صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







°¤©][©¤°الرومانسيَّة والفنّ في قصَّة القرن (19) (أوروَّبا الغربيَّة وأمريكا) ـــ يو.ف . كَفَليو
أدباء وشعراء ومطبوعات




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية






***

°¤©][©¤°الرومانسيَّة والفنّ في قصَّة القرن (19) (أوروَّبا الغربيَّة وأمريكا) ـــ يو.ف . كَفَليو



°¤©][©¤°نقد المنظور اليهودي لتطور الشعر العربي الحديث تأليف: د. محمد نجيب التلاوي ـــ مراجعة: أ - °¤©][©¤°الرومانسيَّة والفنّ في قصَّة القرن (19) (أوروَّبا الغربيَّة وأمريكا) ـــ يو.ف . كَفَليو - °¤©][©¤°مستقبل.. الرواية العربية ـــ د.نضال الصالح°¤©][©¤°
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية
****


الرومانسيَّة والفنّ في قصَّة القرن (19) (أوروَّبا الغربيَّة وأمريكا) ـــ يو.ف . كَفَليوف ـ ت.د.نوفل نيوُّف

نلفت نظر القارئ، ونحن نتناول هذا الموضوع، إلى التزامنا بمعالجة مسائل محددة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيَّات جنسٍ أدبي هو القصة هنا، وزمنٍ تاريخي هو القرن التاسع عشر، و"جغرافيا" أدبية هي أوروبا وأمريكا الشمالية؛ ثمّ ـ أخيراً ـ موضوع المعالجة، ونعني به مصير الفنان ومصير الفن. وتربط بين هذه المسائل جميعاً روابط وثيقة جداً.‏

إن مجموعة كبيرة من قصص القرن التاسع عشر التي سنشير إليها في سياق هذه الدراسة ت نتمي، بهذه الدرجة أو تلك، إلى جنس القصة تحديداً، على الرغم من أنها تختلف كثيراً فيما بينها من حيث تنظيمها المعماري. ويتميز بعض تلك القصص بالصغر والاقتضاب. فيما بعضها الآخر أقرب إلى ما نسميه بالقصة الطويلة، من حيث الحجم والمضمون؛ بينما نجد بينها قصصاً تمثل مناجاة واحدة متكاملة لا تتجزأ، وبالمقابل فإن هناك قصصاً أخرى هي على النقيض من ذلك تماماً، أي مجزأة إلى فصول وفقرات. وثمة أيضاً نوع من القصص المكتوبة بضمير المتكلم، وهي مفعمة بشبوب غنائي، في حين نجد قصصاً شديدة الالتزام بالروح الموضوعية الصارمة المعروفة في السرد النثري. ويمكننا أن نطيل في تعداد قائمة الفروق التي ينطوي عليها هذا الجنس الأدبي. غير أننا سنكتفي بالإشارة إلى ذلك بوصفه واقعة موضوعية مميزة للقصة الأوربية والأمريكية الشمالية في القرن التاسع عشر.‏

وليس في هذه الواقعة أية غرابة أو غموض. ذلك أن ما يمتاز به الشكل القصصي من غنى كامن كان موجوداً في عملية نشوء هذا الشكل نفسها.‏

ليس بين مؤرّخي الأد ب ومنظّريه حتى الآن وحدة في الرأي حول نشوء القصة بوصفها جنساً أدبياً، فهناك من يعود بها إلى الأدب السردي المعروف في أوائل القرون الوسطى، أي إلى أدب "الخرافات والحكايات والقصص التاريخية والأقاصيص المتداولة ذات المنشأ الشرقي إلى حدٍ ما". وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، ويبحث عن منبع هذا الجنس الأدبي في النثر القديم Antique ؛ بينما يرى فريق ثالث أن أصل القصة هو الأجناس النثرية المعروفة في أدب المدن أثناء القرون الوسطى، كالشفانكا الألمانية، والفابليو الفرنسية؛ ويفترض فريق رابع أنه ينبغي ربط نشأة القصة بالنكات اليومية والأشكال الشفوية الأخرى. حتى أنه يمكننا أن نفترض أن القصة كانت تميل، في أثناء نشوئها، إلى الجمع بين مختلف أنواع النثر. بل إننا هنا، في هذه المقالة الموجزة، لن نحاول حتى الاقتراب من معالجة تلك الإشكالية العويصة المتعلّقة بنشوء القصة كجنس أدبي. وسنكتفي بالإشارة إلى ما لهذا الجنس من قدرة تركيبية، ما دامت هذه القدرة قد استمرت، بل وازدادت فاعلية على امتداد مجمل تاريخ تطور جنس القصة، ولم تزل قائمة حتى يومنا هذا.‏

يهمنا نحن أن نؤكد على أن القصة كانت في بدايات وجودها تتّصف بملامح محدّدة وصارمة للغاية في شكليتها. فقد كانت سرداً نثرياً موجزاً تماماً. تتضمن حبكة بسيطة ولكنها متصاعدة، وكانت خلواً من الإشكالية الفلسفية والنظرية بوجه عام، ينقصها العمق السيكولوجي في معالجة الشخصيات.‏

ومع بداية القرن التاسع عشر كانت القصة، شأنها شأن أجناس الأدب الأوروبي الأخرى، قد قطعت شوطاً كبيراً وصعباً. وتتمثل أهم مراحل هذا الشوط في حركتين أيديولوجيتين جبّارتين هما النهضة والتنوير اللتان تركتا بصمات لا تمحّى على مجمل الحياة الروحية، بما فيها الحياة الأدبية، لشعوب أوروبا. فقد شكلت النهضة إحساساً إنسانياً جديداً بالعالم، زعزعت الهرمية الكنسية الإقطاعية، وأخرجت الإنسان من تحت نير دوغمائية القرون الوسطى، ثم وضعته ونشاطه في مركز الكون، محطّمة بذلك سلم القيم التقليدية. لقد بدأ الإنسان يحيا في الأدب بوصفه شخصية، واكتسب كلُّ شيء إنساني فيه "حقه في الشرعية". أما التنوير فقد أكد بدوره على جبروت العقل البشري وقدرته، بعد أن أعلن هذا العقل قوة تغيرية عظيمة، بل معياراً أسمى وقاضياً يحتكم إليه في جميع جوانب الوجود البشري. إذ من منا يجهل عبارة ديكارت الشهيرة "أنا أفكر، إذاً فأنا موجود؟"‏

إن حياة الإنسان من خلال علاقاته بالطبيعة والمجتمع، وكذلك مصيره ونشاط وعيه الذي يعالج مشكلات الوجود المتعددة، أي المشكلات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والفلسفية، إن ذلك آخذاً على نحو تدريجي باحتلال الموقع المركزي في الأدب، وبإجراء تغيير أكيد في التقاليد المألوفة في هذا الجنس. وكانت التصورات الجديدة والأفكار والمفاهيم تتطلب وسائل استيعاب أخرى، وأدوات تعبير فنيّ جديدة.‏

وقد فعلت هذه العملية فعلها في القصة أيضاً.فليس من الصعب أن نلاحظ أن قصة القرن التاسع عشر، على الرغم من كل تنوعها، تتميز مبدئياً عن التجارب الباكرة في هذا الجنس. لقد ولى عهد البساطة والاقتضاب المعروفين في البدايات، وتراجعت كثيراً الحبكة المتصاعدة. وانتقل مركز الثقل من الأحداث إلى الإنسان. من هنا يجيء تعاظم العناصر التفصيلية والسيكولوجية. فلقد أصبح البطل أهم من السلوك والتصرفات التي غدت تحتل موقعاً ثانوياً، ذلك أن البطل الآن هو بطل يفكر ويشعر، إنه لا يعيش في عالم الوقائع وحسب، بل وفي عالم "الروح" أيضاً؛ وقد أضحى ذهنه وانفعالاته الآن الميدان المفضّل الجدير باهتمام الأديب.‏

يتميّز فن القصة في القرن التاسع عشر، و لا سيّما في زمن سطوة علم الجمال الرومانسي، بوجود الفكر المجّرد والتفكير المحض اللّذين رافقا طرح القضايا الاجتماعية والفلسفية والأخلاقية والفنية. وكما لو أن القصة كانت تنكر طبيعتها الجمالية الخاصة، راحت تلتفت إلى أسلوبية أجناس غريبة عليها، كالحوار الفلسفي، والمبحث الفكري، والوعظ الكنسي. فشرعت تستخدم استخداماً واسعاً تجربة النثر التأملي، ولا سيما فنّ المقالة التنويرية بوجه خاص. وكان حتمياً أن يفضي ذلك كله إلى إضعاف ثوابت جنس القصة. فهي قد ضاقت بأطرها، وأخذت تطمح إلى الخلاص من هذه الأطر. تلك هي النزعة الداخلية التي تتجلّى بسهولة في كثير من الآداب القومية.‏

كان يمكن أن نظن أن هذا "التحطيم الذاتي" سيؤدي إلى اختفائها كلياً، وإلى ا لاستعاضة عنها بأنواع أخرى من النثر القصير. غير أن ذلك لم يحدث، لأن ظروف وجودها الموضوعية، بل ووجود جنس القصة نفسه كانا حجر عثرة في وجه هذه النزعة الداخلية. ومع مرور الزمن كانت القصة تتحوّل أكثر فأكثر إلى مقام "أدب المجلات"، في حين كان لهذا النوع من الأدب قوانينه ومعاييره ونماذجه. فلنتذكر شكوى سكوت فيتزجيرالد المريرة، حين قال إنه كان يكتب قصصه على النحو الذي يعجبه، ثم "يفسدها" وهو يعدّها لتكون مطابقة لشروط المجلات. كانت "قوانين" المجلات تساعد على بعث المبادئ الأولى لجنس القصة، أي على إحياء الاقتضاب والبساطة وحيوية الحبكة، غير أنها ـ لحسن الحظ ـ لم تستطع القضاء على المكتسبات الجديدة قضاء نهائياً.‏

فالطابع الدياليكتيكي لتطور جنس القصة، وكذلك تعدد الأشكال النثرية الموجزة في أدب القرن التاسع عشر كانا مشروطين بالصدام والمواجهة بين الجانبين المذكورين.‏

وعلى القارئ ألا يتضايق من "عدم التشابه" بين قصص المرحلة المعنية؛ إذ حقاً أن "المسافة كبيرة جداً" بين هوفم ان وتوين، إلاّ أنهما، كما يقال، يقعان ضمن حدود مساحة واحدة.‏

ـ 2 ـ‏

كلّ أثر من آثار الفن (بما في ذلك الأدب) هو ثمرة نشاط الوعي الإبداعي للفنّان. وهذا الوعي الإبداعي ذاته يتشكل تحت تأثير عوامل متنوعة ومتداخلة يطلق عليها في علم الأدب مصطلح "العصر". إن مفهوم "العصر" يشمل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وأحداث التاريخ السياسي وأكثر ظروف الصراع الاجتماعي تعقيداً، والمعارك الأيديولوجية وحركة الفكر العلمي والفلسفي وتطور النظم الجمالية والاتجاهات الفنية. فالعصر هو جماع ظروف حياة المجتمع الروحية والمادية في مرحلة معينة من تطوره. وقد يكون تأثير مجمل ما في الحياة من جوانب مختلفة على الوعي الإبداعي مباشراً أو غير مباشر.‏

إن معرفة العصر شرط ضروري للفهم الدقيق والكامل لما تسفر عنه الآثار الفنية من مغزى وقيمة فنية. ولهذا بالضبط لابد أن يكون المرء لنفسه تصوراً عن القرن التاسع عشر من وجهة نظر التطور الاجتماعي والتاريخي والعلمي والفلسفي والفني، ولو في حدود الإلمام بالملامح العامة على الأقل.‏

إن مقارنة "القرن الحالي بالقرن الماضي"، قد تخيل لنا أن القرن التاسع عشر كان زمناً هادئاً خالياً من الحيوية الطموحة. ولكن ذلك ليس إلا ما يخيل لنا نحن، أبناء القرن العشرين، أصحاب الذاكرة المزدحمة بحربين عالميتين أودتا بحياة ملايين البشر، وقيام أول دولة اشتراكية في العالم ترتب عليه بناء المعسكر الاشتراكي، وسقوط النظام الاستعماري، وظهور الأنظمة الشعبية الديمقراطية في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والانقلاب العلمي التقني والقنابل الذرية وغزو الفضاء، وما قامت به الإمبريالية المعاصرة من مغامرات دموية.. الخ. وبالطبع، إن زمننا هذا في عصر الفضاء والحاسوب والذرَّة، حيث أنجزت البشرية قفزة عملاقة في مجال التطور التكنولوجي، ووجدت نفسها ـ إذا أمكن القول ـ أمام خطر التدمير الذاتي، هو عصر لا يقبل المقارنة بالقرن التاسع عشر الذي يتراءى لنا عصر حروب صغيرة وثورات صغيرة وتقدّم بطيء في جميع مناحي الحياة المادية والروحية.‏

غير أنّ ذلك الزمن لم يكن أبداً يبدو لأبناء القرن التاسع عشر زمناً هادئاً رتيباً.‏

لقد كانوا يفهمون جيداً فكرة "تسريع التقدم"، ذلك أنهم أيضاً كانوا يقارنون "عصرهم الحالي" بـ "العصر السالف"، أي بالقرن الثامن عشر، بحيث أن عصرهم كان يبدو لهم مليئاً بالأحداث العاصفة. إنّ لـِ "قانون النسبيَّة" فاعلية في علم النفس الاجتماعي التاريخي أيضاً، ويجب علينا أن نوافق على أن القرن التاسع عشر كان يفيض بالحوائج اللاهبة والحركة الجبارة إلى الأمام، بالمقارنة مع الأزمنة التي سبقته.‏

على مشارف القرن التاسع عشر وقع حدثان شهيران هما حرب الاستقلال الأمريكية، والثورة البرجوازية الفرنسية، اللتان حددتا الطابع الجديد للتطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي، كما ابتدأ القرن التاسع عشر بحروب نابليون، التي زجّ فيها بجميع دول أوروبا الوسطى والجزر البريطانية. غير أن هزيمة نابليون لم تفض إلى "السلام الأ بدي" المرغوب. فتتالت الصدامات المسلحة واحداً إثر آخر، من حرب إنكلترا مع أمريكا (1812 ـ 1814)، إلى الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية المكسيك (1846 ـ 1848)، ومن التحالف بين فرنسا وإنكلترا ضد روسيا 01853 ـ 1856)، إلى الحرب بين بروسيا وفرنسا‏

(1870 ـ 1871). وكانت الحياة الداخلية لهذه الدول تترنح تحت ضربات الثورات البرجوازية وانتفاضات التحرر الوطني والحركات الديمقراطية الراديكالية والعمالية، والحروب الأهلية، و"النزاعات" الاستعمارية المسلحة ...الخ.‏

ولنوافق أيضاً على أنه كان لدى الأوربيين والأمريكيين ما يدفعهم إلى الحديث عما في عصرهم من "كوارث لم يسبق لها مثيل". وبالفعل، فإن التاريخ السابق لم يعرف مثيلاً لذلك من قبل.‏

وفي المجال الاجتماعي الاقتصادي كان القرن التاسع عشر عصر الثورات الصناعية والترسيخ النهائي لأسلوب الإنتاج الرأسمالي، ومن ثم مراكمة رأس المال الصناعي والمالي و تشكيل الاحتكارات والتروستات والكارتيلات العالمية. وفي أواخر القرن دخلت الرأسمالية الأوروبية والأمريكية مرحلة الاحتكار. وقد أفضى هذا كله إلى توزيع جديد للقوى الطبقية في المجتمع، وإعادة تنظيم بنى الدولة، الأمر الذي ترتبت عليه بالتالي تحولات في الوعي السياسي للشعوب.‏

ومّما لا جدال فيه أن القرن التاسع عشر كان زمناً رسخَّت البرجوازية خلاله أقدامها في الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا، لكن من الواضح بالقدر نفسه أن البرجوازية قد استنفدت إمكاناتها كقائدة للتقدم التاريخي. لقد تبخرت ثوريتها بعد أن أخلت مكانها للنزعات البالية الرجعية والمحافظة، وبذلك انتقل دور زعامة التاريخ إلى البروليتاريا.‏

ـ 3 ـ‏

لم تكن حياة ذلك العصر الروحية والذهنية أقلّ حيوية ونشاطاً، وقد أعلنت عن نفسها بجلاء عظيم، فتجلىّ ذلك في حركة الفكر العلمي والفلسفي والجمالي.‏

كان تطور الأفكار الفلسفية في القرن التاسع عشر حيوياً ومتناقضاً وشيقاً، إذ دُشِّنت بداية القرن بما كان للفلسفة الكلاسيكية الألمانية من تأثير جبَّار. وقد كشف التقدم الاجتماعي وحركة الفكر العلمي الصاعدة عن إفلاس المادة التنويرية التي سادت في القرن الثامن عشر، وعن طابعها الميكانيكي والمثالي، وكذلك عن عجزها عن تجاوز حدود المنطق الصوري والسببية المباشرة. ولئن كانت أفكار التنوير في مجال السوسيولوجيا والسياسة استمرت زمناً طويلاً وهي تحرّك وعي البشرية، بل ولم تفقد كامل قيمتها حتى يومنا هذا، فإن التنوير كان على وشك أن يستنفد نفسه في ميدان الغنوصيولوجيا عند مشارف القرن التاسع عشر. ذلك أن لوحة العالم المبسطة التي لم يكن فيها مكان للتناقضات الداخلية وللتطور الدياليكتيكي أضحت غير مرضية في ضوء التجربة العلمية والاجتماعية الجديدة.‏

وبدلاً من مفكّري "العصر الموسوعي" جاء عمالقة جدد هم كانط وفيخته وهيغل وشيلنغ. وقد أغنى هؤلاء الفكر الفلسفي بفهم تناقض العالم وبأفكار التطور الديالكتيكي والتقدم الاجتماعي التاريخي. ولا يقل أهمية عن ذلك كونهم في مجال الغنوصيولوجيا قد تجاوزوا إطار عقلانية المنورين القاسية (وإن لم ينكروها) وأدخلوا إلى نظام مناهج المعرفة العام كلاً من الحدس والخيال بوصفهما أهم عنصرين في ذلك النظام، وبذلك قدّموا تأسيساً فلسفياً لمبادئ التفكير العلمي والفني الجديدة التي ولدت على تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.‏

كما كان لما عرفته العلوم الطبيعية من تطور عاصف تأثير هائل على طابع تطور التفكير الفلسفي في القرن التاسع شعر. فقد سدد تطور العلوم الطبيعية الضربة القاضية لتحطيم التصور التقليدي حول نشوء الكون والحياة الحية البشرية. إذ يمكن القول بأن أعمال تشارلز داروين فعلت فعلها في زعزعة ما استقرّ قروناً في وعي الأوروبيين حول هذا الموضوع. ثم إن الفكرة القائلة بأن العالم ثابت لا يتغير تخلّت عن مكانها لفكرة الحركة الدائمة التطور. وقد أصبح مفهوم التطور هذا مفتاحاً أساسياً في الحياة الذهنية إبان القرن التاسع عشر، ثم تسرب إلى الاقتصاد والسوسيولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وعلم التاريخ، هذا إذا لم نتطرق إلى جميع ما يمكن أن يكون للعلوم الطبيع ية من تفرعات.‏

بلغ العلم الكلاسيكي في القرن التاسع عشر أعلى قممه، وخُيِّل أنه قد أرسى أهم قوانينه على الإطلاق؛ غير أن ذلك كان ما يُخيَّل ليس إلاّ. فمنذ النصف الأول من القرن ظهرت مفاهيم وأفكار وتصورات جديدة بدت في أول الأمر عبثية، لا منطقية ولا تنسجم مع مبادئ التفكير العلمي التقليدية. وبالتغلب على الجمود والعطالة الفكرية والعداء الصريح الذي أبداه أعمدة العلم، استطاع لَبَتْشيفسكي وبولياي وريمان وبلانك وكثيرون آخرون أن يعبّدوا الطريق لعلم جديد "غير كلاسيكي" وأن يعيدوا بناء لوحة الكون جذرياً. وعلى أية حال، فإن القيمة الثورية لنشاطهم لم تتضح إلا في نهاية القرن التاسع عشر، بعد أن نشر آينشتاين أهم أعماله.‏

إن مكتسبات العلم الكلاسيكي العديدة والمؤثرّة، مثله مثل التحولات الاجتماعية الاقتصادية في حياة الدول الأوروبية، لم يكن في وسعها إلاّ أن تنعكس على حركة الفكر الفلسفي. لقد تبيَّن أن سطوة "الألمان العظماء" لم تَدُمْ إلاّ زمناً قصيراً نسبيَّاً، على الرغم من أ نَّ تأثيرهم على الفلسفة الأوروبية ما يزال حاضر الصدى حتى الآن.‏

إن اكتشافات العلوم الطبيعية التي تعتمد على التجربة والملاحظة، بالإضافة إلى التقدم العاصف في مجال الإنتاج الصناعي، وإلى تطور البحوث التطبيقية، إنما أسفرت عن ظروف ملائمة لظهور فلسفة جديدة أطلقت على نفسها اسم الفلسفة "الوضعية". وقد تأسست هذه الفلسفة على يدي أوغست كونت، وكان من أبرز أعلامها لويس وسبنسر وتين. كانت الوضعية ترفض "الميتافيزيقا" وتصفها بأنها أية "نظرية عن بدايات كل ما هو حيّ، وعن مبادئ الوجود الكليَّة التي لا يمكن تكوين معرفة عنها بوساطة التجربة الحسيَّة المباشرة".‏

وفي حقيقة الأمر، فقد رفض الوضعيون القيمة العلمية لكل فلسفة. لقد كانوا على يقين بأن "العلم لا يحتاج إلى أية فلسفة تقف فوقه، بل عليه أن يعتمد على نفسه".‏

وبدلاً من الفلسفة كانوا يطرحون "منظومة العلوم"، أي "علماً عاماً"، يكشف عن العلاقة الق ائمة بين الميادين المستقلة للمعرفة، ويكون قادراً على استخلاص نتائج رئيسة من العلوم الطبيعية والاجتماعية. وقد كان الوضعيون أنصاف لا أدريين في مجال الغنوصولوجيا.‏

فلم يكن يقلقهم مضمون "الأشياء في ذاتها"، ولا مشكلات السببية ...الخ. وكانت مهمة العلم، من وجهة نظرهم، تتمثل في وصف الظاهرة وصوغ قوانينها. أما ما يتعلق بجوهر الظواهر وأسبابها فليس إلا من ضروب "الميتافيزيقا". كما كانت الواقعة العلمية وما يترتب عليها من خلاصة هي المقولة المركزية في نظرية المعرفة لديهم. وليس من باب المصادفة إن بدت الفلسفة الوضعية، وعلى نحو مفاجئ، قريبة مما أسفرت عنه "مدرسة مانشستر" من النظريات الاجتماعية والاقتصادية التي سخر منها ديكتر سخرية رائعة في "الأزمنة الصعبة".‏

وبصرف النظر عن اهتمام الوضعيين بالمعرفة "الإيجابية"، إلاّ أنهم ـ من حيث الجوهر ـ ظلوا مثاليين. وربما لهذا السبب كانوا يخططون بسطحيّة لوضع بنى وقوانين بيولوجية لحياة المجتمع (تين وسبنسر) ولكنهم ساعدوا على نشر الأفكا ر المتعلقة بما بين الظواهر في الطبيعة والمجتمع من علاقة شاملة، وبالتطور بوصفه القانون الأهم الذي يخضع له كل ما هو حيّ، وبالعلاقة المتبادلة بين الفرد والبيئة التي تشكله...الخ.‏

لقد كان للفلسفة الوضعية في تطور الفن الأوروبي (والأدب قبل كل شيء) دور فائق الأهمية. إذ أنّ لدينا جميع الأسس التي تتيح لنا النظر إلى المدرسة الطبيعية والتيارات المنتمية إليها بوصفها إسقاطاً للأفكار الوضعية على ميدان دراسة الواقع فنيّاً.‏

لم تستسلم المثالية الكلاسيكية لهجمات الوضعيين الضارية، غير أن "هجماتها المضادّة" كانت منذ مشارف النصف الثاني من القرن التاسع عشر تفتقر إلى قوتها الماضية.‏

وفي الحقيقة فإن الفلسفة الألمانية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كانت تمثل الذروة في تاريخ الفلسفة البرجوازية، إذ لم يتح لها بعد ذلك قط أن تبلغ تلك الأعالي. إن فقدان البرجوازية موقع القيادة في العملية الاجتماعية التاريخية قد جر وراءه انحطاطاً في الفكر النظري، وأزمة في الوعي، وتنبؤا بالنهاية، ومحاولات عقيمة لخرق طوق الضلالات المثالية، لكنها كانت محاولات من داخل أطر التفكير المثالي نفسه. إن العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر كانت في وعي الأوروبيين زاهية بألوان الديكادنس (الانحطاط)، أما الأنساق الفلسفية التي ولدت أو لاقت ذيوعاً في ذلك الزمن (شوبنهاور و نيتشه وهارتمان وبيرغسون) فكانت تحمل ملامح الانحطاط التي أطلق عليها في تاريخ الثقافة مصطلح fine de siecle أي نهاية القرن. ونحن ننظر إليها اليوم بوصفها نهاية القرن التاسع عشر تحديداً. إلا أنها كانت تعني لمعاصريها نهاية الحضارة الأوروبية.‏

ونشير أخيراً إلى حدث بالغ الأهمية في الحياة الأيديولوجية لأوروبا القرن التاسع عشر، ألا وهو ولادة منظومة أفكار ثورية تمثلت في المادية التاريخية والدياليكتيكية كأسس لنظرية علمية جديد مبدئياً، وثورية حقاً في نظرتها إلى تطور الطبيعة والمجتمع. إنها النظرية الماركسية التي تعتمد على دراسة التطور الاجتماعي الاقتصادي والسياسي في البلدان الأوروبية ال متقدمة، وعلى أولى المعارك الطبقية التي خاضتها البروليتاريا، وتستند إلى مكتسبات العلم الكلاسيكي والفلسفة (بما في ذلك المادية التنويرية، والمثالية الألمانية).‏

وقد شملت هذه النظرية جميع ميادين الوجود والنشاط الإنساني، بدءاً من قوانين الطبيعة وانتهاء بقوانين الفن، وخصت بمعظم اهتمامها مشكلات الاقتصاد والسوسيولوجيا والسياسة والفلسفة. وكان دعاة الماركسية يرون فيها أساساً نظرياً لتغيير العالم تغييراً جذرياً فجعلوا منها أيديولوجيا البروليتاريا بوصفها الزعيم الجديد للعملية التاريخيّة.‏

ومن المعروف للجميع أن الانتشار الواسع للماركسية، أي لتلك العملية التي استطاعت الأفكار الثورية من خلالها أن تسيطر على وعي الجماهير وأن تصبح دليل عمل لها، وهو مسألة تنتمي في معظمها إلى القرن التاسع عشر، بمعنى أن هذه النظرية نفسها كانت ثمرة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والذهنية التي كانت سائدة في ذلك القرن.‏

ـ 4 ـ‏

كان من الطبيعي أن يخلّف مجمل ما أشرنا إليه أعلاه من ظروف حياة القرن التاسع عشر المادية والروحية بصماته على تطوير الفكر الفني الأوروبي والأمريكي، وعلى الفن نظرية وممارسةً، ولا سيمّا على الأدب قبل كل شيء، فلم يسبق لتاريخ الأدب أبداً أن عرف هذا المقدار من الازدهار الفذ لمختلف المدارس والاتجاهات، ومن الصدامات فيما بينهما، وهذه الإطاحة السريعة بالتيارات المهيمنة.‏

لقد مرَّت بداية القرن تحت راية الصراع الضاري بين الكلاسية والرومانسية التي تسلّحت بما قدّمته الفلسفة الألمانية من أفكار في علم الجمال والغنوصولوجيا. وتكلّل هذا الصراع بانتصار الفن الرومانسي الجديد الذي أفرز أعلاماً بارزين هم الأخوان شليغل وتيك ونوفاليس وهوفمان وهايني في ألمانيا؛ ووردزورث و كولريدج وبايرون وشيلي وكيتس وسكوت في إنكلترا؛ وشاتوبريان ودي ستال ولامارتين وهوغو وفيني وجورج صاند في فرنسا؛ وإرفنغ وكوبر وبو هوثورنوملفل ولونغفيلو في الولايات المتحدة الأمريكية.‏ < /STRONG>

كان الرومانسيّون في معظمهم متمردين، مثاليين، وكانوا صوفيين إلى حدّ ما. وقد رفعوا حياة الروح عالياً "الواقع العادي" وأعلنوا الفن وسيلة رئيسية لمعرفة "الحقائق العليا"، واعتبروا الشعراء رسل الإنسانية وقادتها. لقد بذلوا جهوداً مضنية من أجل تخليص الوعي البشري من براثن النظام البرجوازي الجديد وتأمليته للعالم. وليس ثمة من داع للقول إنهم أخفقوا في تحقيق ذلك. سيما وأن إنجازات الأيديولوجيا وعلم الجمال الرومانسيين كانت عظيمة وذات شأن.‏

ليس المكان هنا مناسباً لاستعراض تلك الإنجازات بالتفصيل، بل ولا حتى لتعدادها. وسنكتفي بالإشارة، على سبيل المثال، إلى واحدة منها فحواها أن الرومانسيين هم أصحاب شرف اكتشاف الإنسان (أي أعرافه وطباعه ووعيه وعاداته وسلوكه، بل ومصير كل فرد) بوصفه ثمرة التاريخ. ولم تكن تفصلهم إلاّ خطوة واحدة عن بلوغ الفهم القائل بأن المصير والوعي البشريين يتشكلان تحت تأثير البيئة الاجتماعية وحياة العصر الاقتصادية والاجتماعي والسياسية على اختلاف مستوياتها ، والحركات الأيديولوجية المزامنة لهما ...الخ. وحين تم القيام بهذه الخطوة غدت الرومانسية مرغمة على الانسحاب. لقد تبين أن المهمة الجديدة، أي مهمة البحث الفني في الوجود والوعي البشريين من خلال تفاعلها مع الواقع الاجتماعي، كانت تفوق مقدرة الرومانسيين.‏

وعندئذ كانت الفرصة قد سنحت للواقعية النقدية وحان وقتُها.‏

وظهرت في الساحة الأدبية الأوروبية والأمريكية، وفي أوقات مختلفة، كوكبة من المواهب الجبَّارة الرائعة "بفهمها العميق للعلاقات الواقعية"، بالمعنى الذي عبّر عنه ماركس، ومنهم بلزاك وستندال وميريميه وديكتر وثيكيري وش. برونتي وتوين وآخرون ممن كشفوا للعالم في كتبهم المعبِّرة والبليغة عدداً من الحقائق السياسية والاجتماعية يفوق ما كشفه جميع المحترفين من سياسيين وكتّاب اجتماعيين ووعَّاظ أخلاقيين معاً... فقد صور الأدب الواقعي جميع فئات البرجوازية؛ ولم يوقف عظماء الواقعيين أنفسهم على تصوير الأوساط البرجوازية وحدها، بل جعلوا مادة اهتمامهم وبحثهم الفني تشمل شتّى ف ئات المجتمع، بدءاً من الأرستقراطية العليا وحتى الفلاح والعامل والحرفي والبروليتاري الرثّ.‏

ولكن ماذا عن الرومانسيين؟ هل غادروا الميدان وطواهم النسيان حقاً؟ كلاّ، بالطبع، فاكتشافاتهم الفكرية والفنية والتقاليد الخصبة التي أرسوها بقيت حيَّة. ونستطيع أن نجدها، بالدرجة الأولى، ورغم ما في ذلك من مفارقة، في إبداع الواقعيين الذين بدأ كثيرون منهم طريقهم الإبداعي بوصفهم رومانسيين تحديداً. فقد استخدم هؤلاء الواقعيون، وعلى نطاق واسع، ما قدمته الحركة الرومانسية من إنجازات فكرية وفنية وراحوا يطورونه ويعمقونه ويدفعونه في اتجاه جديد. على أن سوسيولوجيا الواقعية النقدية برمتها، من حيث الجوهر، تنطلق من النظرية الرومانسية حول "الإنسان التاريخي".‏

وأكثر من ذلك، فإنّ اكتشافات الرومانسيين الفنية وما صقلوه من أساليب، بل وأسلوبية الرومانسية نفسها، إنما لاقت أصداءها المتعددة في علم الجمال لدى عظماء الواقعيين.‏

وليس عبثاً أن يتحدث الباحثون المعاصرون أكثر فأكثر عن "رومانسية" كلٍّ من ديكتر، وبلزاك، وفلوبير، والأخوات برونتي، وثاكري، وميريميه، وستندال...الخ.‏

لقد كان الموروث الرومانسي متيناً فاستمر يمارس تأثيره على التطور الأدبي في أوروبا وأمريكا حتى نهاية القرن التاسع عشر. بل وما زال ذلك الموروث فعَّالاً في عصرنا أيضاً، حيث أنّه يؤثر على منهجية أحدث الآداب. وليس من باب المصادفة أن يلجأ بعض علماء الأدب في دراستهم ظواهر معينة في أدب العشرينات والثلاثينات، إلى مصطلح "الواقعية الرومانسية" الذي خُيَّل أنه عديم المعنى.‏

فلكي نفهم الجدلية المميَّزة في تجليات الموروث الرومانسي في أدب النصف الثاني من القرن التاسع عشر، علينا أن نتصور طبيعة بعض تيارات العصر المنهجية والصراع الداخلي فيما بينها، ولو في خطوطها العريضة على الأقل. وتجدر الإشارة هنا إلى ما بين العلم والفلسفة والإبداع الفني من تأثير متبادل ومعقد يسفر أحياناً عن ظواهر مفاجئة، ولكنها برغم ذلك مهم ة في عملية التطور التاريخي الأدبي.‏

وهكذا، مثلاً أدى تأثير الفلسفة الوضعية والتقدم الواضح في العلوم الطبيعية إلى ظهور فكرة استخدام "المناهج العلمية" في الأدب ومعها فكرة تحويل الأدب إلى "أداة للمعرفة العلمية" باردة وحيادية. وكانت حماسة الفن الواقعي التي كانت تنصبّ على دراسة الواقع الاجتماعي والإنسان في المجتمع دراسة فنية، قد أثقلها الانشداد إلى تسجيل تفاصيل الملاحظات الإمبريقية وإلى تضخيم دور العوامل البيولوجية في السلوك البشري.‏

وأخذت مبادئ النمذجة الواقعية والتعميمات الفنية الكبرى تضعف وتذوب في دوَّامة التجارب الإمبريقية. كما شرع الأدب يكتسب طابعاً "علاجيَّاً طبيَّاً" إلى حدّ كبير.‏

وبدئ كذلك بتداول مصطلحات من قبيل "التجريبي" والعلمي"..الخ، في مجال بعض أجناس النثر الفني. وبكلمات أخرى، فقد كان يتشكل منهج جديد دخل تاريخ الفن تحت اسم المذهب الطبيعي NNTURALISM‏

وقبل أن يصبح المذهب الطبيعي نسقاً فنيَّاً مستقلاً بزمن طويل، كانت ثمة ردة فعل قوية في الأدب الأوروبي ضد النزعة "الطبيعية". وقد اتخذت ردة الفعل تلك في الأساس اتجاهين اثنين: الأوّل ضد نفعية الفن وتوظيفه لحل مسائل من اختصاص البيولوجيا والسوسيولوجيا والعلوم الأخرى، والثاني ضد الإمبريقية وإذابة الفكر الفني في تفاصيل الوجود البشري المعيشية والفيزيولوجية وغيرها. وقد نشأت على هذا الأساس حركات وتيارات جديدة في الفن والأدب كان أهمها المذهب الجالوي (مذهب الفن للفن)، المذهب الرمزي. وقد اعتمد كلا هذين المذهبين على الموروث الرومانسي الذي راحا يؤولانه كل على طريقته، وفقاً لما تمليه متطلباته الخاصة وأهدافه. فانطلق الجمالويّون من تصوراتهم الرومانسية حول أهم معاني الفن في حياة البشرية ومن عبادة الجمال الرومانسية، فصاغوا نظرية (الفن للفن) وطالبوا الفنان بالانقطاع عن الواقع الإمبريقي (بما في ذلك الواقع الاجتماعي) وبأن يعزل نفسه في "برج عاجي"؛ أما الرمزيون فقد رأوا في الإمبريقية تهديداً لقدرة الفن التعميمية والتفتوا إلى مجموعة الرموز الرومانسية فصاغوا في ضوئها نظريتهم الجمالية التي تقوم على الرمز (بتعدد معانيه وغموضه وإيحائيته) بوصفه الشكل الأسمى، والشكل الوحيد المقبول من بين أشكال التعميم الفني لوجود الإنسان وجوداً شخصياً واجتماعياً. ولقد كشف الموروث الفني عن نفسه بجلاء في بعضٍ آخر من الأنساق الفنية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مثل "ما قبل الرُّفائيلية" و "الرومانسية الجديدة" وما شابه ذلك، وهي أنساق مشبعة بالاحتجاج ضد "القيم" الراسخة في الأخلاق البرجوازية والفن البرجوازي.‏

كان التطور التاريخي الأدبي في القرن التاسع عشر يمثل عملية معقدة من التفاعل والصراع الداخلي والإثراء المتبادل بين جميع ما ذكرناه أعلاه (وكثير مما لم نذكره من حركات وتيارات واتجاهات.‏

وينبغي أن نضيف إلى ذلك أنه في أوقات احتدام التناقضات الاجتماعية السياسية والنزاعات الطبقية كانت تظهر في مختلف البلدان، وبصورة عفوية، تيارات أدبية ذات صبغة اجتماعية في الأغلب. وننسب إلى هذه التيارات، على سبيل المثال، الكتابة الاجتماعية والشعر الرا ديكاليين اللذين واكبا الكفاح من أجل تعديل الانتخابات في إنكلترا، وكذلك أدب الحركة التشارتية، والشعر الديمقراطي الثوري سنة 1848، والشعر والأدب الاجتماعي إبّان كومونة باريس، والشعر الاشتراكي الإنكليزي في ثمانينات القرن الماضي..الخ. وقد اعتمدت هذه التيارات اعتماداً كبيراً على الإنجازات الفنية والخبرة التي أسفرت عنها جميع الأساليب والمدارس المنهجية وليدة العصر. فكان تأثيرها الخاص على العملية الأدبية يغلب عليه الطابع الأيديولوجي. وبدهي أن ما زرعته هذه التيارات من بذور قد أعطى أُكُلَه حتى في مجال المنهج الفني، ولكن ليس فوراً، وليس إلا في القرن العشرين، حين بدأت تتشكل الواقعية الاشتراكية.‏

إن لوحة الحياة الجمالية والأدبية التي رسمناها هنا للقرن التاسع عشر، وعلى الرغم من كل ما يعتورها من تخطيطية وتبسيطية وفجاجة، تتيح لنا أن نستنتج أن تلك الحياة كانت مفعمة بالطاقة والحيوية والتناقضات الداخلية والصراع الضاري. فلم يسبق لعصر من العصور أن أعطى البشرية خلال زمن قصير نسبياً هذا العدد الوافر من العمالقة في ميدان الأدب، مثل: هوفمان، وهايني، وهوغ و، وبلزاك، وستندال، وفلوبير، وزولا، وبايرون، وشيلي، وديكنز، وثاكري، وسكوت، وادغار آلن بو، ومارك توين، وكثرة أخرى من الشعراء والكتّاب الأفذاذ الذين استقر إبداعهم في خزانة كنوز الأدب العالمي إلى الأبد.‏

ـ 5 ـ‏

إن جعل الفنانين أبطالاً في أعمال أدبية، والفن مادة للتعبير والتمحيص الفني، لهو أمر على قدر من الندرة طيلة قرون مديدة من تطور الفن الأوروبي، بحيث أن الوصول إلى أية خلاصات تعميمية في هذا المجال يبدو لنا مستحيلاً. وهناك استثناءات، برغم ما عليها من تحفظات، من بينها الشعر الغنائي الذي يتكون مضمونه من العالم الداخلي للشاعر، ومن أحاسيسه، وتأملاته، وعواطفه؛ وفن الصورة الذاتية (أوتوبورتريه) في الرسم، والسيرة الذاتية في الأدب، والمحاولات القليلة التي تعتمد الشكل الفني (الشعري أو النثري) لعرض بعض قواعد و "قوانين" الفن التي تعتبر "حقيقة" في مرحلة معينة من التطور الجمالي في المجتمع. وتتلخصّ التحفّظات التي أشرنا إليها أعلاه في أن صورة الفنان تُقدَّم لنا في مع ظم الحالات من جانبها الإنساني العام. أما الوعي الإبداعي، أي ما يجعل الشاعر شاعراً، والرّسَّام رسَّاماً، فيبقى خارج حدود التعبير. أمام يخص النظرية والممارسة الفنيتين، بوصفهما موضوعين للتفكير والتعبير في الأدب، فإنه لا يمكننا الحديث عنه بجدية إلا تطبيقاً على عصر التنوير والوقت الأكثر تأخراً عنه.‏

ويعطينا القرن التاسع عشر دفعة قوية إلى الأمام في هذا المجال. ذلك أنّ الأيديولوجيا الرومانسيَّة رسَّخت نظرة جديدة إلى معنى الفن وقيمته في حياة المجتمع. وإلى وظيفة الفنَّان الاجتماعية، فلم تعد حدود الفن تقف عند التمجيد الديني والفضائل المسيحية، وعند المواعظ الأخلاقية، وتعليم القارئ أو حتى تسليته على نحو ما كان معهوداً في العصور الخوالي. لقد أصبح الفن يعي نفسه بوصفه أهم مجالات الحياة الروحية لدى البشرية، وبوصفه نوعاً من النشاط القادر على تزويد الإنسان بنظرة جديدة إلى العالم وإلى نفسه بالذات، وإطلاعه على أسمى حقائق الوجود التي تعجز حيالها وسائل المعرفة الأخرى، وإماطة اللّثام له عن الصورة الحقيقية للوجود النموذجي وبذلك يساعد الفنُّ على إعادة ت كوين الإنسان والواقع.‏

لم يكتفِ الفنّ والفنانّ في هذه الظروف بمجرد اكتساب "وضعٍ" جديد، بل إنهما تحمَّلا أيضاً مسؤولية هائلة جعل إدراكُها من الفنان شخصيّةً مأساويّة على نحوٍ حتميّ تقريباً. والحال، فليس من العجيب أن نجد في الأدب الرومانسي أنّ الفنّ أصبح مادّة للبحث الفنّي، فيما أصبح الفنّان بطل ذلك الأدب.‏

وينطبق ما قلناه انطباقاً صحيحاً تماماً على القصص الرومانسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وإن كان التوكيد على أهمية المواضيع يختلف باختلاف الآداب القومية، طبعاً؛ بل إن معالجة المشكلة تتفاوت أيضاً، إذ تتمثل النماذج الكلاسيكية في القصص الرومانسية التي تدور حول الفن في الرومانسيين الألمان وفي طليعتهم إ.ت.أ. هوفمان، الذي كان أفضل استعداداً من غيره لاستيعاب وفهم الميل الرومانسي لتوحيد مختلف أنواع النشاط الفني في نظرية للفن عامة. فقد كان هوفمان رساماً وموسيقياً ومعمارياً، له مؤلفات موسيقية كثيرة (من بينها أوبرات) ورسوم ولوحات ونقوش جدارية. ويزخر نثر ه بمصطلحات وتوصيفات وتشبيهات تنتمي إلى ميادين الموسيقى والرسم والعمارة. فهو صاحب الفضل في التعامل مع هذه المصطلحات تعاملاً حراً دخل ميادين الاستعمال الأدبي على نطاق واسع، ولا يزال قائماً حتى الآن.‏

تمثل قصة هوفمان "كنيسة الجزويت"، بمعنى ما، نموذجاً كلاسيكياً للقصة الرومانسية. فهي مكتوبة بضمير المتكلم، وتحتوي على الموضوع المتوارث لدى الرومانسيين، ألا وهو موضوع المخطوطة التي تقع بين يدي المؤلف بقليل أو كثير من المصادفة؛ وفيها أيضاً موضوع السر الذي يبقى لغزاً حتى النهاية. وأخيراً يقع القارئ على قصة مأساوية عن حياة فنان...الخ. غير أن الحبكة والسرد والشخصيات ما هي إلا نوع من "البناء الفوقي" القائم على أساس تأملات حول الفن وأهدافه ومغزاه. ونلاحظ، في هذا الخصوص، أننا نقع على تأملات مماثلة في كثير من القصص الرومانسية. وهي تطالعنا عند هوفمان على نحو ما مألوف في الأدب، على شكل نقاش جمالي أو تصادم بين آراء مختلفة يضمنه المؤلف وجهة نظره على لسان أكثر الشخصيات غموضاً. أما موضوع التأملات فهو تفاعل الأفكار والتصورات والقناعات في فضاء محدود بمف اهيم "الطبيعة" و "المثل" و"الفن". ويقع في رأس هذا المثلث وعي الفنان وهو في تماس حيوي مع المقولات "الرفيعة" المذكورة. وتمتاز العلاقات المتبادلة التي يقيمها الفنان بين الطبيعة والمثال، والفن بدرجة عالية من التعقيد، سيَّما وأن أية واحدة من هذه المقولات لم تكن في نظر هوفمان وحيدة المعنى قط. هذه المشكلات الفلسفية الجمالية التي يحاول الكاتب حلها، شأنها شأن الطرق الفنية المستخدمة في "كنيسة الجزويت"، ليس من العسير أن نجدها كذلك في قصص كل من هـ. هايني ("ليالي فلورنسا")، و ت. شتورم ("الموسيقي الهادئ")، و ج.دي نرفال ("سوناتا الشيطان")، و أو. بلزاك ("التحف المجهولة")، و ن . هوثورن ("سيد الجمال")، و إ.بو("الصورة البيضوية")، وأ.دي موسين ("قصة الشحرور الأبيض")، و ت. غوتييه (دانييل جوفار").‏

بدهي أن بين هذه القصص التي ذكرناها أعلاه من عدم التشابه مقدار ما هناك من اختلاف بين مؤلفيها الذين تغذّوا، كما يقال، بعصارات ثقافات قومية مختلفة. فقد كان الكتاب الألمان يميلون إلى التجريدات، ذلك أن أكثر ما كان يشغلهم هو المشكلات الفلسفية الجمالية بوصفها كذلك . أما المادة الحياتية فكانت ضرورية لهم من أجل صوغ هذه المشكلات، أو بوصفها وسائل إيضاح. من هنا يجيء ما تحلت به الحبكات والصور من إجرائية معلومة كان القارئ ينظر إليها بوصفها "قواعد اللعبة"، وكانت تشكل عنصراً عضوياً في البناء الفني للقصة.‏

وكان الفرنسيون منغمسين بقضايا ملموسة في الصراع الأدبي، وبما يصيب الاتجاهات الأدبية من تبدل يجري تحت رعود المعارك الدائمة بين المجلات، بحيث أن عزلة الألمان الفلسفية بدت للفرنسيين في غير محلها. لقد كانوا يفكرون قبل كل شيء بالفن من خلال الأشكال والتجليات الملموسة التي كانوا هم أنفسهم شهوداً عليها (بل ومبدعيها إلى حدٍ ما). ذلك هو منبع السخرية الشريرة، والتهكم المسموم، والتلميحات الشفافة لدى كل من غوتيبه وموسيه. وحتى في قصة بلزاك "التحفة المجهولة" التي يطرح فيها أوسع المشكلات الفلسفية الجمالية، نجد تأملات وملاحظات حادّة الذكاء بصدد السجالات المعاصرة جداً آنذاك حول الرسم (على الرغم من أن الأحداث فيها تعود إلى ماضٍ بعيد كانت مثل هذه السجالات مستحيلة فيه). بينما نستطيع أن نلاحظ عند الأمريكيين الذين فنّهم القومي ما يزال في طور التشكل، فورة من الجمالويّة "العنيفة" التي ظهرت كردّة فعل عل ما تميزّت به أيديولوجيتهم القومية من نفعيّة وبراغماتية. فليس غريباً أن واقعة خلق التحفة والاقتراب من الجمال في إبداع المؤلفين الأمريكيين، واقعة هي بحد ذاتها أهم لدى الفنان من النتيجة الفنيَّة (كما عند هوثورن)، بل ومن الحياة البشرية التي تقدم قرباناً للفن (كما عند إدغار آلان بو)، في قصتيهما المذكرتين أعلاه.‏

غير أن ما أشرنا إليه من فروق لا يلغي القاسم المشترك الذي يكمن في أن جميع الرومانسيين كانوا مؤمنين بالفكرة القائلة بالأهمية العظيمة للفن في حياة البشرية، وبما للفنان من دور استثنائي في التقدم الاجتماعي.‏

بديهي أن الفنان يُمثل أمامنا في القصة الرومانسية بوصفه إنساناً غير عادي، تكون تطلعاته وأفكاره وآراؤه وأهدافه الحياتية أرفع من وعي الجماهير المبتذل، أو منقطعة عن ذلك الوعي على كل حال. ويكون مصيره البشري، في العادة، مأساوياً، لأنه لا يستطيع أن يخضع للـ"معيار" الأخلاقي من دون أن يهلك موهبته. غير أنه ينبغي التوكيد على أن جذور هذه المأساوية لم تكن في نظر الرومانسيين نابعة من النزاع بين الفنان والمجتمع بمقدار ما هي نابعة من صميم خصوصية الوعي الإبداعي الذي يجعل الفنان "متفرّداً" منعزلاً عن البشرية وغريباً عنها. لقد كان النزاع يحتل المقام الثاني ويعتبر تابعاً لخصائص الوعي. فليس من قبيل المصادفة أن الرومانسيين الألمان، بل وليس الألمان وحدهم، كانوا يختارون لمؤلفاتهم أبطالاً يمثلون فنانين وشعراء وموسيقيين عاشوا حقاً وذاع صيتهم بوصفهم "مجانين"، أو كان أولئك الرومانسيون يضفون على الشخصيات التي يبتكرونها سمات روحية تدعي "حساسية مرهفة" (عند هوفمان)، و "مرضاً روحياً (عند شتورم)، و"كبرياء مريضة"، وكان الناس المحيطون ينظرون إلى ذلك بوصفه "جنوناً".‏

ففي هذه السمات يكمن المنطلق الإبداعي ومصدر السعادة الأسمى لدى الفنان، وفيها أيضاً يكمن الشقاء الذي هو أساس مأساوية وجوده البشري.‏

لقد كان توجه الرومانسيين الفلسفي جلياً. إذ تنطوي قصص هم التي تعالج مشكلات الفن ومصائر الفنان على حضور دائم لمقولات الله والروح المطلق، والمنطلق الإبداعي الأسمى، والكائنات المتعالية، والمعرفة ما فوق التجريبية وما فوق الشعورية التي تتحقق بوساطة الحدس والخيال، و"روح الأشياء"...الخ، على أن نفحة الصوفية في إبداعهم أمر شرعي ومنطقي مثلما هي شرعية في مؤلفات كتاب القصة الذين جاؤوا بعدهم واعتمدوا على الموروث الرومانسي، أي لدى ما قبل الرفائيليين الإنكليز (د.غ. روستي)، والرمزيين الفرنسيين (م. شورب Schwob)، وعند أوائل الواقعين السيكولوجيين الأمريكيين (هـ . جيمس).‏

ولكن أياً كانت ضلالات الرومانسيين المثالية، فإن تناولهم الجديد لمشكلات الفن والإبداع كان دفعاً باتجاه انقلاب ثوري في علم الجمال، أما المعالجة الفنية لهذه المشكلات في ملاحمهم ورواياتهم وقصصهم فقد وهبت الإنسانية عدداً غير قليل من الدرر الباقية قيمتها مدى الدهر.‏

ـ 6 ـ‏

مع دنّو منتصف القرن التاسع عشر كانت الفكرة القائلة بأهمية دور الفنان في الحياة وبتطور الإنسانية التقدمي قد أصبحت تحصيل حاصل ولم تعد بحاجة إلى براهين.‏

فأخذ اهتمام الكتاب ينتقل إلى جوانب أخرى من المسألة، ولا سيما إلى النشاط العملي للفنان وموقعه في المجتمع.‏

إن كل اتجاه في الفن تثقله القوالب مع الزمن. وقد سبق لنا أن قلنا في هذه الدراسة إن الحبكات والشخصيات في القصص الرومانسية التي تتحدث عن الفن تتميز بطابع إجرائي معين كان عنصراً ضرورياً وعضوياً من عناصر المبدأ الفني العام. وقد كانت هذه الإجرائية بالذات تربة خصبة لظهور القوالب. فقد اقتحمت الأدب (ولا سيما أدب المجلات) حشود من عباقرة شباب ذوي جباه شاحبة ونظرة متنوعة وخطابات ملهمة، وكان هؤلاء يحتقرون الهموم اليومية والاكتفاء بإرضاء الحاجات الضرورية، ثم كانوا على نحو رفيع، بل وجميل بالدرجة الأولى، ينقطعون لوجه الفن في "سقيفات" ويتغذون ويموتون على نحو جميل كذلك، بمرض السلّ، فتبكيهم فتيات لا نظير لجمالهن.‏

وقد أعلن العصيان في وجه هذا الوباء الجديد كتَّاب جديّون كانوا ينتمون إلى مدارس واتجاهات تبين أنها لا تكتفي برفض القوالب الرومانسية الزائفة، بل وتتعدىّ ذلك إلى رفض مبدأ الإجرائية الرومانسية نفسه الذي أسفر عن تلك القوالب، وأولئك الكتّاب هم الواقعيون والطبيعيون في فرنسا، والحقائقيون Verista في إيطاليا، و"الرومانسيون الجدد"، وممثلو "أدب الأكواخ" في إنكلترا، والواقعيون النقديون، بل والرومانسيون المتأخرون (ملفل، مثلاً) في أمريكا. وقد كانت تبعات هذه العصيان كثيرة وجوهرية.‏

ونشير، بدءاً، إلى أن "الفنان" أو "المبدع" أو "العبقري" الذي يحتكر الهيمنة في الأعمال الأدبية التي موضوعها الفن، كان مرغماً على أن يتزحزح من مكانه، بل وأن يتنحى جانباً أحياناً، لكي يفسح المكان لخدم الإبداع "الثانويين"، فقد غدا يقف إلى جانبه "أناس الفن البسطاء"، من ممثلين وراقصين ومعلمي موسيقى ولا عبي سيرك..الخ،‏

أي أ ناساً عاديين ذوي مصير بشري عاديّ. ونحن نصادفهم في قصص كل من شانفلري ("شيين ـ كايو")، وكلاديل ("المصارع")، ومندس ("حياة وموت راقصة")، وفيرجا ("فنانون تعساء")، وديكنز ("قصة ممثل جوال")، وغيسنغ ("بيت من خيوط العنكبوت")، وكثيرين غيرهم. وعلى نحو ما، فإن في كل من هذه القصص "سقيفة"، أي ظروفاً مادية بائسة، وحياة منغَّصة، وفقراً وجوعاً وأمراضاً، غير أن هذه القصص لم تعد، هنا، تُقَدَّم "بَنفَسٍ" رفيع رومانسي زائف، بل بكامل صدقها الحياتي الواقعي تماماً، بل والطبيعي naturalistic في بعض الحالات.‏

لقد تغير أيضاً مبدأ تصوير شخصيَّة الفنّان وطبعه ووعيه. وشيئاً فشيئاً أخذت تُمحى وتذوب استثنائيته التي كانت ترفعه فوق البشر الغارقة في همومها المعيشيَّة. فلم يبق من تلك الاستثنائية إلا الموهبة والإخلاص للفن إخلاصاً يدفعه إلى التجلد أمام ضربات القدر وأعباء الوجود. وفي كل ما عدا ذلك غدا الفنان في القصة الأوروبية إنساناً عاديَّاً تماماً يتصف بكل ما للبشر من ميزات ونقائص وكبرياء ونذالة وشجاعة وجبن وذكاء وحمق وطيب وقسوة. لقد هبط عن قاعدة التمثال وأقام بين الناس.‏

كان اهتمام الكتاب في الأدب الرومانسي منصباً، كما رأينا، على الوعي الفنّي وعلى محاولة حلّ بعض المشكلات الفلسفية الجمالية التي ارتبط ظهورها بمفهومات مقولاتية مثل الطبيعة والمثال والفن. فبرز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر منعطف جديد في تطور الموضوع، واحتلت الصدارة جملةُ من القضايا التي تؤلف مجتمعةً ما يسمى بمشكلة "الفنان والمجتمع". وكان المقصود في هذه الحالة هو المجتمع لا بوصفه مقولة فلسفية سوسيولوجية مجردة، بل المجتمع بكل ملموسيته الاقتصادية والأيديولوجية والسيكولوجية المشروطة تاريخياً. إنه، بكلمات أخرى، المجتمع البرجوازي الأوروبي والأمريكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.‏

كان مبدأ الإجرائية الرومانسية آخذاً بفقدان قوتّه المثمرة. فلم يستطع البقاء بوجود النمذجة الواقعية (بل حتى والطبيعية) للشخصيات والظروف. فقد كان حتمياً أن يجيء إلى الأدب الذي يصف مصير الفنان، بطل جديد هو إنسان حيّ، ملموس، يعيش في ظروف اجتماعية محدّدة ونموذجيَّة. ولعل ّ في الإمكان كتابة بحث شيق في تصنيف صورة الفنان في الأدب الأوروبي إبَّان ذاك الزمان. ولكن من الواضح، حتى بدون تلك الدراسة، أن الغلبة في هذه الصورة ستكون لمأساويتها؛ إذ أن مأساوية مصير الفنان هي الموضوع الذي يخترق الأدب الأوروبي في القرن التاسع عشر ويوحّد جميع الاتجاهات والحركات والمدارس الأدبية، بدءاً من الرومانسية وحتى الرمزية. غير أن من الضرورة بمكان أن نؤكد على أن ما نعنيه من مأساوية في الأدب الواقعي لـه طبيعة أخرى تختلف عن تلك التي في الرومانسية.‏

لقد كفّ الفنان عن أن يكون مجرّد نبيّ، وكاشف حقائق، ومبدع مثال، وكاهن فنّ، ولم تعد وظيفته الآن تقتصر على "الإبداع"، بل أصبحت أيضاً تتجاوز ذلك إلى إيصال ما أبدعه هو (أو ما أبدعه غيره) إلى الجمهور. فلقد غدا الجمهور تحديداً هو الحكم والمقوم لجهود الفنان الإبداعية، وهو الذي يكافئه أو يحجب عنه المكافأة. إن النجاح لدى الجمهور هو الطريق إلى الادخار المادي والشهرة والتوفيق، فيما الإخفاق طريق قصير إلى النسيان والفقر والأمراض والموت. وهكذا يقع الفنان تحت تبعية المجتمع الثقيلة وما دام مرتبطاً بمجتمع برجوازي، فإن هذه التبعية تنقلب إلى منبع لمأساوية مصيره البشري. وبذلك تضيع حياته وقواه هباء في صراع عقيم ضد لا مبالاة "الجمهور المحترم" الذي يضع اهتمامه بنقوده فوق كل اعتبار. إنه صراع ضد الحمق الجمالي والأذواق التافهة والتقلبات المفاجئة للدرجة، وضد النقد العديم المبادئ والمتكسبين من الفن...الخ.‏

ويحاول المجتمع أن يفرض أذواقه عليه، فإن خضع لـه صار معبوده، وإلا فهو منبوذ.. ولما كانت الموهبة الأصلية (كبيرة كانت أو صغيرة) لا تساوم، فإنها تُترك في معظم الأحيان فريسة للإهمال، وسرعان ما تموت. وحده الإخلاص النزيه المتجرد للفن هو ما يدفع الفنّان إلى لبقاء صامداً على الطريق المختار.‏

من هنا ينبثق في قصة أواخر القرن التاسع عشر موضوع آخر هو موضوع "الجمهور" الذي يدفع الكاتب إلى دراسة "آلية الشهرة" دراسة فنية، وإلى استيضاح أسباب النجاح والإخفاق والاعتراف والإنكار، وغالباً ما تتخذ معالجة هذا الموضوع أشكالاً مهولة، لاذعة في نقدها، كما هي الحال، مثلاً عند فيلي يه دي ليل ـ آدان في قصة "آلة الشهرة"، وعند مارك توين في "أحيٌّ هو أم مات؟"، أو عند دوديه في "الكتاب الأخير".‏

وتحتل مكانة خاصة في هذا السياق قصة "شارلو دوبون" للكاتب الدانمركي هرمن بانغ الذي يصورّ لنا، وبأكثر أشكال التعبير حدّة، كيف يملي الجمهور البرجوازي رأيه ويطرح نظاماً أخلاقياً مميّزاً هدفه إرضاء الأذواق التافهة. إنه جمهور لا يتطلب قيماً فنية، بل هو يستهلك بدائل عن الفن زائفة. ذلك أن معيار القيمة الجمالية عند هذا الجمهور هو النجاح الذي يقاس بالمال. ومثل هذا الموقف ينطوي على خطر مأساوي بالنسبة للفنّ برمّته، إذ أنه ينتج جيشاً كاملاً من العمليين الذين ينطلقون في علاقتهم بالفن من النظر إليه بوصفه وسيلة للغنى. إن الفن يكفّ عن أن يكون فنّاً بين أيديهم.‏

فليس في قصة بانغ من فنّان ولا فنّ، إذا ما توخّينا الدقة. فهي لا تقدّم إلاّ عملييّن أحراراً وغير أحرار إزاء الفن، يفتقر أسلوبهم في الحياة وطريقة تفكيرهم افتقاراً كلياً للاهتمامات الفنية ويتركز هذا الأسل وب وتلك الطريق برمّتها على النجاح التجاري. إن قصة "شارلو دوبون" هي قصة إفساد نفس طفل صغير وقتل موهبته في سبيل دوافع جشع محض.‏

ويرسم لنا عدد كبير من قصص النصف الثاني من القرن التاسع عشر الصيغ الممكنة (والنموذجية تماماً) لمصير الفنان في المجتمع البرجوازي. فهي تتحدث عمَّا يمكن أن يقع في هذا العالم لموهوبٍ، سواء أكان شاعراً أو رسَّاماً أو ممثّلاً أو راقصاً...الخ، و كان الكتّاب بين الحين والحين لا يكتفون بتصوير "ما أمكن أن يكون"، فيشرعون بالحديث عما كان بالفعل، وعندئذ تظهر على صفحات مؤلفاتهم أسماء وشخصيات فنّانين عاشوا بالفعل، أمثال: ميسترال في قصة أ.دوديه "الشاعر ميسترال"، وفينيرون في قصة فالّلس "جنازة فقير"، وميلّلي في قصة مارك توين "أحيٌّ هو أم مات؟"، بينما تكتسب القصص نفسها طابع الدراسة.‏

إن تبعية الفنان المأساوية للمجتمع البرجوازي هي من أكثر المواضيع ثباتاً في القصص التي تتحدث عن الفن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولكن علينا أن نشير إلى أنه لم يكن الكتّاب جميعاً يكتفون بالتعبير عن هذه التبعية وبدراسة تأثيرها المدمِّر على مصير الفنان وموهبته. ونسرع إلى القول بأنه كانت تجري محاولات خجولة، بل ومخفقة، لإيجاد طرق للخلاص من هذه التبعية. فكان بعض الكتّاب يبحثون عن ملجأ لهم في فكرة "الفنّ للفنّ" القديمة التي غدا إفلاسها جليّاً تماماً في أواخر القرن. بينما اقترح آخرون (أمثال هـ. ملفل في قصة "عازف الكمان") صيغة مشابهة شعارها "الفنّ لنفسك"، وزعموا أن في وسعها أن تضمن للفنان سعادة كاملة. وناقش فريق ثالث (توماس مان في قصة "المهرّج") فكرة التخلّي عن استخدام القدرة الإبداعية عموماً.‏

ولكن الأدباء كانوا في كل مرّة، وعلى نحو مباشر أو غير مباشر، يثبتون فساد ما يقترحون من صيغ. ولنقل فوراً إن مشكلة تبعية الفنان بقيت بالنسبة للقرن التاسع عشر عصيّة على الحل.‏

إنّ نقل معظم الاهتمام إلى وضع الفنان في المجتمع وإلى مصيره لا يعني أن مشكلات الفن العامة قد اختفت كلياً من الثقافتين الأوروبية والأمريكية. فقد احتفظت تل ك المشكلات بأهميتها، ولكنها بالطبع غيّرت من ملامحها قليلاً، لأن طرحها وحلَّها كانا يقتفيان خطى تطور أفكار العصر الجمالية. فليس من العسير أن نكتشف في قصص النصف الثاني من القرن التاسع عشر أصداء ما كان يدور من صراع أدبي وسجالات بين الواقعيين والرومانسيين، وبين الطبيعيين والجمالويين...الخ.‏

وقد استمّرت قضايا العلاقة والتفاعل بين مختلف أنواع الفن تقلق الكتّاب، فراحوا يفكرون "بعدم كمال" الموسيقا والشعر اللذين لم يكونا قادرين على إيصال اللّون والأشكال المرنة إيصالاً مباشراً، وبعجز الرسم والنحت عن تجسيد امتداد الوجود في الزمّن، وكذلك بقصور جميع الفنون التَّشكيلية والأدب عن بلوغ ما للموسيقا من تأثير عاطفي جبّار. لقد كانت تترسّخ في وعيهم فكرة تركيب syntes الفنون. وبديهي أن هذه الفكرة بحدّ ذاتها لم تكن جديدة، بل كان يُنظر إليها الآن من منظور جديد يتناسب مع متطلبات العصر الجمالية الجديدة. ولم تفقد أهميتها حتى المشكلات "الأزلية" حول العلاقة بين النِّية الفنية وتجسيدها وبين الشكل والمضمون، بين المهارة والمنهج. ومع التطور الاجتماعي العاصف الذي عرفه ذلك العهد اكتسبت قضايا وظيفة الفن الاجتماعية حدّة خاصّة، وكانت تُطرح الآن بكل تحديد تطبيقاً على النزاعات الطبقية الفعلية، وعلى ظروف التقدّم التاريخي المحسوسة تماماً.‏

تظل القصَّة دائماً جنساً تجريبياً إلى حدّ ما. وهي، بحكم "صغر حجمها"، تمثّل حقلاً مريحاً لاختبار الأفكار الجديدة والمبادئ الفنية و "ترويضها" والتحقق من صلاحيتها.‏

ذلك هو وضع القضية في المدّة الأخيرة، على أي حال. إن مصير الفن ومصير الفنان، وهما موضوعان "تم اختبارهما" تجريبيّاً في قصص القرن التاسع عشر، أصبحا على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين ملكاً لنثر واسع الحدود. وقد دخلا، سواء كموضوعيين أساسيين أو ثانويين، في بناء الروايات والمسلسلات الروائية الملحمية التي خلفها كبار أعلام ذلك العصر. إذ لجأ إليهما إميل زولا وموباسان ووايلد وتوماس مان وهنريش مان ورومان رولان وجاك لندن ودرايزر وآخرون كثيرون. فهل يعني هذا أن الموضوعين المذكورين وما واكبهما من قضايا أمور اختفت من القصة وإلى الأبد؟ قطعاً لا.‏

إن القرن العشرين الذي انطلق بوتائر لم يسبق لها مثيل في مجالات التطور الاقتصادي والاجتماعي والروحي (بما في ذلك المجال الأدبي أيضاً) يطرح على البشرية مهمات جديدة يشارك في حلها كلٌُّ من الفنان والفن حتماً. إنهما يصطدمان بمشكلات جديدة لم يكن ممكناً أن تخطر على بال أحد في القرن السابق. ولكن ضرورة التجريب لا تتراجع إطلاقاً. بل هي، على العكس من ذلك، تزداد إلحاحاً بلا انقطاع. ويزداد كذلك عدد كتّاب القصّة المنغمسين بدراسة المشكلات المعنية دراسة فنيَّة.‏

***‏

هوامش:‏

1 ـ س. ماكولسكي. بوكاتشو. ـ في كتاب: تاريخ الأدب الغربي. بدايات القرون الوسطى المبكرة والنهضة. موسكو، 1947، ص 311.‏

2 ـ ليكترسكي. ف.أ. من الوضعي ة إلى الوضعية الجديدة. ـ في كتاب: الفلسفة البرجوازية في القرن العشرين. موسكو 1974، ص 108.‏

3 ـ المرجع السابق، ص 111.‏

4 ـ إننا لا نتفق اتفاقاً تاماً مع من ينسب ستيفنسن إلى "الرومانسية الجديدة"، وغيسنغ إلى "أدب الأكواخ". على أننا. هنا في هذه الحالة، نستخدم الخطاطة التاريخية الأدبية التقليدية، مدركين سلفاً ما يعتورها من نواقص.‏

 



***


°¤©][©¤°نقد المنظور اليهودي لتطور الشعر العربي الحديث تأليف: د. محمد نجيب التلاوي ـــ مراجعة: أ - °¤©][©¤°الرومانسيَّة والفنّ في قصَّة القرن (19) (أوروَّبا الغربيَّة وأمريكا) ـــ يو.ف . كَفَليو - °¤©][©¤°مستقبل.. الرواية العربية ـــ د.نضال الصالح°¤©][©¤°
أدباء وشعراء ومطبوعات|الأرشيف|الرئيسية


-----




****


--





palmoon tool bar
privacy policy