صفحة بال مون على الموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

-







واقع رعاية الموهوبين في المدرسة العربية....(مقال طويل ولكنه مفيد)
217




المنتدى | upload|books-computer games-software| Palmoon Market| games 217|الأرشيف|الرئيسية








واقع رعاية الموهوبين في المدرسة العربية....(مقال طويل ولكنه مفيد)



~~~ التقدم إلى الخلف!ّّ~~~ - واقع رعاية الموهوبين في المدرسة العربية....(مقال طويل ولكنه مفيد) - البحث الإعلامي وتحليل المعلومات، يلمع في وقت الصدأ
217|الأرشيف|الرئيسية



واقع رعاية الموهوبين في المدرسة العربية
أ. د. مبـارك ربيـع
أولا ـــ مقدمات :الموضوع والسياق
لاجدال في أن التقدم والتنمية المجتمعية عملية شاملة، سياسية اقتصادية اجتماعية، ومن ثم، فإن المدخل إليها لا يقف عند واحد من هذه دون غيره، إلا أن الضرورة العملية الميدانية حيناً، والمنهجية العلمية حيناً آخر، قد تستدعي التركيز على مدخل بعينه دون سواه، أو إعطاء الأهمية لعامل دون آخر؛ بينما العوامل والمداخل جميعاً ممكنة ومتكاملة متفاعلة.
وفي هذا السياق، يمكن التأكيد على أن المدخل التربوي يقف على قدم المساواة مع العوامل والمداخل الأخرى، إن لم يفقها ويتعدها في الجدارة والأسبقية؛ ويأتي ذلك من أهمية العامل البشري الذي هو عماد الفعل التربوي، ومن دوره في التنمية والتقدم، من جهة؛ ومن اعتبار ما يمثله نقيض هذا الفعل، من سلبية ضمن معادلة الثالوث التقليدي للتخلف المجتمعي، المتمثل في الفقر والجهل والمرض.
وإن المدخل التر بوي عندما يركز على العامل البشري في بناء المجتمع وصنع التقدم، إنما يركز عليه في محيطه الطبيعي، أسرته ومدرسته ومجتمعه، وهي كلها مؤسسات تربوية؛ وإذا كان تعقد الحياة وعوامل التطور المجتمعي أدت إلى اختصاص بعض هذه المؤسسات بالدور التربوي في مراحل معينة أو ظروف، فهذا لاينتقص من دور غيرها من المؤسسات؛ وأكثر من ذلك، فإن المؤسسة المدرسية وهي التي تختص بهذا الدور أوتكاد، إنما يتم تصورها في الفكر والواقع التربوي الحديث، على نمط من مجتمعها، بما تكتسيه من
طابع تنظيمي وعملي، على غرار ما يكون عليه المجتمع أو يتطلبه.لذلك فإن طرح المعضلة التعليمية في المجتمع العربي، على أي جانب من جوانبها، يمثل مناسبة أكيدة، لتعديل منظورنا إلى مؤهلات الإقلاع التنموي المنشود؛ وعندما يختص هذا الطرح بجانب تفصيلي ودقيق في القطاع التربوي، كما هو الحال في موضوعنا المتعلق برعاية الموهوبين، فالمؤشر واضح على أننا خرجنا من مستوى تلمس المسائل العامة، لنخوض في عمق الأشياء، ولنضع دقائق المشكلات تحت مجهر الكشف والاكتشاف.
ومن الواضح أن صيغة الطرح في عنوانها الكبير، تستوحي من طابع العصر فيما يتسم به من عولمة، وهي الظاهرة الاقتصادية بالأساس، قبل أن تع م لتشمل كل مرافق الحياة والعلاقات؛ فمنطق السوق المتحكم يقتضي معجمه المركيتيني الخاص، ويتطلب على الخصوص، أن كل شئ يحتمل، ويجب أن يحتمل العرض على شكل بضاعة ومنتوج للتسويق، يتساوق مع (يافتة) " تربية الموهوبين خيار المنافسة الأفضل"؛ وهو بعد ذلك وقبله، يستدعي أن خير ما تسبقنا به الأمم المتقدمة، هو نخبة المخترعين والمكتشفين والمغامرين بالفرضية الفكرية والسلوك، في مختلف الأعماق والأجواز، وعلى نحو تنافسي(طبيعي) أو تسابقي بالأحرى، فيما بين الأمم والأشخاص، وذلك دوننا نحن بالذات؛ لنبقى مجرد متابعين في أحسن الظروف، متفرجين ومعجبين، مصفقين ومستهلكين.
الموهوبون إذن رهان مشروع أومشروع رهان، بالنسبة لمجتمع يود أن يقطع المسافات مضاعفة، ليحقق اللحاق بالركب أو المداناة على الأقل؛ ففي حال توافر "بضاعة الموهوبين" وهو أمر واقع بلا شك، مهما كانت القلة أوحتى الندرة، فإن رافعة التقدم تأخذ موقعها، لتمارس وظيفتها في قطر المجتمع والارتقاء به في كليته؛ مهما تطلبت خطوة الإقلاع الأولى من جهد، إذ بمجرد نأمة التحرك الأولى، يخف الوزن والتثاقل رويداً رويداً، حتى تتخذ الحركة إيقاعها المطلوب.بيد أن من الضروري التأكيد،على أن هذا التصور لقاطرة الموهوبين المقلعة بمجتمعها ولصالح مجتمعها على نحو ما وصف، لا تعني أن البقية وهي الأكثرية من سوى الموهوبين،
ممن هم ضمن المتقدمين والمتوسطين والعاديين، أو حتى من هم أقل من ذلك، قد طالهم الإهمال والتهميش، بل إن الوقوف عند عتبة الموهوبين، يعني ضمناً وعملياً أن غيرهم( حتى لا نقول من هم دونهم )، هم بالذات في مواقع الأمن والأمان، وعلى أليات التأهيل ضمن اشتغال المنظومة التربية العادية، والتي هي مفرزة التميزات والمواهب؛ وذلك ما يعني أيضاً، أن عتبة رعاية المواهب، هي من منظور ما، آخر ما يمكن أن تنتجه المنظومة التربوية في اشتغالها الطبيعي والعادي، وليس أول ما تبدأ به.و يبدو أن تصور رعاية الموهوبين على نحو من هذه العتبة من مستويات اشتغال المنظومة، هو ما يمكن مبدئياً على الأقل، أن يجعلنا في مستوى يؤهل للنقاش والحوار، حول العديد من أسئلة الحرج والإحراج المرتبطة بهذا النوع من التوجه، سواء كان عملياً أم نظرياً؛ والتي لايحول شئ مهما كان دون مواجهتها، وهو ما نعمل على تحقيقه بالقدر المستطاع. (1)
ثانياً ـــ تحديد المفاهيم :
من الضروري أن نقدم في بداية الموضوع تحديداً للمفاهيم الأساسية، وفي طليعتها: ـــ الموهبة (والمو هوبون): تستعمل عبارة الموهبة مقابل Talent ؛ وGiftedness (الموهوبية) ويقصد بها " مستوى عال من القدرة الفطرية في
مجال معين مثل الموسيقى والذي يمكن أن يثرى بالتدريب والممارسة إلى مستوى أعلى من الإتقان والمهارة "؛ وترد أيضاً بمعنى "ألمعية"(2)؛ كما ترد الموهبة بالإضافة إلى ذلك، بمعني نبوغ (3) ؛ وترد أيضاً مقابل مفهوم Don بالمعنى نفسه في الفرنسي، وهو ما يحيل إلى اللفظ الألماني Begabung ويبقى في الآن نفسه الأقرب إليه في المعنى، إذ ليس لهذا اللفظ الألماني معادل فرنسي مضبوط (4)، وهو يعني خاصية ما يتصف به الموهوب، سواء من حيث الذكاء بصفة عامة، أو باعتباره قدرة Capacité خاصة ومحددة، فيقال مثلا عن شخص إنه موهوب في اللغات (5) أو الرياضيات وغيرها.ويمكن أن نصل إلى الخلاصة التالية:
ـــ اقتران الموهبة بالتميز والامتيازالإيجابي، في العمليات العقلية عموماً (قدرات عامة) مع التخصص ( قدرات خاصة)؛ مما يجعلها مرتبطة بمفهوم الذكاء .ـــ وغم ورود عبارة "الفطرة" في بعض تعاريف الموهبة ( بالعربية خصوصاً)، فيجب اعتبار التفاصيل المرتبطة بذلك، والتي تركز على دور الممارسة والتمرين، بما يعني أن ورود تلك العبارة، لا يقصد به أن الموهبة ت ولد كاملة، وتترعرع من ذاتها؛ وهو ما يؤول إلى المعطيات السيكلوجية، التي تعتبر أن ما يولد مع الكائن البشري في الحالات السوية،
يمثل مجرد استعدادات عامة، أي تفتحاً وقابلية لانهائية للتعلم.ــــ المدرسة العربية: نقف عند تعريف عملي إجرائي، مؤداه أنها المؤسسة التعليمية المنتسبة للوطن العربي (الوطنية)، والموجودة أساساً في المنطقة الجغرافية العربية، والقائمة مبدئياً على اللغة العربية؛ وتطرح بهذا الصدد بعض التوضيحات، منها احتمال وجود هذه المدرسة خارج المنطقة العربية والعكس، على غرار مدارس البعثات الثقافية والدبلوماسية في الخارج؛ كما أن اللغة العربية، وإن كانت مقوماً أساسياً، فهذا لا يمنع من أن الواقع يعرض وجود ازدواجية أو تعددية لغوية بالمدرسة العربية، تبعاً لظروف وخصوصيات ما، لاداعي لعرضها هنا؛ علاوة على أن المدارس الخصوصية، تدخل في إطار المدرسة العربية الوطنية، إذا اعتمدت المناهج الوطنية أي الحكومية، ونظام شهاداتها؛ ويمكن تعميق التحليل في أبعاد هذه المؤسسة في مجال لاحق. ــــ رعاية الموهوبين: يقصد بها أخذ هذه الفئة في الاعتبار، من حيث تميزها وتفوقها؛ فيفرد لها برنامج خاص، بمتطلباته ولوازمه، سواء تم ذلك جزئياً أو ك لياً، بعزل وإفراد تام، أو باختلاط جزئي أو كلي كذلك.
ثالثاً: الموهبة والذكاء لم تفرد للموهبة (الموهوبية) دراسات وأبحاث، باعتبارها باباً للسيكلوجيا العقلية، إلا ما هو من قبيل دراسات الحالة في الغالب، بينما حظي الذكاء وما يزال، بموقع مركزي في هذا الصدد؛ ومهما يكن المدخل لدراسة الموهبة، ومهما تكن التمايزات بينها وبين الذكاء، فهي وثيقة الارتباط به، وتتضح وتتميز بالقياس إليه والمقارنة مع درجاته.والذكاء على العموم، يمثل جملة وظائف تشمل كل ما يتعلق بالنشاط الذهني؛ ويتمثل من خلال متابعة مراحل النمو، كما باستعمال مقاييس الذكاء في الدرجة على سلم الاختبار ( الرائز Test )؛ ويقصد بالذكاء العام، العامل المشترك في جميع العمليات الذهنية(العامل العام أو ج G) عند سبيرمان؛ و هو ما يمثل عند المقارنة ويتميز، مقابل ما هو غرزي أو فطري، وما هو مكتسب بنحو آلي أيضاً؛ كما يعني الذكاء القدرة على حل المشكلات، وابتكار الحلول لما يعرض من مواقف مستجدة، ومن ثم فهو قدرة معقدة، ترتبط أساساً بما هو استعدادات أولية (وراثية). (6) أ ــ دراسات الذكاء :لا يمكن حصر دراسات الذكاء، بيد أن من الممكن تصنيف أهمها من وجهة نظر معينة، اعتماداً على ملامحها العامة،على النحو التالي: ــ دراسات ذات ملمح تطوري:
تعتبر مكونات الذكاء، وبخاصة ما يرتبط بما هو فطري وراثي، من جهة؛ وما هو مكتسب بنحو غير آلي، من جهة ثانية؛ أهم حافز ومدار للعديد من الأبحاث والدراسات التجريبية، في مختلف المراكز والمعاهد المختصة في جميع أنحاء العالم؛ والمتمركزة بالخصوص على ما يعود إلى الطبيعة (Nature)، وما يعود إلى البيئة والتنشئة (Nurture).
وتعتبر أعمال(Francis Galton) مفتاح الأبحاث الهادفة إلى التعرف على مكونات الذكاء، وبخاصة االعامل الوراثي؛ فقد اتجه هذا العالم إلى تأسيس علم سماه "Eugenneia"، وهو يبحث في القوانين العامة للكائنات العضوية، وليس الكائن الإنساني فحسب (7)، مستعملا في ذلك الطرق الإحصائية، معتمداً على عينات من بينها دراسة على 1000 من مشاهير بريطانيا، نهج فيها طرقاً (استقرائية) إحصائية، متتبعاً شجرة العائلة، باتجاه إثبات العامل الوراثي؛ وما تزال أعماله ذات أثر إلى اليوم في
هذا المجال، وخاصة في منهجيته الفارقية القائمة على القياس الزمني، والأنتروبومتري، والارتباطات في مجال الفعاليات (abilities)الذهنية (8).ولئن تعرض هذا الاتجاه لانتقادات شديدة من أنصار الوسط الاجتماعي، فإ ن الأبحاث في هذا الميدان ما فتئت تتراكم وتتكامل، ويعتبر ( فيشر) من أهم عناصر هذا التوجه، وبخاصة في اشتغاله على قوانين مندل من جهة؛ و من أجل إعطاء تحديد أكثر علمية لنظرية جالتون من جهة ثانية.أما (Pearson) والذي يرى أن تاريخ الإنسان وتطور المجتمع، هو تطور العلم والتفكير العلمي؛ فهو يؤكد في تشاؤمية واضحة، أن فرضية فيشر لا تمثل بالنسبة إليه، إلا واحدة من العديد من الفرضيات أو وجهات النظر، في هذا الموضوع، وهي مثل غيرها، تظل قائمة في حدود ما ترسمه وتحققه من نتائج. (9) ومن الواضح أن سمة النظرية التطورية واضحة في هذه الاتجاهات؛ ولا حاجة إلى الخوض في مناقشتها ومقارنتها، مع اتجاهات أخرى أدق أو أحدث.
دراسات ذات ملمح ثقافي اجتماعي :ودون العودة للبحث في الأصول البعيدة لهذا الاتجاه، يمكن اعتبار بداية طرفه الأبرز ممثلة في المدرسة السلوكية الكلاسيكية (الوطسونية)، في ثورتها لإثبات علمية السيكلوجيا، وبحتميتها المطلقة، وانغلاقها في الرجوع بكل شئ إلى الإشراط بمفهومه الضيق؛ وبالتالي حصر كل شئ في السلوك الآلي، ما بين فعل ورد الفعل (الإشراط)؛ علاوة من جهة
أخرى، على ما أدخلته السلوكية المحدثة من منظور "أداتي Instrumental " ت جريبي متفتح، مع سكنر بالذات؛ إذ في اعتباره أن الإنسان هو من صنع بيئته، بتقليصها إلى أقصى حد يجعله قادراً على تحقيق أقصى مردودية لصالحه ورفاهيته، عن طريق أنظمة سياسية واقتصادية ودينية وعلاجية نفسية؛ وأكثر من ذلك، أنه انخرط بقوة لتحقيق جزء هام من إمكاناته الجينية. (10)
كما يتمثل هذا الاتجاه بوضوح أكثر، مع الثقافيين الفرويديين، في تجاوزهم لمنظور الفردية الذاتية، والرؤية العيادية التقليدية للتحليل النفسي، والتي تبدو بها الذات معزولة عن التفاعل، بل وعن الفعل في محيطها، الذي هو مجال تبادلها اليومي؛ وإرجاع الأهمية إلى العوامل الثقافية. (11)دراسات ذات ملمح قياسي:يمكن القول إن هذا الاتجاه في نظرته إلى الإنسان، يتعامل مع الذكاء باعتباره ظاهرة موجودة، تتطلب التحديد والوصف والقياس، بغض النظر عن طبيعتها؛ وبالتالي فهو اتجاه يتبلور على الخصوص، في إيجاد التقنيات المساعدة في هذا السبيل، كالحال في التقنيات القياسية السائدة في كافة المجالات العلمية الأخرى؛ وبطبيعة الحال فإن مثل هذه التقنيات، تحتمل ما يحتمله غيرها من قيمة اصطلاحية، إلا أن ذلك لايقلل من وظيفيتها.
ويعتبر بيني وسيمون Alfred Binet & Théophile Simon ممن حققوا أهم إنجاز عملي تقني، بابتكار مقياس الذكاء المعروف لتمييز المتفوقين، وهو ما سيتطور على نطاق عالمي، وتتعدد صوره المتكيفة مع بيئات ثقافية مختلفة، مثل: ستانفورد بيني؛ وهذا ما يتوازى مع إنجاز آخر، لوجه بارز في مجال القياس النفسي، وهوEdward Spearment الذي طور طريقة التحليل العامليFactor Analysis . (12) دراسات ذات ملمح مقارن:وتمثله على وجه الخصوص، الدراسات والأبحاث العديدة المركزة على عينات من التوائم المتطابقة، باعتبارها تقدم متغيراً طبيعياً وعاملا ثابتاً، يمكن بالقياس إليه والمقارنة معه،
التعرف على أثر الوسط الاجتماعي، بتعريض هذه العينة المتطابقة إلى ظروف مختلفة، في التنشئة منذ باكر طفولتها(ستة شهور).
ورغم كافة الاحتياطات المنهجية والمعطيات المترتبة عن ذلك، فإن البعض لا يتردد في انتقادهذا التوجه بشدة، بل ويعتبره أسطورة (13)؛ ومثل هذه الانتقادات لا تكاد تسلم منها أية مرحلة من مراحل البحث في هذا الاتجاه، سواء في اختيار العينات أو في تقنين الاختبارات؛ علاوة على ما أثير من ضجة، قامت بصدد بعض الدراسات أو أهمها، متهمة (Burt) بأنه افتعل نتائج هذه الأبحاث، إذ لم توجد أية أصول أو مرجعية في أرشيف هذا الباحث، سواء م نها أبحاثه التي سبقت 1940، والتي ربما تكون ظروف الحرب
العالمية قد جاءت عليها، أو التي أجريت بعد هذا التاريخ؛ رغم أن ما يسوقه من براهين يبقى جديراً بالتقدير.(14)
وتأتي الدراسات والأبحاث المستعيضة عن التوائم المتطابقة، باعتبارها لا تمثل إلا حالات استثنائية، ممثلة في أبحاث "مدرسة شيكاغو"، كما هي لدى مجموعة Freemen, Olzinger, Mitchell, في اعتمادها على حالات التبني الخاضعة للمنهجية العلمية، وبالتعامل مع عينات من أطفال منذ الستة أشهر الأولى من أعمارهم، بوضعهم في أوساط اجتماعية مختلفة، وقياس الفروق الدالة في درجة الذكاء، بالمقارنات المختلفة بينهم، واستخلاص الارتباط في درجات ذكاء مع أوساطهم
الاجتماعية، ومع مراحل أعمارهم؛ ومثل هذه النتائج بدورها لم تسلم من الانتقادات الشديدة، من قبيل ما وجههMc. Nemar ومؤداه أن لا الآباء البيولوجيون أقل مستوى في الذكاء، ولا الأطفال في أوساط اجتماعية معينة، أصبحوا أعلى مستوى. (15)
ورغم الانتقادات والانتقادات المضادة، بالنسبة للطرفين الأقصيين في الوضوع، وهما الوارثة والبيئة (الوسط الاجتماعي) في دراسات التوائم المتطابقة كما في حالات التبني؛ فإن الهندسة الوراثية، وما تحققه يوماً عن يوم في مجال الاستنساخ، وما يرتبط بذلك من أبحاث التخليق الجيني؛ كلها تعبر عن طرح جديد ومختبري تجريبي لقضية الوراثة، وبالتالي فالطرج جدي، بعيد كل البعد عن الرمي الغيبي التقليدي بوراثة هلامية أو تصورية، مما يجعل الموقف الوراثي على أرض علمية صلبة؛ بيد أن المقابل المتبقي هو الموقف التربوي
المجتمعي، وهو أيضاً قائم تجريبياً وعملياً، على أرض الواقع وعبر مؤسساته الفاعلة.ويمكن الإشارة بهذا الصدد إلى موقف التحليل النفسي، الفرويدي منه وغير الفرويدي، باعتباره محاولة أولى في مجال من مجالات علم النفس الذي يقدم (أو يحاول) صورة
كلية عن الإنسان، غير تجزيئية، وبخاصة في تفسير الإبداع سواء من منظور "الإعلاء" كما عند فرويد، أو مركب النقص عند أدلر، أو الضمير الجمعي لدى يونج؛ فهذه كلها في العمق تمثل رؤية ثقافية مجتمعية غالبة أو متفاعلة مع الغرزي، حسب مفهوم الـ " هو "؛ ولا يمنع هذا بطبيعة الحال، من التأكيد على أن الموهبة ليست مقترنة بالشذوذ، وهو الانتقاد الموجه إلى الفرويدية من داخل الدائرة نفسها، وهو أيضاً ما يعمق مفهوم العصاب بأبعاده الدينامية.ب ــ، خلاصة:
من هنا يبدو مفهوم الموهبة في ارتباط وثيق بمفهوم التفو ق بكافة مظاهره ومسمياته، يختلف باختلاف الرؤى والثقافات والمناهج والزمان والمكان، مما يجعله نسبياً سواء من منظور التقدم والتطور الذي يتضمنه مفهوم الموهبة بالضرورة، أو من منظور الفرادة والتبريز الذي تتضمنه العبقرية والتميز، وكذا مظاهر التفكير الابتكاري؛ لذلك يبقى كل تحديد نسبياً، بل وإجرائياً على الخصوص، وهو ما يجعلنا نأخذ بأهم جوانب التعريفات المقترحة كالتالي:يعتبر موهوباً من أبدى مظاهر التفوق في كافة مجالات الاهتمام المقبولة اجتماعياً والمناسبة لمستواه ولمجموعة أقرانه، أو برّز في بعضها بتميز واضح وبإجماع.ويمكن محاولة التحديد الإجرائي لما يتضمنه هذا التعريف على النحو التالي:ـــ مظاهر التفوق في شتى المجالات، مما يعني قدرة عقلية فوق المتوسط.
ـــ مظاهرالقدرة العقلية العامة، وتتصل بمعدل الذكاء العام.ـــ مظاهر القدرات العقلية الخاصة، وتتمثل في التميز في مجال معين، كالرياضيات أو اللغويات أو الفنون أو غيرها من المجالات؛ ويمكن إضافة مظاهر أخرى تواصلية وقيادية وإبداعية.
ج ـــ توضيحات :ولا يعفينا التكثيف المقصود في هذا التعريف من بعض التوضيح المتمثل فيما يلي:
ـــ ارتباط الموهبة بالتفوق، لا يجعل التفوق معادلا لها؛ باعتبار هذا الأخير، قد يقف عند حدود التحصيل الدراسي.
ـــ الموهبة تتعدى التفوق في مظاهر الابتكارية، سواء منها الإبداعية أو المتمثلة في اكتشاف الحلول إزاء المشكلات المطروحة والمستجدة، بنجاعة وسرعة.ـــ تفرد الموهبة بمجال بعينه دون غيره أو مجالات محددة، بما يجعلها من هذا المنظور مختلفة عن التفوق.ـــ علاقة الوظيفة الموهبية بالجماعة والمجتمع، فهي نسبية باعتبار أنها لاتبرز إلا بالمقارنة مع مجموعة الرفاق والأقران ( أو المعايير) من جهة؛ كما أنها يجب أن تكتسي مظهراً وأداء مما هو موضع قبول من مجتمعها؛ وهذا يجعل من المتعذر مبدئياً الحكم بموهوبية ما، دون مقارنة (أو معايير)، كما يجعل بعض مظاهر التفوق وحتى الموهبة في نماذجها الانحرافية، خارج الميدان من جهة أخرى.
ـــ قد يميل الموهوبون في بعض المجالات كالآداب والفنون، إلى تسجيل درجات متدنية (أقل من عادية) في معامل الذكاء، في مجالات أخرى.ـــ لا مانع من أن تقترن مظاهر الموهبة، بمظاهر عدم التفوق أو التأخر التحصيلي وغيره من متطلبات التكوين والدراسة العادية للعاديين؛ ولا تتوزع الموهبة عبر مجالات مختلفة بالتساوي، فالفرد الموهوب في حلول المشاكل المنطقية، قد يكون مصححاً سيئاً للأخطاء الإملائية، أي بالتالي ضعيفاً في بعض مظاهر القدرات اللغوية؛ أوقد يكون في مستوى جيد
في القراءة والكتابة، لكنه عكس ذلك في الرياضيات؛ وتحضر بهذا الخصوص نماذج معروفة، لكبار الموهوبين في مجالات العلوم والفنون، أمثال أينشتاين ونيوتن ممن أبدوا تأخراً دراسياً ملحوظاً، بل إن منهم من أظهر من بطء التعلم، ما أدى إلى الحكم عليه بالتبلد؛ وهو ما تؤكده الدراسات، من أن ارتفاع كافة القدرات العقلية لدى الموهوب، يعتبر استثناء كالحال مع ليوناردو دافنشي وابن سينا على سبيل المثال، أما القاعدة فهي في عكس ذلك، إي قدرات إبداعية مرتفعة وأخرى منحفضة.(16)
ـــ يمكن للموهبة أن تبرز في أية مرحلة من العمر، بفعل ظروف ومثيرات مما يتعين معه الرصد الدائم والكشف؛ إذ أن عدداً من كبار الكتاب، لم تظهر عبقريتهم الأدبية إلا في مراحل متأخرة من حياتهم؛ علماً بأن الراشدين الموهوبين نادراً ما يكتشفون كفئة متميزة ذات قدرات خاصة (موهوبون).ــ إن الأداء الإبداعي للموهوب، لا يرتبط ضرورة بتراكم المعلومات، بل قد يتناقض معها، ومن ذلك مثال باستور الذي أثبت جدارته في البحث والاكتشاف، لكنه أظهر معلومات بدائية بدودة القز، عندما أجرى معه بعض الخ براء مقابلة في هذا الشأن. (17) رابعاً: خصائص الموهبة : لا يمكن تجاهل الخلافات والاختلافات العيددة المحيطة بدلالة الموهبة (الموهوبية) Giftedness، في مظاهرها والوسائل والمؤشرات الدالة عليها، وهي تتراوح ما بين البعدين الكمي والكيفي؛ فمن الباحثين من يعتمد القياس، ويرى الموهبة ذات طابع كمي فارقي تحدد على أساس معامل الذكاء؛ ومنهم من يراها من منظور كيفي، باعتبارها في العمق طريقة تجربة مختلفة، خاصة بالفرد الموهوب، وطريقة في إدراك العالم والوجود، وما يعرض من مواقف ومشكلات.
والواقع أن جزءاً من هذه الاختلافات، يعود عملياً إلى الموضوع ذاته، وهو ما يتمثل في تجليات الموهبة في الأفراد، إذ يعرض الموهوبون مظاهر متنوعة وعديدة قي تناول الموضوعات والسلوك والعادات الفكرية، وهي مظاهر غير ثابتة بالضرورة، ولا تختص بمرحلة بعينها من مراحل الموهوبين، سواء أثناء النمو أو في الرشد. أما علاقة الموهبة أو الابتكارية عموماً بالواقع، وبخاصة من حيث ما يتبادر للذهن من حيث الانعكاس لأحدهما على/ في الآخر، أو على نحو تبادلي بينهما بكيفية ما، فالمسألة تبدو على جانب من التعقيد؛ إذ يظهر تاريخ الفن من جهة، وكذا الدراسات الميدانية التتبعية للرسوم ل دى الأطفال من جهة أخرى، أن الواقع لا يمثل إلا نصيباً محدوداً لدى هؤلاء المبدعين في أعمالهم، بالنسبة لما هو واقع ومدرك؛ أما ما يعرض في إبداعاتهم فهو مكيف مع أهدافهم وتصوراتهم النوعية الخاصة، (18)ويمكن الإشارة إلى بعض سمات الموهبة، علماً بأن ذلك لا يقصد به الحصر، كما لا يعني أن هذه الخصائص والسمات متلازمة في الزمان أو المكان، وإنما هي جماع ملاحظات متفرقة من خلال حالات اعتبرت موهوبة في مجال ما.
أ ـــ خصائص تعلمية وسلوكية ومنها ما يتعلق بعملية التعلم كماً وكيفاً؛ فمن حيث الكم يبدو الموهوب متميزاً على مستوى زمن التعلم والتكرار، حيث يتسم الموهوب بالقابلية القوية الطوعية للتعلم في زمن أقصر وبمجهود أقل؛ أما من حيث الكيف فهو أقدر، وبفارق الدلالة بالنسبة لغيره على أداء نوعي في التعلم، يتسم بالعمق والسعة في الإدراك، وفي اعتماد الاستدلال المنطقي والتجريبي في
معالجة المعضلات الأدق والأصعب، في مجال أو مجالات متعددة. وتتميز الموهبة بطابعها الابتكاري والإبداعي مع سمة تطلعية استكشافية، سواء في مواجهة المشكلات بالحلول المبتكرة أو في خلق الصور والفرضيات؛ كما تمثل الموهبة في المستوى اللغوي وهو الأكثر حضوراً وبروزاً في مر احل الطفولة الأولى، ويستمر في بقية المراحل، ويتجلى في سعة المعجم اللغوي بالمقارتة مع الأقران والمماثلين.ويمكن أن يتجلى السلوك التعلمي للموهوبين، بنوع من عدم الانسياق مع المجموع ونظام السير العام، مما قد يتبلور في مظاهر الشرود وعدم الانتباه، أوعدم اللاهتمام وعدم المشاركة في العملية التعلمية التعليمية.
وقد ألفنا في مدارسنا وتعليمنا التقليدي أن نحتفي بمظاهر الذاكرة القوية في التعلم ونعتبرها دلالة ومظهراً على الموهبة و النبوغ؛ والأمر كذلك بالفعل، إذ أن استيعاب المناهج بمنتهى الجودة والسرعة علامة إيجابية دالة في هذا الشأن؛ إلا أن هذا ليس المؤشر الوحيد على الموهبة، أو على الأصح أن التربية التقليدية تخطئ جوهرياً عندما تحصر الموهبة في القدرة التذكرية وحدها، كما تحصر العملية التعلمية في ما يقوي هذا الجانب وحده.ب ـــ خصائص اجتماعيةانفعالية:يتسم الموهوبون بالسعي والمثابرة لتحقيق الكمال في الأداء ونهج الطرق المبتكرة ووسائل العمل الملائمة؛ ويرتبط ذلك، بما يبدو عليهم من حساسية نشيطة (سلباً وإيجاياً حسب المنظور)، وقد يفسر ذلك بقوة وسرعة إدراكهم للمواقف وكذا الردود النوعية الصادرة عنهم إزاءها. و يبدو على الموهوبين بصفة عامة الميل إلى العزلة، وهذا ليس ناتجاً بالضرورة عن الموهبة في ذاتها، بقدر ما هو راجع إلى الوسط الاجتماعي الذي لا يتلاءم في استجابته،
وبطبيعة مكوناته ووظائفه، مع متطابات الموهبة في والموهوب .(19)وغالباً ما تعرض المظاهر السابقة مصحوبة بعوارض الخجل والقلق وظواهرالهبوط النفسي؛ وتندرج جل هذه الأعراض في شدة قابلية الموهوب للإثارة.الموقف التربوي
يعتبر الموهوبون على العموم مثل غيرهم في كثير مما ذكر، فهم بدورهم معرضون لكافة الاضطرابات النفسية، إلا أن بعضها يتميز لديهم ذلك بنوعية مثيرة للانتباه، أكثر مما لدى الغير. ويمكن النظر من وجهة نظر تربوية تصحيحية إلى هذه المظاهر والتجليات؛ إذ يمكن تشكيل مجموعة رفاق ضمنهم الموهوب (الموهوبون)، أو فرق عمل على أساس الاهتمامات المشتركة والقدرات المتبادلة، لتجاوز الميل إلى العزلة، وبقدر ما تتم الاستجابة لهذا المسعى، بقدر ما تصبح العزلة مستبعدة؛ كما أن مظهر العزوف عن الاشتراك في العملية
التعليمية، قد يعزى إلى نوع من الفوضى الابتكارية الزائدة لدى الموهوب، تجعله منصرفاً إلى اهتمامات عدة في آن واحد، و يرجع فشل الانتباه في هذه الحال، إلى المدرسة غير المحفزة، كما يعزى إلى استشع ار الموهبة لضغط وإكراه من أجل التماثل مع الأقران، مما يتعارض مع طبيعة الموهوب.ومن جهة أخرى، لم يثبت بالبرهان ارتفاع نسبة الانتحار لدى الموهوبين بالنسبة لغيرهم، نتيجة ظاهرة القلق والهبوط، وبالتالي فإن الموهوبين مثل غيرهم يعرفون أنواع القلق الوجودي، المرتبط بالشرط الإنساني، إزاء أسئلة المصير والموت وما إلى ذلك.ويبدو من الواضح أن هناك أنماطاً مختلفة في الموهبة، كما أن هناك أنماطاً في التأخر، كما في التفوق على السواء؛ ويمكن فهم ما يتعلق ببعض هذه المظاهر بالرجوع إلى مفهوم اللاندماج الإيجابي، وإلى مختلف التعاريف الدراسية والإجرائية للموهوبين، باعتبارها درجة في سلم التقدير (الاختبار). (20)خامساًـــ الدينامية التفاعلية :يميل التصور التقليدي إلى النظر للوجود الفردي الاجتماعي، نظرة آلية سكونية أو أحادية الفعل بين طرفين، في علاقة الفرد بوسطه الاجتماعي؛ وهو ما يتطلب بعض التوضيح :أ ـــ الوسط الاجتماعي : تبدو العلاقة بين كل من الفرد ومحيطه، أبعد ما تكون عن سكونية مستوى (فعل ــ رد فعل) على قياس آلية (مثير ــ استجابة)؛ فوجود الموهوبين والأفراد بصفة عامة، في أسرهم وأوساطهم الاجتماعية، يمثل دينامية أساسية في تكاملها من جهة؛ و عدم انسجامها من جهة أخرى.(21)فإذا كانت الروابط المجتمعية تبدو كعامل ووظيفة، في عمليات الحراك الاجتماعي، فهي لا تقل عن ذلك فاعلية في بنيتها، بواسطة ما تقوم عليه من اختلافات وفوارق، ليست حالات
طبيعية أبداً، من قبيل منظومة عدم المساواة بين الأفراد، و نوعية تراتبيتها وتوزعها على درجات ومستويات، حسب الهرم الاجتماعي. (22)وواقع الفرد البشري الذي يظل طيلة مرحلة الطفولة على الخصوص، تابعاً ومعتمداً بالأساس على الوسط المحيط، يجعل هذه المرحلة الطويلة حاسمة في تكوين شخصيته (23)، عبر تفاعلات مختلف المنظومات الاجتماعية؛ ومن هنا يأتي مفهوم الفارقية المجتمعية، لا باعتبارها عائقاً مطلقاً في طريق الفردانية، بل باعتبارها عامل حراك أساسي، ومنظومة تفاعلية أساسية يستطيع الفرد عن طريقها، وليس عن طريق أي شئ آخر، أن يعبر عن تأكيد الذات عبر فردانيته وإزاء الغير، وهذا ما يسمح بتحليل وتفسير كثير من
التفاعلات البين ــ فردية، والبين ــ مجموعية. (24) إن الموهبة مهما كان منظور الاشتغال عليها، وآليات معالجتها، لا تدرك إلا في سياق تفاعلي، وبالتالي فإن الدور التربوي، بالإضافة إلى إمكان تدخله وضرورة هذا التدخل، فهو يبدأ
من الوسط الا جتماعي وينتهي إليه.ب ـــ الوسط المدرسي،الظاهرة التربوية في محيطها:يمثل الوسط المدرسي، الوسط الطبيعي والإنساني بامتياز للظاهرة التربوية التعليمية؛ وهو ما يسمح بتأسيس ملاحظة علمية بشروط منهجية وبتخطيط علمي دقيق، بما يروج في نطاق تفاعلاتها(25)؛ أي بالتالي ما يساعد في نطاق التعامل مع الظاهرة الموهبية، على أداء إيجابي على مستوى رعاية الموهوبين.
ويفرض المقام هنا، تـأكيد جوهر انتقادات جون ديوي للأنظمة والنظريات التربوية التقليدية، بل وحتى الحديثة منها، من زاوية اعتبارها حياة المدرسة، وبالتالي مرحلة الطفولة، مجرد إعداد لحياة المستقبل؛ وهو هنا يستند إلى ثورة روسو التي تبدو رغم طابعها الرومانسي أو بسببه، أبعد تحررية في جانبها التربوي، إذ يتساءل روسو مستنكراً عن هذا المستقبل الغامض وغير المؤكد، الذي نهيئ له الطفل مضحين بحاضره الآن، مما يجعله مثقلا بكافة القيود، من أجل مستقبل يوجد ما يحمل على الاعتقاد، بأنه لن يتمتع به. (26)
ومن هنا، فالموهبة في الوسط المدرسي، ليست ذخراً لدى صاحبها من أجل المستقبل، أو من أجله فحسب وعلى الأقل، دون الحاضر قبل كل شئ ؛ والمعرفة في هذا الوسط، ليست لذاتها، ولا للمدرسة، وإنما كل ذلك من أجل الطفل في حاضره الآن، من أجل الخبرة بقصد تنمية لا تتوقف أو تنحرف، فالعمل المدرسي إنما يتم عملياُ بالخبرة المباشرة للمتعلم؛ ومن ثم بالتالي، فالمدرسة هي الحياة الحقيقة وليست مجرد نسخة منها، أو مقاربة لها.إن تأثير هذه النظرية البراجماتية في ارتباطها بالواقع والإنتاج والخبرة، قد أحدثت تأأثيراً كبيراً في الأنظمة التعليمية، وفي طرق العمل المدرسي في الولايات المتحدة الأمريكية وبقية أنحاء العالم، سواء بالأخذ منها مباشرة، أو بالاستلهام من مبادئها وتكييفها مع الأوساط الاجتماعية المختلفة. (27) إن عملية رعاية الموهبة، تبدو من حيث المبدأ، مثل رعاية التفوق ومعالجة التأخر في الوسط المدرسي، تنطلق من قدرة المربي اللامحدودة على الفعل والتفاعل الإيجابيين؛ ومن ثم، فالعمل في الوسط المدرسي ليس عفوياً وهو غير قابل للصدفة، لآنه منهاجاً وطريقة، خاضع للتخطيط والتقييم؛ وإذا كان صحيحاً أن من المتعذر حصر كافة العوامل المتداخلة والمتفاعلة في الظاهرة التعليمية، وبالدرجة نفسها من الضبط، فإن ما يغيب منها أو يتعذر ضبطه، لا يسمح بأي استنتاج يعني تدخل الصدفة في المعادلة.وكما أن هذا الموقف التربوي الذي قد لا يبدو بدهياً لدى البعض، يبقى أقرب إلى القبول في حالة نجاح الفعل التربوي ، فإنه يجب ألا يبدو أقل من ذلك أيضاً، في حالة الفشل أو النجاح غير الكامل أو الجزئي؛ فقد يعرض تعلم واحد على مجموعة أطفال، لكنه لا يحدث لديهم جميعاً، تغيراً متساويا في الكيف والكم؛ وهذا راجع إلى ظروف كل منهم على حدة،
نتيجة عوامل ذاتية : إهمال ، عدم انتباه؛ أو أخرى عائلية أو اجتماعية(28)؛ لكن غياب الضبط بخصوص كافة هذه العوامل لا يسمح بأي إدراج لمفهوم الصدفة في السياق. ولا تبدو (الفعالية السلبية) للمنظومة التربوية من تداخل العوامل في هذا المثال، بل تتجلى أيضاً في أنماط أخرى من الفعل التربوي، يمكن أن تقوم على توحيد أكبر للعوامل، كما هو الحال في تجربة التفاعلات المرتبطة بالأحكام المسبقة، ودورها السلبي والإيجابي حسب طبيعتها، في تحقيق الفشل أو النجاح على السواء؛ هذه التجربة التي تقوم على
أساس فرضية مؤداها، أن الأطفال الذين يبدي لهم المعلمون أملا في التقدم، ينجحون في ذلك أكثر من غيرهم، من أفراد المجموعة الضابطة التي تبقى في ظروف عادية. (29)وهكذا يبدو بوضوح أن هذه الأحكام المسبقة، سرعان ما تصبح نبوءات تتحقق بطريقة ألية تماماً؛ وذلك على نحو ما يحصل مع الكلاب التي تعامل على أنها نابهة، لتصبح كذلك بالفعل، لمجرد أن مروضيها يعاملونها على هذا الأساس.(30) وإلى هنا يمكن أن نجمل ملاحظة بدهية مما سلف، مفادها ارتباط تكامل الوسط المدرسي المتكيف مع الموهوب، بتوافر مثيل ذلك في الوسط الاجتماعي؛ ولننظر في ضوء ذلك إلى المؤسسة التعليمية العربية. ج ـــ واقع المدرسة العربية:
يقتضي المقام الوقوف عند بعض الجوانب من مفهوم المدرسة العربية، ويتعلق الجانب الأول بوظيفة نقل المعرفة إلى الناشئة، أي وظيفة ما يطلق عليه التعلم والتعليم، وهو ما يتضمن المكون المادي (الحيز المكاني الخاص) من جهة؛ والمكون العلمي المعنوي أو العلمي التعليمي من جهة ثانية؛ وتفاعل هذين المكونين مع العامل البشري طبعاً والمحيطي المجتمعي، يشكل سمات الشخصية التي تتسم بها المدرسة على نحو شبيه بتصورنا لمفهوم شخصية الفرد، بحيث يصبح التميز واضحاً بين مدرسة وأخرى محلياً ووطنياً، كما هو
حاصل بين الأفراد في العادة، بل إن تشكل شخصية المدرسة على هذا النحو، يصبح ذا ملمح مجتمعي طبقي، وهو ما نشاهده في العديد من المجتمعات، بل في أغلبها إن لم يكن في كلها، من تمايز بين الفئات والطبقات التي ترتاد كل مدرسة؛ كما أن ارتياد مدرسة معينة بالنسبة للنشء ، ينبئ سابقاً ولاحقا ًعن مكانته الاجتماعية، كما عن الأدوار والمهام التي يؤهل
للقيام بها؛ ولا يعني هذا مجرد نوع من التخصص العلمي والمعرفي، الذي يمكن أن تختلف وتشترك فيه العديد من المدارس في المجتمع الواحد، وإنما يعني نوعية المدرسة، أي مكانتها المجتمعية، أو بالتالي تصنيفها على هذا الأساس؛ وهذا الأمر قد يتعدى الحدود ليكتسي طابعاً عالمياً أو دولياً، مثل مدرسة البولتكنيك الفرنسية المعروفة تقليدياً، وكذا بعض المدارس والجامعات المشابهة في مختلف أنحاء العالم.
بيد أن الحديث عن مدرسة عربية، يعني بالإضافة إلى المكونات الضرورية، طابعاً خاصاً تتميز به هذه المدرسة، عن غيرها من المدارس في مجتمعات وأمم أخرى، وهذ ما يجعل السؤال يتبادر على النحو التالي: هل هناك مدرسة عربية؟ وما هي مواصفاتها؟
ربما يستدعي الجواب عن هذ السؤال، طرح سؤال سابق ومحاولة تبين معالم جوابه على نحو كالتالي : إلى أي حد يمكن الحديث عن مدرسة منسوبة إلى أمة أودولة (عدا العربية طبعاً) ؟ وكيف؟ هنا يبرز الجانب الأهم في تحديد المقصود بمفهوم المدرسة عامة، والمدرسة العربية خاصة، ونعني به الجانب التربوي ( التقني والنظري)، أي بالتالي التصور والمنظور الفكر ي، الذي تصدر عنه وتنتهج طرقه هذه المدرسة.إن هذا التحديد يتطلب الحديث عن المضمون المعرفي والطرق التربوية في هذه المدرسة، و يمكن أن نوضح ذلك بكوننا يمكن أن نتحدث عن مدرسة ألمانية مثلا، بهذا المعنى، لنجد أنها تتميز بالتحرر طبعاً، كباقي المدارس الحديثة والمعاصرة في العالم المتقدم أو المصنـّع؛ لكنها تتميز بقولنا إجمالا إنها مدرسة "التعلم بالعمل" والتوجه التقني العلمي؛ كما يمكن أن نتحدث عن مدرسة أمريكية بصفة عامة، فنقول إنها تتميز بالبراجماتية أي الإنتاجية (النفعية) العملية؛ ونفس الأمر بالنسبة للمدرسة الروسية كما قد تمثلت على الأقل لدى " مكارنكو" ومنهاجه التربوي، الذي تبنته الدولة السوفياتية إذ ذاك، بدمج المصنع والمزرعة مع الفصل الدراسي المعتاد في آن واحد وضمن عملية واحدة، (31) وهو ما تطور إلى ما يسمى التعليم التقني المتعدد الاختصاصات Enseignement Polytechnique ؛ والأمثلة كثيرة من هذا النوع.بيد أن ملاحظات يجب طرحها، لتبين السياق الذي تتشكل فيه شخصية المدرسة على هذا النحو، ومنه:التفاعل مع المحيط المجتمعي الفكري والثقافي العام، كما مع كافة المكونات والمنظومات المجتمعية، وذلك بقصد التلاؤم معه، لا بما يعني مجرد مسايرت ه آلياً بما هو فيه وعلى الحال التي هو عليها؛ ولكن أيضاً، بما يعني العمل على قيادته وصنع تقدمه بالتصور والأداء التربويين؛ وعلى سبيل المثال فإن الفلسفة البراجماتية في صيغتها الأمريكية في المجالات العامة، من سياسية وتجارية وصناعية وحتى دينية، كانت تتطلب ترجمة تربوية في الواقع المدرسي، وهو ماجاءت لتمثله مدرسة جون ديوي وبيداغوجيا طريقة المشروع القائمة على أساسه، بيد أن لامركزية النظام العام لـ " الآمة الأمريكية" ونمط الحياة في مجتمعها التعددي، لم يكن ليقف عند نظرية تربوية ممركزة، لذلك فإن سمة البراجماتية التي تطبع التصور التربوي والمجتمعي الأمريكي في عمومه، لم تكن لتتنافى مع ابتداع طرق تربوية أخرى وفق تصورات مختلفة ضمن الإطار البرجماتي العام؛ وهو ما لم يحصل في المملكة المتحدة التي اتخذ الفكر البراجماتي فيها، طابع أكثر تحديداً، في ضوء مفهوم النفعية الضيق، بنهجه الأساسي في الاعتماد على القيم المادية (المالية) في تقدير جدوى أي
شئ مهما كان، ومهما كانت طبيعته؛ وهو ما يناسب إلى حد بعيد، نظام مجتمع مركزي محافظ إلى حد كبير؛ وينجم عنه بالتالي تصور تربوي وطرق بيداغوجية، مهما يكن تفتحها تبعاً لما يطبع كل الطرق والنظريات التربوية الحديثة من تفتح، فإنها تبقى متسمة بضبط أكثر، ونمذجة أقوى، وبالتالي إلى تركز ومركزة.ولا داعي للإطالة في استلهام تاريخ التربية،إذ المقصود من ذلك إنما هو استخلاص ما يُستند إليه، في نسبة المدرسة إلى أمة ومجتمع، سواء منه التربوي الخاص والمجتمعي العام، لتحديد مقصودنا من مفهوم المدرسة العربية.
من الواضح أن مثل هذا التحديد، لو كان يتم في ظرف وزمان سابق، كفترة ازدهار الحضارة العربية أو عصور كسوفها وانحطاطها، أو على الأقل ما قبل النهضة الأوروبية، والمراحل الاستعمارية التي خضعت لها المنطقة العربية، مع سائر مناطق العالم التي عمتها الأمبريالية الغربية المسلحة والمقرونة بتقدمها العلمي والتكنولوجي؛ لأمكن الجواب بسهولة تحمل معها التميز والتمييز في الإيجابي والسلبي معاً، تبعاً لمرحلة الازدهار أو الانحطاط والاستعمار؛ لكن الأمر يختلف عندما يتعلق الحال بمفهوم المدرسة العربية اليوم، أوفي العصر الحديث عموماً؛ هذا علاوة على أن المدرسة بالمعنى التربوي، تمثل مفهوماً يكتسي طابعاً معيارياً، كالحال في كل المفاهيم والقيم في مجال التربية، باعتباره لاينصب إلا على الإيجابي، وهو طابع أصبح اليوم أكثر إلحاحاً وتأكيداً، عملا بمبدإ الاقتصادية التربوية، ومؤداها بتركيز: أجود أداء (أكثر مردودية في الكم والكيف)، أقل جهد (أحسن طريقة)، أقصر وقت( أسرع تعلم)؛ لا عكس ذلك أبداً، لا جزئياً ولا كلياً.إنه الوجه الذي يشكل " مثالية" التربية لا بالمعنى المذهبي للمثالية، وإنما بمعنى الهدفية الواقعية أي القابلة للتحقق، وهي ليست مطلقة على كل حال.من هنا، فإن تلمس المنظور التربوي المشكل للمدرسة العربية، في العصر الحديث المعاصر، يحيل مباشرة إلى ارتباطها بالمدرسة الغربية، وهو ارتباط تأتى عن ضرورة وليس عن اختيار، بفعل علاقة الهيمنة و"التبعية" العملية التي طبعت علاقة المنطقة العربية بالأمبريالية الغربية؛ ولا يعني هذا بالضرورة، أن الأمور لو سارت على نحو مخالف، أي على أساس تبادل وتلاقح حضاري، قائم على إرادة حرة من جانبين، أوعلى علاقة ندية، كان يمكن ألا يتم، أو أن يكون على نحو أفضل بالضرورة.
وعلى كل، فالواقع يقدم نموذج "المدرسة العربية" في هذه العلاقة شبه المفروضة، والتي تجعل المبادئ التربوية للمدرسة الغربية( فرنسية أو إنجليزية) بالخصوص، قائمة إلى جانب الموروث والتقليدي من المبادئ التربوية العربية؛ ويمكن توضيح ذلك بالقول، إن مبدأ التحرر المعروف في المدرسة الغ ربية الحديثة، يقوم جنباً إلى جنب مع مبدإ التحكم والتشدد في المدرسة العربية؛ كما أن الفعالية والإنتاجية في المضمون المدرسي والطريقة التربوية، تتساكن مع طابع السلبية والتلقين المباشر والاستظهار؛ وهو وضع قابل لتغلب
السلبي على الإيجابي، والتقليدي على العصري والمعاصرفي المبادئ، وهو ما يحصل في غالب الأحيان و الحالات.
ومن الواضح أن هذا المظهر التناقضي الصميمي ، يأتي على شاكلة ما يكتسيه الحراك الاجتماعي العربي في كافة مظاهر السلوك والحياة، وذلك بالمنظور الوصفي دون أي حكم قيمة.ومن هنا يمكن الحديث عن "مدرسة عربية"، بما يعادل "الحديث عن المدرسة في المنطقة العربية" أو الوطن العربي، بغض النظر عن جزئيات الاختلاف ما بين قطر وآخر، أو مدرسة وأخرى، حكومية أوغير حكومية.
وبالإضافة إلى هذا التحديد الجغرافي المتضمن بالضرورة لما هو بشري (إثني) ولماهو تاريخي حضاري في المنطقة، يبقى الجانب اللسني أو اللغوي، وهو فكري حضاري شامل وعميق .وهكذا يمكن الخلوص إلى أن مفهوم المدرسة العربية، يقصد به المؤسسة التعليمية القائمة في الوطن العربي، بمقوماتها الأساسية، في سياق تفاعلها مع المحيط العالمي العام والتربوي الخاص؛ ومثل هذا التحديد، يبقى أكثر من ضروري وبخاصة في شقه الثاني بالنظر لقوة التفاعل العالمي اليوم، بفعل وسائل التواصل والاتصال، وفي ضوء ظاهرة العولمة.
وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أولى البوادر الجدية لتشكيل مدرسة عربية على هذا النحو، في فكر إسماعيل القباني على سبيل المثال، وذلك في تأكيده على مراعاة الفروق الفردية، وربط المدرسة ببيئتها، وتطوير المناهج وطرق التدريس، وكذا الإدارة المدرسية، بما يتماشى مع المبادئ التربوية الحديثة، علاوة على اعتماد الخبرة والتجريب في العملية التعليمة؛ وفي هذا السياق كانت له رؤية (خاصة)، قابلة للنقد والنقض معاً، في تعليم اللغة العربية للطفل، انطلاقاً من ( الدارجة) التي يتعامل بها في حياته اليومية، وذلك بالتفصيح
التدريجي لهذه الأخيرة.ومما لاشك فيه أن هذه التصورات، وهي تعود بالأساس في مجملها لمبادئ التربية الغربية الحديثة، تستدعي نقاشاً وانتقاداً في بعض تفاصيلها؛ إلا أن أهمية القباني تكمن في أنه عمل على وضع تصوراته موضع التطبيق، بحكم دوره ومسؤولياته التربوية والحكومية في مصر، ويعتبر تقريره الشهير لسنة 1947 مرجعاً في هذا الباب.ويمكن اعتبار عبد الله عبد الدايم في سوريا، من المساهمين الأساسيين في تحديد المدرسة العربية، في تركيزه على التربية التجريبية من جهة، و تقديمه للفكر التربوي الغربي في بعض جوانبه ومدارسه؛ مثله في ذلك إلى حدما مثل عبد الكربم اليافي؛ إلا أن ما يلاحظ هنا، هو الطابع النظري الخالص لهذين المفكرين، باعتباره لا يخضع التصور التربوي للتطبيق المدرسي، علاوة على مسحة سوسيولوجية قوية، تحيل إلى المدرسة الاجتماعية الفرنسية، والدركاريمية منها على وجه الخصوص. سادساً: رعاية الموهوبين في الوطن العربي:في هذا الواقع الذي لا يخلو من تعقيد، نتيجة تفاعل غير تام ولا منسجم للمدرسة العربية، مع التيارات والتقنيات التربوية العالمية، تبعاً لعوامل متعددة، يتمثل موضوع رعاية الموهوبين.
أ ـ الواقع العام من خلال المناهج من الممكن التعرف على معالم الواقع التربوي الحالي في البلاد العربية، من خلال أشغال بعض المؤتمرات المختصة وكذا الدراسات والوثائق الرسمية؛ ونقارب بهذا الخصوص خلاصة ندوتين تعودان إلى يبرابر 2004 نظمتا ببيروت، بمبادرة من من مؤسسة الفكر العربي، وشراكة مع اتحاد الجامعات العربية، ومكتب التربية لدول الخليج، ومكتب اليونسكو
الإقليمي للدول العربية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، والمنظمة العرب ية للتربية والثقافة والعلوم، وقد تركزت الأشغال حول محورين يتمثل أولهما في :" النظم التعليمية في البلاد العربية خلال نصف قرن" ؛ وثانيهما في" التعليم العالي بين الواقع والمأمول "وفيما يخص المحور الأول الذي تطرق إلى معضلة التعليم العربي عموماً‘ فقد تميز بهذا الصدد اتجاهان، يمكن اعتبار أحدهما توفيقياً إصلاحياً، ويرى أن مسيرة التعليم في البلاد العربية قد حققت بالفعل تقدماً لا ينكر، وتتطلب مزيداً من الإصلاح؛ بينما يعتبر الثاني تجديدياً، يرى أن المتحقق لحد الآن لا يعدو أن يكون خطوات بدائية نتيجتها صفر مطلق؛ و من ثم يجب التغيير والتسريع ما أمكن؛ وربما يكون التعبير في هذا الموقف أقوى مما يلزم، وبالتالي فالتقدير الصفري لما تحقق أقسى مما يلزم كذلك؛ إلا أنه يبدو من منظور آخر ملخصاً للخيبة المرتبطة بالأنظمة التعليمية العربية، وهو مايعبر عنه الرأي العام العربي في إحساسه الشديد بالفشل التعليمي بعد عقود من الأداء الباهظ للتكلفة المادية والبشرية، كما يترجمه الإعلام حرفياً في صورة كاريكاتورية لوزير التعليم في بلد عربي، يقول إن حصيلة التعليم على مدى 30 سنة = 0.من جهة أخرى، قد تم التأكيد على أن دراسات عديدة دولية وعربية، قد أجر يت بقصد إصلاح التعليم إلا أن نتائجها وتوصياتها لم تنعكس في واقع التعليم في البلاد العربية؛ مما يتطلب طرح السؤال بجدية وموضوعية، والجواب عنه بمثل ذلك، وبالتالي العمل على أساسه، وهو التالي: ماذا نريد من التعليم وأين الخلل؟ومن هنا تجددت الدعوة إلى مدرسة فاعلة، تعمل على بناء الشخصية على أساس بناء الثقة والتوجه إلى المستقبل، بقيم مستقبلية كما تم التنبيه إلى غياب العناية بالموهوبين، ومن تم جاء التأكيد على ضرورة الاهتمام بـ 5 % أو 10 % ، من المتعلمين، يمثلون الموهوبين، لإيلائهم ما يستحقون من عناية ورعاية خاصة، بقصد الوصول بهم إلى المأمول من دور في الارتقاء بالمجتمع والدفع به في مسار التقدم العلمي والتكنولوجي.
أما بخصوص محور التعليم العالي بين الواقع والمأمول، فقد تمت الدعوة إلى ربط التعليم العالي بالبحث العلمي، وأشير بهذا الصدد إلى ضآلة الميزانيات المخصصة للبحث العلمي والتي لا تتتجاوز نسبة 3 % في الغالب، وفي أحسن الظروف.
ويعاني التعليم العالي في البلاد العربية، من تزايد الطلب طرداً مع العجز عن متطلبات ذلك، من النواحي البيداغوجية والبشرية واللوجستيكية؛ وهذا ما يرتبط في الآن نفسه وبطريقة آلية، مع انخفاض مستوى ا لخريجين؛ ويتبين من المقارنة، أن كلفةالطالب الواحد في البلآد العربية تساوي 1200 دولار، مقابل 12000 دولار في الدول المتقدمة؛ كما أن عدد الطلبة الجامعيين في البلاد العربية يناهز 4 ملايين، مقابل 14 مليون في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك مقارنة بعدد السكان لدى الطرفين.
وباعتبار أن المعطيات السابقة في المحورين معاً، تعرض وضعاً ومشتركاً في الدول العربية؛ فإن بعض القضايا الخاصة لابد من طرحها في هذا المجال وفي طليعتها موضوع التعريب ووضعية اللغة العربية.وإذا كانت سوريا على سبيل المثال، قد قامت بتعريب الطب منذ بداية القرن 1906 والحقوق 1916 ؛ كما سارت على هذا النهج دول عربية أخرى مع تفاوت في ذلك، وتذبذب أحياناً؛ فإن الحالة في المغرب العربي تقدم وضعاً مخالفاً وجديراً بكل اهتمام؛ فدول المغرب العربي، تعرض نفس الجوانب المشتركة في هذه المعضلة مع سائر دول المنطقة العربية، لكنها تضيف إليها ظاهرة " الفرنسة " في الإدارة على الخصوص، وفي الحياة اليومية عموماً، علاوة على مجالات العلوم والتكنولوجيا والمال؛ وبهذا الخصوص فإن التصريح االحكومي للوزير الأول المغربي، يتضمن العمل على إحلال اللغة العربية مكانتها (32)؛ وهو مماثل لما تث بته الوقائع والدراسات على الحال في الجزائر إذ تسجل " حملة الفرنكفونيين من أجل الدفاع عن (غنيمة الحرب) التي يرونها في وجود اللغة الفرنسية بالجزائر، حتى أعيد تدريسها ابتداء من السنة الثانية ابتدائي، بعد أن كان الأطفال ينتظرون السنة الرابعة لتعلمها"(33) هذا، علاوة على وضعية الأمازيغية التي انتهى المغرب إلى إدماجها في المنظومة المدرسية، وأقام مؤسسة "المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية"؛ وما تزال تعرض كمطلب ملح من بين ما تطرحه مطالب معضلة المنظومة التعليمية بالجزائر " قبل قضية المناهج [...] كانت هناك قضية البربريين المطالبين بإلزامية تعليم اللغة الأمازيغية في المدارس" (34)و تواجه تونس كغيرها من بلدان المغرب العربي، تحدي المعضلة التعليمية " وهو تحد مزدوج يتمثل في ضرورة مجابهة التوالد العددي للناجحين في البكالوريا والذي سيبلغ 500000 في أفق سنة 2011 ، وفي مزيد الملاءمة بين التعليم العالي والتحولات السريعة التي يشهدها المجتمع[...] وذلك في محيط إقليمي ودولي متغير..."(35)ولا تختلف الأهداف والتحديات عن مثل ذلك في ليبيا، إذ أن الخطة المرسومة للبحث العلمي في بداية القرن الحادي والعشرين، والملاحظات القائمة بصدد المنجز والمأمو ل تصب في الاتجاه نفسه؛ (36)؛ وهو الاتجاه الذي تتسم به جهود موريتانيا في طبيعتها ومعالمها العامة، رغم اختلاف في التفاصيل ترجع بالذات إلى عامل التمويل. (37)وتعاني الأنظمة في كافة بلدان المغرب العربي من تحدي الهدر المدرسي؛ ففيما يخص الجزائر" قد ورد في إحصائيات منظمة اليونسكو أن من بين 100 طفل يدخلون مرحلة التعليم الابتدائي، فإن 11 فقط، ينتهي بهم المطاف إلى مقاعد الجامعة، "(38)؛ أما المغرب فالجهود متجهة ما تزال إلى " تفعيل الإلزامية ومواصلة الاعتناء بالتمدرس في الوسط القروي، والرفع من نسبة التمدرس في التعليم العالي، والتخفيف من حدة الاكتظاظ والحد من الهدر المدرسي..." (39)؛ ويمكن الاستناد إلى الوثيقة الرسمية المعتمدة في الخطة الحالية للتعليم بالمغرب، ومنذ ما يناهز عقداً من الزمن وهي المسماة " الميثاق الوطني للتربية والتكوين" للتأكد من أن المشاكل التي تواجهها الخطة الوطنية، وبالتالي كل الحكومات المتعاقبة في إطارها إلى اليوم، تقف عند حدود المعضلات الأساسية والكلاسيكية في التعليم، من حيث التعميم والتجهيز والهدر. (40) خلاصة :يمكن إجمال أهم اتجاهات التربية في البلاد العربية، وهو ما يعني الملامح الأساسية للمدرسة العربي ة حتى نهاية القرن العشرين، مع بعض التفاوتات إيجاباً وسلباً في هذا القطر أو ذاك، وهي المتمثلة في تعميم التعليم وإصلاحه وإلزاميته؛ وتشمل الإلزامية مرحلة التعليم الابتدائي على الأقل، كما تشمل المنظومة التعليمية نسق التربية غير النظامية، بما فيها تعليم الكبار عن طربق محاربة الأمية، وكذا نمط التعليم الاستدراكي بالنسبة للمتعلمين الذين فاتتهم فرصة التعليم بالمرة، أو ضاعت عنهم مرحلة أساسية من مراحله، مما هو معروف في ظاهرة "الهدر المدرسي" (41)؛ كما تشير التقارير والوثائق الرسمية المختلفة في هذا الخصوص إلى تسجيل ثقل مجانية التعليم على كاهل الدولة في البلدان الفقيرة أوالمتوسطة؛ والوقوف عند مؤشر ازدياد نسبة المؤسسات التعليمية والجامعات وكذا عددالمتعلمين للدلالة على التقدم الحاصل في هذا الميدان؛ أما على مستوى الجودة والفعالية والبحث، فيمكن القول باستثاء حالات قليلة، إنه لاتكاد توجد جامعة عربية بالمعنى الحقيقي، وذلك حسب المعايير الجامعية الدولية.في مثل هذه الاهتمامات الأساسية المتعلقة ببدائيات المشاكل التعليمية في المدرسة العربية، يغيب الاهتمام بظاهرة الموهوبين التي تبدو وكأنها ترف أمام المشاكل الحيوية في هذا المجال، أو ه ي تبقى مجرد تلميحات ومبادئ، ما عدا نماذج وحالات معينة سنتعرض لها لاحقاً؛ وكل هذا في ضوء غياب التبادل والرؤية العربية الموحدة.ب ـ الواقع الخاص لرعاية الموهوبين: رغم الواقع على النحو الذي وصفنا، فيمكن الإشارة إلى نوع من العناية يمكن أن تمثل نمطاً من رعاية الموهوبين، يتمثل في مؤسسات خاصة، غير مدرسية في الغالب، لا يخلو منها بلد عربي، تتمثل في بعض مصالح الجيش، وفي مؤسسات صناعية ومالية معينة، من شأنها أنها مبدئياً، تقوم بعمليات فرز متنوعة بناء على سمات محددة تشترطها في المترشحين، ولها اختبارات فنية وتقنيات تقيس بها ما تريده من مهارات، كما أن لها بالإضافة إلى ذلك تكوينات خاصة، تـُخضع لها من يطالهم الاختيار والاختبار.ومن المعروف بخصوص مثل هذه الاحتياجات، رغم أنها لا ترقى لمبدإ رعاية الموهوبين بمعناه العام، إلا أنها ساهمت على مستوى العالم، في تطور مجال الاختبارات النفسية تلبية لمتطلباتها، سواء منها الاختبارات السيكوتقنية، أو الذكائية أو الأدائية المهاراتية أو اختبارات الشخصية؛ فقد تفاعلت جهود السيكلوجيا مع ظروف الحرب ومتطلباتها، وتطورت عن طريق تلبية الاحتياج إلى اختبارات للكشف عن الأفراد الأصلح لقيادة الطائرات وغيرها من المهام الدقيقة(42).ويمكن بهذ الصدد أيضاً، الحديث عن مدارس خاصة، غير حكومية بالأساس، ومنها مدارس البعثات الأجنبية، من التي تشترط لولوجها في جميع المستويات، بما فيها الابتدائي وحتى العالي المتخصص، التفوق في أداءات معينة، وهي بذلك تقيم أساساً نخبوياً واضحاً في المجتمع.وعلى العموم، فالواقع الخاص لرعاية الموهوبين من هذه الزاوية، رغم دلالاته القوية لايقدم الكثير، ولا يمكن إدراجه في برنامج تربوي عام أواستراتيجيا وطنية إزاء موضوع هذه الفئة، علاوة على أنه قد لا يعدو أن يكون رعاية خاصة للمتفوقين عموماً، في مجالات بعينها، وحسب الحاجة والمتطلبات الداعية لذلك، وفي حدود احتمالها. ولا ينكر بهذا الخصوص، أن مجالات ذات خصوصية معينة، تحظى فعلا ورسميا برعاية الموهوبين في مجالها، مثل الرياضة بأنواعها المختلفة، وما يخصص لها من معاهد
ومنشآت الرعاية والتكوين، وكذلك بعض الفنون الموسيقية، وما يخصص لها أحياناً أو باستمرار، من مؤسسات قارة وبرامج موسمية أو دائمة، مثل "سوبر سطار" أو "أضواء المدينة" أو "غن يا شباب"؛ فهذه كلها لها دورها في اكتشاف المواهب في مجالاتها؛ إلا أن ذلك، لا يدخل في نطاق نظرية تربوية لرعاية الموهوبين، بقدر م ا يدخل في سياسة اهتمام ظرفي وقطاعي، يتم اسجابة لعوامل ودوافع غير تربوية أساساً، رغم أهميته وفائدته. ج ـــ نماذج عربية في رعاية الموهوبين:رغم المعطيات السابقة من تحليلنا، والمؤدية إلى استنتاج شبه إغفال وإهمال لموضوع رعاية الموهوبين بالمعنى القصدي والدقيق،لاعتبار أو آخر، فإن ثم تجارب ونماذج في بعض
البلاد العربية لا يمكن إغفالها، بغض النظر عن الاعتبارت المحيطة بها والعاملة في وجودها. ولا بد في هذا الخصوص من التذكير بأن بعض المجتمعات والدول المتقدمة والديموقراطية في العالم، لا تخصص مدارس للموهوببن، انطلاقاً من مبدإ تكاقؤ الفرص، وعدم الميز؛ بل
إننا نجد مثل هذه الرؤية القائمة على التمييز بين الأفراد عامة والمتعلمين بوجه خاص، يطالها المنع القانوني والتحريم المجتمعي، كما هو الحال في السويد على سبيل المثال، وذلك لما تخلقه من نمط الأبارتايد والمساس بحقوق الإنسان.بيد أنه من جهة أخرى، وفي ظل السائد في البلاد العربية، من وضعية مجتمعية وتعليمية غير وظيفية، لا خلاقة ولا مساعدة على الخلق، ولا كاشفة عن الابتكارية إن لم تكن معيقة لها؛ يُخشى تفويت فرص اكتشاف المواهب والعبقريات؛ ومثل هذا معروف في التاريخ وفي النظم التعل يمية المعهودة القائمة على الاشتغال على (متوسط تعليمي وعقلي) وهمي؛ وتقدم لنا سيرة نيوتن (في القرنين 18، 19) مثالا على ذلك، إذ كان ينظر إليه كطالب فاشل؛ ومثل ذلك حصل مع أينشتاين ( منتصف القرن 20)، وقد طرد من المدرسة، لأنه اعتبر طالباً غبياً بطئ التعلم، وكان ذلك محرجاً لوالديه، ومدعاة للخجل من أدائه المدرسي.وتقدم سير العظماء، وخاصة منهم ذوي النظريات العلمية العظيمة، والعباقرة المخترعين والمكتشفين، مئات الشخصيات من الموهوبين ممن عجز النظام التعليمي العام، ومبادئ البيداغوجيا (الوسطية العمومية) التي يقوم عليها، عن اكتشافهم.ونلمح هنا في عجالة إلى بعض التجارب العربية في رعاية الموهوبين، دون استيفائها جميعاً، وذلك بهدف استخلاص ما نرمي إليه لاحقاً.ـــ تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة : لا يمكن إغفال تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، في مجال رعاية الموهوبين لما تتسم به من الجدية، ومن حيث تبنيها واعتمادها على المستوى الرسمي، ومن حيث المؤشرات
الدالة في هذا الباب، ومنها تخصيص جائزة للتعلم المتميز؛ وهي جائزة حمدان بن راشد للموهوبين، التي تقوم على برنامج وطني وميزانية خاصة بها؛ خاصة أنها أصبحت عضواً ضمن برنامج الم جلس العالمي لرعاية الموهوبين، وهو الذي يشارك في دوراته حوالي فيه 1000 من ممثلي الدول والمنظمات التي تعنى بالموهوبين، وقد انعقدت إحدى هذه الدورات في أغسطس 2007 بإشراف المملكة المتحدة؛ ونشير هنا أيضاً إلى جهود دولة الإمارات العربية المتحدة، في الاشتغال على تقنين أدوات وأساليب الكشف عن الموهوبين
(43) ومن جهة أخرى فإن جائزة التعليم المتميز للموهوبين في الإمارات، تحظى باهتمام المحافل الدولية المختصة، ومن ذلك مجلة  Gifted and Talented International وهي مجلة تشرف عليها نخبة من كبار المختصين، في مجال رعاية الموهوبين، تتوزع على نطاق واسع، إذ تصل إلى أكثر من 80 بلداً في العالم، وتقدم أحدث النظريات في هذا الباب.
ــــ تجربة المملكة العربية السعودية تجدر الإشارة في هذا الباب إلى مؤسسة "الملك عبد العزيز ورجاله"، لرعاية الموهوبين، وهي مؤسسة فاعلة في هذا الاتجاه، تقوم على برنامج ومؤتمر علمي إقليمي ينظم حول الموهبة؛ كما نشير إلى الدورة 16 لمهرجان الجنادرية الذي خصص ندوة موضوعها "رعاية الموهوبين في العالم العربي"، تطرقت إلى مواصفات الموهبة ونوعية التكوين الذي
يجب أن يخصص للموهوب: أي تكوين لأي موهوب؟ ــــ تجرب ة الجماهيرية الليبية: تقدم ليبيا نموذجاً يتمثل على الخصوص في تجربة " مركز ابن الهيثم لرعاية الموهوبين " وهو مؤسسة أحدثت لهذا الغرض، برؤية وبرنامج (44)، وهو مؤسسة قائمة على
تصور لمؤشرات الابتكارية، مظاهرها، وبرامج رعايتها(45)؛ــــ تجربة جمهورية مصر العربية: يلاحظ بهذا الجهود العلمية المبذولة والمنجزة في مجال الدراسات الفارقية، في مختلف الجامعات، وقد حققت نتائج جيدة على مستوى وضع الاختبارات االمتعددة لكثير من الظواهر، موازاة مع تكييف الاختبارات العالمية مع البيئة العربية (في مصر)؛ علاوة إنجاز دراسات ميدانية إحصائية حول أساليب رعاية الموهوبين.وتوجد مشاريع بل ومؤسسات تتبنى شعار رعاية الموهوبين، وتعمل في نطاقه ومتطلباته بدرجة أو أخرى، في مختلف البلاد العربية كما في الأردن، و العراق ( ما قبل الاحتلال)، إذ انعقدت بهذا البلد العربي عدة ندوات مخصصة لهذا الغرض؛ وفي المغرب رغم اشتغال المنظومة التعليمية على الاحتياجات الأساسية في البرنامج الحكومي، إلا هناك على المستوى المدني(الأهلي) وشبه المدني، تظاهرات منتظمة لرعاية الموهوبين في بعض المجالات، نذكر منها جائزة الحسن الثاني للمخترعين، وهي تنظم سنوياً
للاهتمام بالا بتكارات في المجالات العلمية والعملية المختلفة؛ مما يوجد مثله في العديد من الدول العربية، وهو بطبيعة الحال لا يرقى لمستوى تصور متكامل رسمي وشامل لرعاية الموهوبين.د ـــ خلاصات أولية:نحاول إجمال ما تقدم بخصوص واقع رعاية الموهوبين في البلاد العربية ضمن نقط وتوضيحات كالتالي:قد تكون العديد من المؤسسات والمشاريع القائمة على رعاية الموهوبين، في البلدان العربية التي برزت نسبياً في هذا المجال، أو بادرت في نطاقه؛ مجرد اشتغال على مستوى المتقدمين والمتفوقين، وهو أمر محمود ومطلوب وربما هو الأكثر مشروعية؛ بيد أن ذلك يجب أن يكون واضحاً كل الوضوح، وفي غير التباس، وفي نطاق تسمية الأشياء بأسمائها
ووظائفها؛ وربما كان ذلك من دواعي أننا رغم قيام مؤسسات الرعاية الخاصة بالموهوبين في بعض البلاد العربية، ذات الأسبقية في هذا المجال، لم تثرنا أية ظاهرة ابتكارية نتيجة اشتغالها وإنتاجها، خارجاً عن المألوف والطبيعي من ظروف ظهور العبقريات العربية المختلفة، بالطرق التنشيئية والتكوينية العادية.ولا ننس هنا التجارب التاريخية والحالية، السارية في اختيار البعثات الطلابية للتخصص أو تعميق التخصص؛ وقد عرفت في هذا الاتجاه، مع محمد على في مصر، كم ا قام بها السلطان الحسن الأول في المغرب في نهاية القرن التاسع عشر، متزامناً مع امبراطور اليايان في الفترة نفسها؛ ومع أن مثل هذه البعثات قد تكون متضمنة لموهوبين، فإنها تدخل في
نطاق مفهوم المتقدمين والمبرزين من الطلاب، ولا ترجع إلى عمل مؤسسي علمي، في الكشف عن الموهوبين ورعايتهم، بينما يبدو الأمر على خلاف ذلك ويفوقه، فيما قام به الرئيس جيفرسون في أمريكا، وبخاصة أنه استمر وتطور إلى ما أصبح يحمل إلى اليوم اسم "مدرسة توماس جيفرسون الثانوية للعلوم " بولاية فرجينيا ؛ ومثل ذلك " مدرسة برونكس الثانوية" المخصصة لذوي القدرات الميمزة و العالية. يجب أن نكون جد واضحين هنا وغير محايدين، إزاء ما يلزمنا به موقعنا كمربين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، مقابل بعض الظواهر التي تلتبس برعاية الموهوبين بما يجب تربوياً ونرمي إليه هنا، لنقول إن الاقتصار على التكوين الاسترجاعي "للموهبة" بما في ذلك إيلاء كل الآهمية لحفظ المتون، ومنها القرآن الكريم، ليس السبيل السالكة لرعاية الموهوببن في عالم اليوم، وهو ماعابه ابن خلدون في زمانه على نظمنا التربوية.صحيح أن المظاهر الاستظهارية قد تكون من بوادر الموهبة، بيد أن الخطورة تتمثل في انعدام دور تربوي لمؤسسة تعنى بذلك على نحو شمولي، مما يتركه للطبيعة والعفوية والظروف، ويترك الموهبة بالضرورة محصورة ومحاصرة في نطاق محدود، كما أن الخطورة تتمثل في هيمنة تكوين معين على الموهبة في باكر ظهورها ــ وطبعاً دون أي جهد
تربوي في الكشف عنها ورعايتها ــ لتتخصص في آليات أدائية معينة كحفظ المتون، بدون نمو أو تنمية لخبرة أو ابتكارية، شأن المألوف في معاهدنا التقليدنا ونظمنا التعليمية العتيقة؛ لذلك فإن رعاية الموهبة، يجب أن تتم في سياق التفتح، وفي نطاق أداء ومستوى برامج رعاية المواهب العالمية، باحتكاك معها، وعلى أساس القياس والتعامل وفق معاييرها.ولا يفوتنا أن نسجل أن مثل ذلك التكوين الاسترجاعي الصرف الذي ألمحنا إليه، يمكن أن يباشر في مرحلة لاحقة، في نطاق التخصص العلمي، لفئة يكون لها ذلك الاختيار، أو
توجه إليه بحكم حاجة المجتمع والأمة، و ذلك بعد أن تؤتي الموهبة ثمارها، وتتفتح متشبعة بالابتكارية والتنوعية العلمية والثقافية.
وبهذا الخصوص، لا أحد ينفي ضرورة تكوين علماء الدين والقراءة والقراء؛ لكن لا على حساب الموهبة في باكر الطفولة، إلا بمقدار وفي نطاق منهاج متنوع ومدروس تربوياً، بحيث لا يستأثر بكل طاقات الم وهبة، ويقلص إمكاناتها بتسخيرها في مجال واحد ووحيد؛ ويمكن أن نستحضر مثال الطفل المعجزة الذي يحفظ القرآن كاملا قبل الالتحاق بالمدرسة، كما حصل ويحصل في بلدان منها مصر والسعودية والمغرب وغيرها، وكمثال أيضاً عاينته في طفلة يمنية، تتكلم عدداً من اللغات الحية بطلاقة(ألمانية إنجليزية فرنسية)، بحكم
تعاملها مع الأجانب من السياح؛ فهذا لا ينافي القصد مما نتجه إليه، بقدر ما يؤكد على ضرورة إتاحة الفرصة للموهبة، كي تتفتح بكامل حريتها، وهذا لايتم بدون وسائل علمية لاكتشافها ورعايتها. ولابأس هنا من الاستئناس بالأثر النبوي الشريف، في حادثة توجيه الرسول (ص) لزيد بن حارثة، لتعلم اللغات عندما لاحظ نباهته، ولنقل اكتشف موهبته أو تعرف عليها؛ فتعلم
زيد بسرعة فائقة كلا من العبرية والسريانبة، وذلك بقصد تيسير التواصل الحضاري لرسالة الإسلام، مع غيرها من الحضارات.
ويلاحظ من كل ما سبق، أن الدول العربية المتقدمة نسبياً، في مجال رعاية الموهوبين، هي على العموم المتصفة بالغنى والثروة الاقتصادية، مقابل المحدودية الديموغرافية؛ بينما غيرها ما يزال يشتغل بحكم الحاجة والقصور، على مستوى الاستجابة للضرورات الأولية، في سلم الارتقاء التعليمي والتربوي؛ وهذا ما يطرح معضلات التكامل العربي، على أكثر من صعيد.
:::

 

http://romancemoon.net/get.php?u=aHR0cDovL3d3dy5tb2VtYWdhemluZS5uZXQvYXJ0aWNsZXMucGhwP2FjdGlvbj1zaG93JmlkPTE1







~~~ التقدم إلى الخلف!ّّ~~~ - واقع رعاية الموهوبين في المدرسة العربية....(مقال طويل ولكنه مفيد) - البحث الإعلامي وتحليل المعلومات، يلمع في وقت الصدأ
217|الأرشيف|الرئيسية


-----






--





palmoon tool bar
privacy policy