 استقبل فرويد يونغ في منزله، وتبادل معه الآراء في جلسة طويلة تركت لديه انطباعاً إيجابياً عن ضيفه وقدراته العلمية. وأبدى رغبة شديدة في توطيد علاقته به وتوظيفها لصالح حركته في المستقبل.

وفي 22/9/1907 اتخذ فرويد قراراً بحل "جماعة الأربعاء النفسية".وقد ورد هذا القرار في رسالة بعث بها إلى أعضاء الجماعة عندما كان في روما. ولكنه طلب في الوقت نفسه ممن يريد منهم تقديم طلب انتساب جديد. وفي شهر نيسان(أبريل) من عام 1908 عقد المؤتمر الأول للتحليل النفسي في فندق بريستول في مدينة سالسبورغ. ومن بين القرارات التي اتخذها المؤتمرون إصدار مجلة باسم "مجلة التحليل النفسي وعلم النفس المرضي"، وأن يكون فرويد وبلولر مديرين لها، ويونغ رئيساً لتحريرها. ولكن الخلاف الذي نشب بين يونغ وأبراهام كاد أن يحدث شرخاً في التجمع الجديد لولا ت دخل فرويد ووقوفه المصلحي إلى جانب يونغ، ومحاولاته الدؤوبة لثني أبراهام عن موقفه وإقناعه بأهمية وجود يونغ معهم. والحقيقة أن ذرائعه في هذا الشأن كانت بعيدة تماماً عن العلم وروحه. وهذا ما يبدو واضحاً من خلال رسائله إلى أبراهام. فقد جاء في إحداها مايلي: "تذكر أن يونغ، وهو مسيحي وابن قسّ، قد تغلب على مقاومات كبيرة قبل أن يجد طريقه إلي"... وأن علينا نحن اليهود، إذا أردنا التعاون مع الآخرين، أن نبدي بعض المازوكية، وأن نستعد لتحمل بعض الظلم". ويعلل ذلك بأنَّه   "لا غنى عن أصدقائنا الآريين. دونهم يقع التحليل النفسي ضحية المعاداة للسامية"(رزق الله، بلا تاريخ، 78).

ولقد وجد فرويد في الدعوة التي وجهها إليه ستانلي هول رئيس جامعة كلارك ـ وورشستر في أيلول(سبتمبر) عام 1908، فرصة سانحة لتوسيع دائرة نشاطه ونشر أفكاره. وهناك بسط نظريته في خمس محاضرات جمعها فيما بعد ونشرها تحت عنوان "محاضرات في المدخل إلى التحليل النفسي".

ومما ينبغي إبرازه في هذا السياق هو ذلك الأثر الإيجابي الذي تركته زيارته للولايات المتحدة الأمريكية على صعيد حركة التحليل النفسي، الأمر الذي حدا به إلى التفكير في تأسيس رابطة دولية للمحللين النفسيين. وقد استغل فرصة انعقاد المؤتمر الثاني للتحليل النفسي في مدينة نورمبرغ عام 1910 فاختار فرنتزي وطلب منه عرض هذا الاقتراح على المؤتمرين. فلاقت الفكرة استحسان الجميع وتمت الموافقة على إنشاء الرابطة. وباقتراح من فرويد صوت الحاضرون لصالح يونغ لكي يكون رئيساً لها، واختاروا مدينة زيوريخ لتكون مقرها الدائم. بيد أنه سرعان ما بدأ الخلاف الفكري يطبع علاقة فرويد بعدد من أعضاء الرابطة. ولم يمضِ عام على تأسيس الرابطة حتى أعلن أدلر انفصاله عن فرويد، وتبعه شتيكل عام 1912، ثم



***


*-//* موضوع / المدرسة القصدية*//-* - *-//* موضوع / فرويد والتحليل النفسي*//-* - pliiiiiiiz qui peut m' écrire this writing en anglais avant le lundi
الطلبات والبحوث الدراسية|الأرشيف|الرئيسية


-----




****


--





palmoon tool bar
privacy policy